تحليل انتقال قيادة Civitatis وما يكشفه عن تسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي في السفر. خطوات عملية لقطاع السياحة والضيافة بالمغرب لرفع الحجوزات.

انتقال قيادة Civitatis: إشارة لذكاء اصطناعي أسرع بالسياحة
في 22/12/2025 أعلنت منصة Civitatis—وهي سوق إلكترونية للجولات والأنشطة—انتقالاً قيادياً يبدأ في 01/01/2026: المؤسس والرئيس التنفيذي ألبرتو غوتييريز يتنحّى عن دوره التنفيذي بعد مسار طويل، ويتولى المنصب أندريس سبيتزر (رئيس المنتج والتقنية حالياً). الخبر يبدو إدارياً للوهلة الأولى، لكنه في قطاع السفر يعني شيئاً محدداً جداً: المرحلة القادمة ستُدار بالأرقام والمنتجات والذكاء الاصطناعي أكثر مما تُدار بالحدس والعلاقات.
هذا التحول يهمّ المغرب مباشرة. لأن السياحة المغربية في 2025–2026 تعيش ضغطاً مزدوجاً: منافسة عالمية شرسة على الانتباه والحجوزات، وتوقعات ضيوف أعلى من أي وقت—خصوصاً في موسم نهاية السنة والعطل الشتوية حيث يصبح القرار “أسرع” و“أكثر رقمية”. عندما تتحرك شركة بحجم Civitatis (حوالي 1.2 مليون مسافر شهرياً بحسب إعلانها) نحو قيادة تقنية، فهي ترسل رسالة للسوق كله: من لا يبني قدرته على التوسع عبر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيتأخر.
ضمن سلسلة “كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قطاع السياحة والضيافة والسفر في المغرب”، هذا المقال يترجم الحدث إلى دروس عملية للفنادق، ووكالات الأسفار، ومنظمي التجارب، وأصحاب الرياضات، وكل من يبيع تجربة سياحية في المغرب.
لماذا تغييرات القيادة في السفر تعني عادة “تحولاً رقمياً”؟
الجواب المباشر: لأن الشركات التي تتجاوز مرحلة المؤسس غالباً تُدخل انضباطاً تشغيلياً: منتجات أوضح، مؤشرات أداء أدق، واستثماراً أكبر في الأتمتة والذكاء الاصطناعي لخفض تكلفة اكتساب الزبون ورفع قيمة الحجز.
في حالة Civitatis، التعيين الجديد ليس من خلفية “مبيعات” أو “علاقات عامة”، بل من خلفية منتج وتقنية، مع تجارب سابقة في شركات مثل Amazon وقطاع التنقل. هذا النوع من القادة عادة يضع ثلاثة أسئلة على الطاولة:
- كيف نجعل رحلة الحجز أقصر وأوضح (Conversion)؟
- كيف ننتج محتوى وتسويقاً متعدد اللغات بسرعة وجودة (Content at scale)؟
- كيف نخدم الزبون على مدار الساعة بتكلفة أقل وبجودة متسقة (Support automation)؟
هذه الأسئلة هي نفسها أسئلة السوق المغربي اليوم، خصوصاً مع نمو الحجوزات عبر الهاتف وارتفاع تأثير البحث والخرائط والمنصات الاجتماعية.
الدرس للمغرب: “القائد التقني” لا يشتري أدوات… يبني نظاماً
أغلب الشركات السياحية في المغرب عندما تسمع “ذكاء اصطناعي” تفكر في أداة واحدة: شات بوت أو كتابة منشورات. بينما التحول الحقيقي يكون عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من نظام التشغيل:
- من أين تأتي البيانات (رسائل واتساب، مكالمات، تقييمات، حجوزات)؟
- كيف تُترجم لقرارات (عروض، أسعار، محتوى، تدريب فريق الاستقبال)؟
- كيف تُقاس النتائج أسبوعياً (عدد استفسارات، معدل تحويل، قيمة سلة، رضا)؟
ماذا تخبرنا قصة Civitatis عن “التوسع بالتكنولوجيا”؟
الجواب المباشر: الشركة انتقلت من “شركة مؤسس” إلى “شركة منصة”—والمنصة لا تنمو بالموارد البشرية وحدها، بل عبر الأتمتة، التخصيص، والمحتوى.
بحسب الخبر، Civitatis بدأت 2008، وظلت مربحة منذ البداية، ولم تدخل استثماراً خارجياً حتى 2022. هذا يعني أنها بنت نموذجاً متماسكاً ثم اختارت التوسع—والتوسع عادة يتطلب:
- توحيد جودة إدراجات الأنشطة (Descriptions, photos, policies)
- تحسين اكتشاف الأنشطة عبر البحث والاقتراحات
- دعم متعدد اللغات بشكل احترافي
- خدمة عملاء قادرة على التعامل مع ارتفاع الطلب
أين يدخل الذكاء الاصطناعي تحديداً؟ (3 مجالات عملية)
1) التخصيص (Personalization) بدلاً من عرض “كل شيء للجميع”، المنصات الناجحة تقترح أنشطة بناء على:
- بلد/لغة المستخدم
- مدة الإقامة
- الاهتمامات (ثقافة/طبيعة/مغامرة/عائلي)
- السلوك داخل الموقع
2) المحتوى متعدد اللغات (Multilingual content) Civitatis تركز على جمهور ناطق بالإسبانية والبرتغالية، ومع ذلك توسعها الدولي يفرض لغات أخرى. في المغرب، التحدي مشابه لكن أعقد: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية (وأحياناً الألمانية/الإيطالية). الذكاء الاصطناعي هنا مفيد فقط إذا كان تحت رقابة تحريرية واضحة، لأن خطأ لغوي واحد قد يقتل الثقة.
3) خدمة العملاء 24/7 المسافر لا ينتظر “دوام المكتب”. شات بوت ذكي + قاعدة معرفة + تصعيد للبشر في الحالات الحساسة = مزيج واقعي. الأهم: توثيق الأسئلة المتكررة وتحويلها إلى إجراءات.
كيف ينعكس هذا على السياحة والضيافة في المغرب في 2026؟
الجواب المباشر: من 2026 فصاعداً، المنافسة لن تكون فقط على “من لديه أجمل رياض”، بل على “من يجيب أسرع، يشرح أفضل، ويقنع بلغتك”.
الواقع في المغرب أن كثيراً من التجارب السياحية ممتازة على الأرض، لكنها ضعيفة رقمياً: صور غير منظمة، وصف غير مقنع، سياسات إلغاء غير واضحة، وردود متأخرة على الرسائل. الذكاء الاصطناعي لا يعوض التجربة السيئة، لكنه يرفع التجربة الجيدة إلى مستوى يمكن بيعه عالمياً.
مثال مغربي بسيط (واقعي في سيناريوهاته)
تجربة “جولة في المدينة العتيقة + تذوق” في فاس أو مراكش يمكن أن تتحسن بسرعة عبر:
- وصف عربي/فرنسي/إنجليزي موحّد مع نقاط واضحة: المدة، نقاط اللقاء، ما الذي يشمله السعر
- رد تلقائي ذكي على واتساب: التوفر اليومي، سياسة الأطفال، ماذا ترتدي، هل هناك حساسية غذائية
- تلخيص تقييمات الضيوف إلى “3 أسباب يحبونها” لاستخدامها في الإعلانات
هذا ليس ترفاً. هذا هو الفارق بين نشاط يُحجز مرة في الأسبوع ونشاط يُحجز يومياً.
خطة من 7 خطوات لتبنّي الذكاء الاصطناعي (بدون فوضى)
الجواب المباشر: ابدأ من نقطة الألم الأقوى، ثم اربطها بالقياس، ثم توسع.
- اجمع مصادر الطلب في مكان واحد: واتساب، إنستغرام، مكالمات، بريد. حتى لو بجدول بسيط.
- اكتب “دليل إجابات” من صفحة واحدة: 20 سؤالاً متكرراً وإجابة معيارية.
- ابنِ نبرة موحدة: نفس الأسلوب في العربية والفرنسية والإنجليزية (محترم، مختصر، واضح).
- أتمتة الرد الأول فقط: الهدف هو السرعة، ثم تحويل الحديث لبشري عند الحاجة.
- استخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج مسودات محتوى ثم حرّرها إنسانياً: وصف تجربة، منشورات، رسائل متابعة.
- قياس أسبوعي بثلاث مؤشرات:
- زمن أول رد (بالدقائق)
- معدل التحويل من استفسار إلى حجز
- نسبة الإلغاء/الاسترجاع
- مراجعة شهرية: ما الأسئلة الجديدة؟ ما الاعتراضات؟ ما الكلمات التي تقنع الضيوف؟
جملة تصلح كقاعدة: الذكاء الاصطناعي في السياحة لا يختصر العمل، بل ينقله من “الارتجال” إلى “النظام”.
أسئلة شائعة يطرحها أصحاب الأعمال السياحية في المغرب
هل الذكاء الاصطناعي مناسب للمشاريع الصغيرة مثل رياض أو وكالة محلية؟
نعم، بل غالباً هو الأكثر فائدة لهم لأن الموارد محدودة. الفرق أن المشروع الصغير يجب أن يركز على حالة استخدام واحدة (مثل الردود السريعة متعددة اللغات)، وليس على 10 أدوات دفعة واحدة.
هل سيؤثر على جودة التواصل الإنساني؟
إذا استُخدم كـ“نسخ/لصق” بلا رقابة، نعم. أما إذا استُخدم لتسريع الروتين وترك الحالات المعقدة للبشر، فالجودة ترتفع.
ما أكبر خطأ يقع فيه الناس؟
شراء أدوات قبل ترتيب البيانات وسياسات العمل. بدون سياسات (إلغاء، دفع، أطفال، حساسية، وقت لقاء) لن ينقذك أي نظام.
ماذا يجب أن تتعلمه الشركات المغربية من انتقال Civitatis؟
الجواب المباشر: الاستمرارية في القيادة مهمة، لكن “اتجاه القيادة” أهم. تعيين رئيس تنفيذي بخلفية منتج وتقنية عادة يعني:
- استثمار أكبر في الأتمتة والذكاء الاصطناعي
- توسع أسرع في أسواق جديدة عبر المحتوى متعدد اللغات
- ضغط أكبر على الشركاء المحليين (مزودي التجارب) لتوحيد الجودة والبيانات
وهذا يضع مزودي التجارب في المغرب أمام خيارين: إما أن يبقوا “غير مرئيين رقمياً”، أو أن يصبحوا جاهزين للمنصات العالمية بملفات نشاط نظيفة، وصور قوية، ووصف واضح، ورد سريع.
إذا كنت تدير فندقاً أو وكالة أو تجربة سياحية في المغرب، فهذه لحظة مناسبة قبل بداية 2026 لتسأل فريقك سؤالاً واحداً: هل يستطيع ضيف يتحدث الإنجليزية أو الإسبانية أن يحجز معنا في أقل من 3 دقائق، وأن يحصل على إجابة دقيقة خلال 5 دقائق؟
الخطوة التالية العملية: اختر قناة واحدة (مثلاً واتساب)، طبّق عليها نموذج ردود ذكي متعدد اللغات لمدة 30 يوماً، ثم قِس النتائج. بعدها فقط انتقل للإعلانات والمحتوى والتخصيص.
سؤال أخير يفتح الطريق: عندما تتغير القيادة في منصات السفر الكبرى نحو التقنية، هل سننتظر حتى تفرض المنصات شروطها… أم نجهز عروضنا المغربية من الآن لتكون قابلة للبيع عالمياً؟