كيف نحول درس كيريباتي في تقليل البلاستيك إلى خطة عملية بالمغرب عبر الذكاء الاصطناعي؟ أفكار قابلة للتنفيذ للفنادق ووكالات السفر.

الذكاء الاصطناعي والسياحة المستدامة بالمغرب: درس كيريباتي
في 19/12/2025، نُشرت قصة لافتة عن دولة جزرية صغيرة في المحيط الهادئ اسمها كيريباتي: سياحتها ليست “ترفاً” ولا سباقاً على الأرقام، بل أصبحت خط دفاع عملياً ضد التلوث البلاستيكي وضغط المناخ. الفكرة ليست شاعرية؛ هي براغماتية جداً: إذا كان البلد لا يملك مطامر كافية ولا خيارات تدوير حقيقية، فكل زجاجة ماء مستوردة وكل عبوة شامبو فندقية صغيرة تتحول إلى عبء طويل الأمد.
هذا النوع من التفكير يهم المغرب الآن أكثر مما نتصور، خصوصاً ونحن في موسم عطلات نهاية السنة (الأسبوع الأخير من ديسمبر) حيث يرتفع الاستهلاك والنفايات، وتزداد حركة السفر الداخلية والخارجية. والأهم: إذا كانت كيريباتي تحاول “إدارة الندرة” بأدوات تنظيمية ومعايير بيئية، فالمغرب يملك فرصة أكبر لأنه يملك بنية سياحية واسعة ومتنوعة… ويملك أيضاً ما هو أقوى: أدوات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع تحويل الاستدامة من شعار إلى نظام تشغيل يومي داخل الفنادق ووكالات السفر والتجارب السياحية.
ماذا تعلّمنا كيريباتي؟ الاستدامة تبدأ من التفاصيل الصغيرة
الدرس الأول واضح: البلاستيك في السياحة لا يأتي من مصنع واحد؛ يأتي من آلاف العادات اليومية. في كيريباتي ظهرت زجاجات المياه كأكبر عنصر أحادي الاستخدام، تليها أكياس القمامة، القشّات، الأكواب، القفازات، مستحضرات العناية المصغّرة، وحاويات المواد الكيميائية.
لماذا هذا الدرس مهم للمغرب؟
لأن الصورة نفسها تتكرر في وجهات مغربية كثيرة: شواطئ، واحات، جبال، مدن عتيقة. الجزء المؤلم؟ أن الكثير من هذه النفايات يتكون خلال “رحلة سائح سعيدة” لكن أثرها يبقى لسنوات. هنا بالضبط يصبح السؤال عملياً: كيف نمنع النفايات قبل أن تُنتَج؟
الموقف الذي أتخذه هنا
معظم الفاعلين السياحيين يركزون على حملات تنظيف موسمية. مفيدة، نعم. لكن الاعتماد عليها وحدها يعني أنك تنظّف اليوم ما ستعيد إنتاجه غداً. التركيز الحقيقي يجب أن يكون على تقليل البلاستيك من المصدر: المشتريات، التغليف، تجربة الضيف، وسلسلة التوريد.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من “توعية” إلى “إدارة”
الذكاء الاصطناعي في السياحة والضيافة بالمغرب لا يقتصر على الشات بوت أو الإعلانات. الاستخدام الأكثر قيمة في الاستدامة هو تحويل البيانات اليومية إلى قرارات: ماذا نشتري؟ كم نستهلك؟ أين نهدر؟ وما البديل الأرخص على المدى المتوسط؟
1) تدقيق النفايات بالذكاء الاصطناعي (Waste Audit) بدل التخمين
كيريباتي نفذت “تدقيق نفايات تجريبي” مع مشغلي السياحة. المغرب يمكنه عمل نفس الشيء لكن بشكل أسرع وأوسع عبر:
- تصنيف بصري للنفايات: كاميرات في نقطة الفرز الخلفية (Back of House) تلتقط صوراً وتُصنّف المواد (PET، زجاج، كرتون…)
- لوحات متابعة يومية: “اليوم أنتجنا 38 كغ بلاستيك أحادي الاستخدام”، بدل تقرير شهري متأخر
- تحديد مصادر المشكلة: هل تأتي من الإفطار؟ من غرف النزلاء؟ من فعاليات الشركات؟
جملة قابلة للاقتباس: ما لا تقيسه بدقة، ستدفع ثمنه مرتين: مرة في الشراء ومرة في التخلص منه.
2) توقّع الطلب لتقليل الهدر… قبل أن يتحول إلى نفايات
الفنادق ورياض الضيافة والمطاعم السياحية في المغرب تعيش تحدياً معروفاً: الطلب يتذبذب (عطل، مهرجانات، مؤتمرات). الذكاء الاصطناعي يستطيع بناء نماذج توقع تعتمد على:
- الحجوزات السابقة
- الموسم (الشتاء/الصيف)
- الأحداث المحلية
- أنماط الطقس والرحلات
والنتيجة: مشتريات أدق، تغليف أقل، مخزون أصغر، ونفايات أقل. هذا ليس “ترفاً تقنياً”؛ هو خفض تكلفة مباشر.
3) تحسين المشتريات: بدائل بلاستيك واقعية لا “مثالية”
أكبر عائق ذكرته كيريباتي هو محدودية البدائل وارتفاع التكلفة. هذا ينطبق على مناطق مغربية أيضاً بعيداً عن المراكز الكبرى.
الذكاء الاصطناعي يساعد هنا بطريقتين:
- تحليل إجمالي تكلفة الملكية (TCO): قد يكون البديل أغلى في السعر، لكنه أقل في النقل والتخزين والهدر.
- اقتراح بدائل حسب السياق: في بعض الحالات الأفضل هو إعادة التعبئة (Refill) بدل تغيير مادة التغليف.
مثال عملي في فندق مغربي:
- استبدال عبوات الشامبو الصغيرة بنظام إعادة تعبئة مغلق
- تقليل زجاجات المياه عبر فلاتر و”محطات تعبئة” في الطوابق
- التحول إلى عقود توريد تُلزم المورّد بتغليف قابل للإرجاع
الذكاء الاصطناعي كأداة تسويق للسياحة المسؤولة (وليس دعاية خضراء)
التسويق المستدام في المغرب غالباً يقع في فخ “الكلام الجميل” دون دليل. الأفضل هو تسويق قائم على أرقام واضحة وتجربة ضيف ملموسة.
1) محتوى رقمي يشرح الإجراءات ببساطة
أدوات إنشاء المحتوى بالذكاء الاصطناعي تساعد الفنادق ووكالات السفر على إنتاج:
- صفحات “سياسة الاستدامة” بلغة مفهومة
- دليل للضيف: ماذا نفعل؟ وماذا يمكنك أن تفعل؟
- قصص قصيرة عن الموردين المحليين (منتجات بدون تغليف زائد)
2) تواصل متعدد اللغات يرفع التحويلات
ميزة لافتة في قصة كيريباتي أن المقال كان متاحاً بلغات كثيرة ومنها العربية. المغرب يتعامل يومياً مع ضيوف يتحدثون العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، والألمانية.
الذكاء الاصطناعي يُستخدم هنا بشكل عملي:
- ترجمة احترافية سريعة لصفحات الحجز
- ردود فورية على الأسئلة المتكررة (سياسة البلاستيك، الماء، إعادة التدوير)
- تخصيص الرسائل حسب لغة واهتمامات السوق
النقطة المهمة: التواصل المتعدد اللغات ليس خدمة إضافية؛ هو قناة مبيعات.
من المعايير إلى التنفيذ: كيف نبني “نموذج مغربي” شبيه بكيريباتي لكن أقوى؟
كيريباتي ناقشت معايير وشهادات وإجراءات، وظهر إجماع أن المبادرات الطوعية وحدها لا تكفي. في المغرب، المزج الأفضل هو: معايير + حوافز + أدوات قياس + تواصل شفاف.
خطة 90 يوماً قابلة للتطبيق (لفندق/رياض/وكالة)
-
الأسبوع 1–2: خط أساس
- جرد العناصر أحادية الاستخدام الأكثر استهلاكاً
- تحديد 3 نقاط إنتاج نفايات (غرف/مطبخ/فعاليات)
-
الأسبوع 3–6: بدائل سريعة الفوز
- إلغاء القشّات البلاستيكية إلا عند الطلب
- تحويل عبوات العناية المصغرة إلى إعادة تعبئة
- اعتماد أكياس قمامة أقل سماكة مع مواصفات مناسبة
-
الأسبوع 7–10: قياس ذكي
- لوحة مؤشرات أسبوعية: (عدد الزجاجات/كغ البلاستيك/تكلفة التخلص)
- تدريب فريق صغير كـ “قادة فرز”
-
الأسبوع 11–13: تسويق مسؤول
- نشر 3 أرقام واضحة: “خفضنا زجاجات المياه بنسبة X% خلال 60 يوماً”
- إدراج “اختيارات مستدامة” في تجربة الحجز (مثلاً: خيار عدم تغيير المناشف يومياً)
إذا كان لديّ نصيحة واحدة: ابدأ بما تستطيع قياسه خلال أسبوعين. بعدها ستتحرك القرارات وحدها.
أسئلة شائعة يطرحها أصحاب الفنادق ووكالات السفر في المغرب
هل الاستدامة تزعج الضيف؟
إذا قُدمت بذكاء، لا. الضيف يكره أن يشعر بأنك “تُقلّص الخدمة”. لكنه يقدّر أن تشرح له أن البديل أفضل للجودة والبيئة معاً (مثلاً: ماء مُرشَّح جيداً بدل زجاجات بلا نهاية).
هل الذكاء الاصطناعي مكلف ومعقد؟
ليس بالضرورة. كثير من المشاريع تبدأ بأدوات بسيطة: نماذج توقع على بيانات الحجوزات، أو نظام تذاكر لخدمة العملاء متعدد اللغات. الفكرة هي اختيار مشكلة واحدة مكلفة وحلها أولاً.
هل نحتاج قراراً حكومياً أم يمكننا البدء وحدنا؟
الاثنان. المبادرات الفردية سريعة، لكن المعايير والسياسات (مثل تقييد بعض البلاستيك غير الضروري) تخلق “ملعباً متساوياً” وتُسرّع تبني السوق.
خطوة عملية نحو 2026: سياحة مغربية أنظف… وأكثر ربحية
قصة كيريباتي تُلخّص شيئاً أساسياً: السياحة ليست فقط استقبال زوار؛ هي قرار عمّا سيبقى بعد مغادرتهم. في المغرب، القرار يمكن أن يكون أكثر طموحاً لأن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح لنا القياس والتحسين والتواصل بسرعة غير مسبوقة.
إذا كنت تدير فندقاً أو رياضاً أو وكالة سفر أو تجربة سياحية، فهذه هي النقلة التي أراها الأكثر ربحية الآن: اربط الاستدامة بالبيانات. عندما يتحول تقليل البلاستيك إلى أرقام أسبوعية وخطة توريد وتجربة ضيف واضحة، ستلاحظ فرقاً في التكلفة والسمعة والحجوزات.
السؤال الذي يستحق أن نختم به: في موسم 2026، هل ستكون وجهتك معروفة بالصور الجميلة فقط… أم أيضاً بأنها تركت أثراً أخف على المكان؟