سوق OTAs ينمو حتى 2026، لكن الذكاء الاصطناعي ينقل قرار السفر لمحادثة واحدة. خطوات عملية لقطاع السياحة المغربي لزيادة الحجوزات.

الذكاء الاصطناعي والسفر بالمغرب: فرصة تتجاوز OTAs
في 2024 حققت منصّات الحجز عبر الإنترنت (OTAs) عالمياً 94 مليار دولار من الإيرادات، بزيادة 48% مقارنةً بعام 2019. الأرقام تقول إن السوق يكبر، لكن الواقع يقول شيئاً آخر: نقطة البداية التي كان المسافر يدخل منها للحجز تتبدّل بسرعة. بدل شريط البحث في منصة حجز، صار كثيرون يبدؤون بـمساعد ذكي يختصر التخطيط كله في محادثة واحدة.
هذا التحول يهم المغرب أكثر مما نتصور. لأن السياحة عندنا لا تتنافس فقط على السعر، بل على التجربة، واللغة، والثقة، والسرعة. والذكاء الاصطناعي اليوم قادر أن يجعل الفندق أو الرياض أو وكالة الأسفار أو مزود التجارب السياحية في مراكش/فاس/طنجة حاضرًا في لحظة اتخاذ القرار… أو غائباً تماماً.
ضمن سلسلة “كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قطاع السياحة والضيافة والسفر في المغرب”، سأأخذ فكرة المقال الأصلي (نمو OTAs مقابل تهديد الذكاء الاصطناعي لوضعها) وأحوّلها لشيء عملي: كيف يستفيد القطاع المغربي من التحول بدل أن يدفع ثمنه.
سوق الحجز أونلاين ينمو… لكن «مكان القرار» يتحرك
الجواب المباشر: السوق العالمي لمنصات الحجز أونلاين يتجه لنمو ثابت، لكن اكتشاف الرحلات (Discovery) ينتقل إلى منصات الذكاء الاصطناعي.
توقعات أبحاث الصناعة تشير إلى نمو يقارب 7% سنوياً حتى 2026، مع وصول الإيرادات إلى 107 مليار دولار. كما وصلت القيمة الإجمالية للحجوزات عبر OTAs إلى 794 مليار دولار في 2024، ومتوقع أن ترتفع إلى 912 مليار دولار بحلول 2026. هذا يعني أن “الكعكة” تكبر.
لكن ما يتغير هو من يملك لحظة التوجيه الأولى:
- سابقاً: المستخدم يبحث “فندق في مراكش” داخل منصة أو عبر محرك بحث، ثم يقارن.
- الآن: يكتب “خطط لي أسبوعاً في المغرب: مدن، رياضات، أنشطة، ميزانية 900 يورو” في أداة ذكاء اصطناعي.
وهنا الفرق: منصات الحجز اعتادت أن تربح لأنها تتحكم في بوابة المقارنة. أدوات الذكاء الاصطناعي تعمل على نقل البوابة إلى مكان آخر.
لماذا هذا التحول خطير ومفيد في نفس الوقت؟
الخطير: إن لم تكن بياناتك وتجربتك الرقمية جاهزة، قد لا تظهر أصلاً ضمن اقتراحات المساعد الذكي.
المفيد: يمكنك كفاعل مغربي أن تقلل الاعتماد على العمولات وتزيد الحجوزات المباشرة إذا بنيت حضوراً رقمياً مصمماً لعصر “القرار عبر محادثة”.
الإقامة هي محرك الإيرادات… وهذا درس للمغرب
الجواب المباشر: الإقامة (الفنادق والرياضات والشقق) هي مصدر المال الأكبر في OTAs، ولذلك فهي أول ساحة تتأثر بالذكاء الاصطناعي.
في 2024 شكلت الإقامات 80% من إيرادات OTAs عالمياً. الفنادق وحدها ولّدت 52 مليار دولار (حوالي 56% من الإيرادات)، ثم الإقامات البديلة (ومنها الكراء قصير الأمد) بـ22 مليار دولار (حوالي 24%).
السبب اقتصادي وبسيط: عمولة الإقامة أعلى. عادةً ما يدفع مزودو الإقامة عمولات بحدود 15% إلى 16%، بينما عمولات الطيران تدور حول 2% إلى 3% رغم أن حجوزات الطيران تمثل جزءاً كبيراً من الحجم.
ما علاقة هذا بالمغرب عملياً؟
معنى ذلك أن الفندق أو الرياض في المغرب يدفع “ضريبة ظهور” كبيرة. وكلما اشتدت المنافسة، زادت الإغراءات:
- خفّض السعر لتظهر أعلى.
- ادفع عمولة أعلى.
- ادفع إعلانات داخل المنصة.
أنا ضد هذا المسار على المدى المتوسط. ليس لأن OTAs “سيئة”، بل لأنها قناة واحدة. وفي 2026 وما بعدها، القناة الأولى قد تصبح “مساعدك الذكي”.
الفرصة للمغرب: تحويل الذكاء الاصطناعي إلى آلة لرفع الربحية عبر:
- تقليل نسبة الاعتماد على OTAs تدريجياً.
- رفع نسبة الحجوزات المباشرة.
- رفع متوسط قيمة السلة (Upsell) عبر اقتراح تجارب محلية.
احتكار الأربعة الكبار يتشقق… وهذا باب للفاعلين المغاربة
الجواب المباشر: السوق مركّز جداً بيد لاعبين كبار، لكن أدوات الذكاء الاصطناعي تغيّر قواعد اكتساب العملاء.
أربع مجموعات (Booking Holdings وExpedia وTrip.com وAirbnb) استحوذت على 66% من إجمالي الحجوزات العالمية في 2024. قوتهم ليست فقط في العرض، بل في:
- الثقة بالعلامة.
- ميزانيات التسويق.
- السيطرة على الزيارات القادمة من البحث التقليدي.
لكن مع صعود نماذج لغوية كبيرة مثل ChatGPT وGemini، صار التخطيط نفسه يُختزل:
- المستخدم لا يفتح 12 تبويباً.
- لا يقرأ 40 مراجعة.
- يطلب “أفضل رياض هادئ قرب ساحة جامع الفنا مع فطور مغربي ومناسب للعمل عن بعد”.
إذا استطاعت منصات الذكاء الاصطناعي أن تجلب “الصفقات” مباشرة من المزوّد (الفندق/الرياض/شركة الأنشطة) فقد تتراجع قيمة الوسيط.
ما الذي يجب أن يفعله الفندق/الرياض/الوكالة في المغرب الآن؟
الفكرة الأساسية: جهّز نفسك لتكون قابلاً للفهم والاقتباس من قِبل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
هذا يعني ثلاثة أشياء عملية:
- بيانات واضحة ومهيكلة على موقعك وصفحاتك: أنواع الغرف، سياسات الإلغاء، مواقف السيارات، المسافات، ساعات الاستقبال.
- محتوى متعدد اللغات يخاطب نية المسافر (وليس وصفاً عاماً): العربية، الفرنسية، الإنجليزية، والإسبانية حسب السوق.
- تجربة حجز مباشرة سريعة وشفافة على الهاتف: السعر النهائي، الضرائب، تأكيد فوري، واتساب/دردشة.
جملة قابلة للاقتباس: إذا لم يفهم الذكاء الاصطناعي عرضك خلال 10 ثوانٍ، فلن يقترحه خلال 1 ثانية.
كيف يوظّف المغرب الذكاء الاصطناعي لزيادة الحجوزات؟ (خطة عملية)
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يساعد السياحة المغربية في ثلاث ساحات: التسويق متعدد اللغات، خدمة العملاء 24/7، وتحسين التسعير والتوزيع.
1) تسويق سياحي متعدد اللغات… بطريقة مغربية
المسافر لا يريد “وصفاً جميلاً” فقط؛ يريد إجابة دقيقة تناسبه. الذكاء الاصطناعي يتيح لك إنتاج محتوى سريع، لكن الأهم هو الزوايا.
جرّب هذا القالب في صفحاتك ومحتواك:
- “3 أيام في فاس لمحبي التاريخ”
- “رحلة شتوية في الأطلس في يناير: ماذا تحزم؟”
- “مراكش للعائلات: أنشطة آمنة وأوقات مناسبة للأطفال”
وفي نهاية كل قطعة محتوى ضع عناصر قرار واضحة:
- ما الذي يشمله السعر؟
- كيف تصل؟
- ماذا عن الحساسيات الغذائية؟
- هل توجد خيارات حلال/نباتية؟ (مهم لشرائح واسعة)
2) خدمة العملاء: مساعد ذكي لا ينام
من أقوى نقاط التحويل في المغرب هي الرد السريع. كثير من الحجوزات تضيع لأن الرسائل على واتساب/إنستغرام تُجاب بعد ساعات.
استخدام عملي ومباشر:
- مساعد محادثة يجيب عن الأسئلة المتكررة بالعربية/الفرنسية/الإنجليزية.
- اقتراح باقات: “إقامة + نقل من المطار + حمام تقليدي”.
- جمع بيانات مؤهلة: التاريخ، عدد الأشخاص، الميزانية، نوع الغرفة.
هذا ليس رفاهية. هذا خط مبيعات.
3) تسعير وتوزيع أذكى: لا تترك العمولة تأكل هامشك
من واقع ما أراه مع كثير من المنشآت، الخطأ الشائع هو التسعير الموحد لكل القنوات. الأفضل هو “توازن القنوات”:
- على OTAs: حافظ على التواجد والسمعة، لكن لا تجعلها قناة الربح الوحيدة.
- على الموقع المباشر: قدّم قيمة إضافية بدل كسر السعر (فطور مجاني، نقل مخفّض، ترقية عند التوفر).
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدك في:
- قراءة أنماط الطلب الموسمية (خاصة شتاء 2025 وعطلة رأس السنة).
- التنبؤ بالأيام التي تحتاج فيها عروضاً.
- اقتراح حدود الخصم دون تدمير الهامش.
أسئلة شائعة يسمعها القطاع المغربي (وإجابات مختصرة)
هل ستختفي منصات الحجز قريباً؟
لا. السوق ينمو، وOTAs قوية. لكن قوة التأثير ستتوزع، ومن لا يبني قنوات مباشرة سيبقى تحت ضغط العمولة.
ما أول خطوة لو ميزانيتي محدودة؟
ابدأ بـمحتوى متعدد اللغات عالي النية + نظام رد سريع (واتساب/مساعد محادثة) + صفحة حجز مباشرة واضحة. هذه الثلاثية تعطي نتائج أسرع من “حملة إعلانات عامة”.
كيف أحسّن ظهوري في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي؟
اكتب بوضوح، وقدّم حقائق قابلة للاقتباس: الأسعار التقريبية، المسافات، السياسات، المميزات، وجداول التجارب. وتأكد أن معلوماتك متسقة عبر كل المنصات.
ماذا أفعل هذا الأسبوع؟ (قائمة تنفيذية قصيرة)
الجواب المباشر: ركّز على ما يرفع التحويل الآن، ويؤهلك لتحول الذكاء الاصطناعي لاحقاً.
- راجع صفحة الغرف/الخدمات: هل فيها معلومات ناقصة تجعل العميل يرسل سؤالاً؟ اكتب الإجابة قبل أن يسأل.
- أنشئ 6 مقالات قصيرة متعددة اللغات لشتاء 2025 (مدينة + شريحة): رحلات عائلية، عمل عن بعد، سياحة ثقافية، مغامرة.
- جهّز 20 ردّاً سريعاً في واتساب (أسئلة الأسعار، الإلغاء، الوصول، الأكل، الأنشطة).
- قدّم “ميزة مباشرة” للحجز من موقعك بدل تخفيض السعر.
التحول الكبير ليس أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مكان OTAs فقط. التحول أن المسافر سيقرر بسرعة أكبر وبمعلومات أكثر تخصيصاً. والمغرب لديه مادة خام قوية: ثقافة، ضيافة، تنوع، وقرب من أوروبا. ما ينقص كثيراً من الفاعلين هو أن تُقدَّم هذه المادة الخام رقمياً بالشكل الذي تفهمه أنظمة اليوم.
إذا كنت تدير فندقاً أو رياضاً أو وكالة أسفار أو نشاطاً سياحياً في المغرب: أين يبدأ عميلك التخطيط الآن؟ داخل منصة حجز… أم داخل محادثة؟