تقدم Google في الحوسبة الكمية يرفع سقف الذكاء الاصطناعي في الطاقة. تعرّف كيف ينعكس ذلك على النفط والغاز في السعودية وخطوات عملية للاستعداد.

الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي: أثرهما على طاقة السعودية
رقم واحد يلخّص الفكرة: شريحة Willow الجديدة من Google تعمل بـ 105 كيوبت، ووفق ما أعلنته الشركة استطاعت حل مسألة حسابية خلال 5 دقائق بينما قد يحتاج الحاسوب التقليدي—حتى تحت افتراضات “مثالية”—إلى مليار سنة للوصول إلى نتيجة مماثلة. هذا ليس خبراً “تقنياً” بعيداً عنّا. هذا تمهيد لنوع جديد من القدرة الحاسوبية سيُعيد رسم حدود ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله، خصوصاً في القطاعات التي تعيش على القرارات الثقيلة: الطاقة والنفط والغاز.
في سلسلة مقالاتنا عن كيف تُحوّل تقنيات الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية، نركّز عادةً على البيانات، الأتمتة، الصيانة التنبؤية، والتحسين التشغيلي. لكن خلف كل هذه الاستخدامات يقف سؤال واحد: هل لدينا قوة حسابية كافية لنمذجة الواقع المعقّد بسرعة ودقة؟ هنا تحديداً تدخل الحوسبة الكمية كطبقة “تحتية” يمكن أن ترفع سقف الذكاء الاصطناعي، لا كبديل عنه.
ما الذي تغيّر فعلاً في شريحة Willow؟
الإجابة المباشرة: Google تقول إنها تخطّت عتبة كانت تمنع الحواسيب الكمية من أن تصبح عملية، وهي: الأخطاء.
الكيوبت سريع، لكنه حساس جداً. أي اضطراب صغير—حتى جسيم دون ذري مصدره الفضاء—قد يفسد الحساب. المشكلة تتفاقم مع زيادة عدد الكيوبتات: كلما “كبّرنا” الشريحة، زادت فرص الخطأ، فيصبح الأداء الكلي بلا قيمة مقارنة بحاسوب تقليدي.
التصحيح الكمي للأخطاء: لماذا يعتبر نقطة الفصل؟
ما أعلنته Google في ورقة علمية منشورة في مجلة Nature أن طريقة ربط الكيوبتات في Willow تجعل معدل الخطأ ينخفض كلما زاد عدد الكيوبتات. هذا عكس ما اعتدناه في النظم الكمية السابقة.
الأهم من ذلك: الشركة تقول إنها تستطيع تصحيح الأخطاء في الوقت الحقيقي. في عالم الطاقة، هذا التعبير يوازي فكرة “التحكم المغلق الحلقة”: لا تكتفي بقياس الانحراف، بل تصححه أثناء التشغيل. والنتيجة؟ خطوة أقرب إلى أجهزة يمكن الاعتماد عليها خارج المختبر.
جملة يمكن اقتباسها بسهولة: الحوسبة الكمية لا تصبح مفيدة عندما تصبح “أكبر”، بل عندما تصبح “أقل خطأً” مع التوسع.
لماذا لا نهتم بالمسألة التي حلّتها Google نفسها؟
لأن المسألة التي تم حلها ليست تجارية بحد ذاتها—وهذا طبيعي في مراحل إثبات القدرة. القيمة الحقيقية في الرسالة: القدرة على التعامل مع مسائل ضخمة ومعقدة تتجاوز عملياً حدود الحوسبة التقليدية. وهذه هي طبيعة كثير من مسائل الطاقة: شبكات، احتمالات، قيود سلامة، ومئات المتغيرات التي تتغير كل دقيقة.
من الكيوبت إلى خط الأنابيب: أين يلتقي هذا مع قطاع الطاقة في السعودية؟
الإجابة المباشرة: اللقاء يحدث في ثلاث ساحات رئيسية: التحسين (Optimization)، المحاكاة (Simulation)، وتسريع تدريب الذكاء الاصطناعي.
السعودية تدير منظومة طاقة واسعة: إنتاج، معالجة، نقل، تكرير، وتوزيع. كل طبقة فيها قرارات متداخلة. الذكاء الاصطناعي اليوم يقدّم حلولاً ممتازة—لكن هناك حدوداً عندما تصبح المسألة “ضخمة” لدرجة تجعل البحث عن أفضل حل يستغرق زمناً لا يناسب التشغيل الفعلي.
1) تحسين سلاسل الإمداد والجدولة التشغيلية
أقرب مثال عملي: جدولة الصيانة، اختيار مسارات الشحن، توزيع المواد، وإدارة المخزون في مواقع متعددة.
- الذكاء الاصطناعي ينجح في التنبؤ (متى تتعطل المضخة؟)
- لكن القرار التالي أصعب: متى نوقف الخط؟ أي فريق نرسل؟ أي قطع غيار نوفر؟ وما تأثير ذلك على الإنتاج؟
هذه مسائل تحسين تحت قيود كثيرة، وغالباً تُحل اليوم بتقريبات أو حلول “قريبة من الأفضل”. مع نضج الحوسبة الكمية، نتوقع مساراً عملياً: حلول هجينة (Quantum + Classical) تعطي جودة قرار أعلى ضمن وقت مقبول.
2) محاكاة المواد والكيمياء: من البطاريات إلى المحفزات
Google نفسها أشارت إلى تطبيقات مستقبلية في كيمياء البطاريات. بالنسبة للسعودية، هذا يتقاطع مع:
- تحسين مواد التخزين للطاقة المتجددة (خصوصاً مع توسع مشاريع الطاقة)
- تطوير محفزات كيميائية (Catalysts) لعمليات التكرير والبتروكيماويات
- تحسين كفاءة التقاط الكربون واختيار المواد الأنسب للظروف التشغيلية
المحاكاة الكمية للأنظمة الجزيئية كانت أحد “الأحلام الأصلية” للحوسبة الكمية، لأن الكيمياء على المستوى الدقيق تصبح مكلفة جداً حسابياً على الحواسيب التقليدية.
3) تسريع ذكاء اصطناعي “أعمق” في النمذجة والتنبؤ
الذكاء الاصطناعي في الطاقة يتجه بسرعة نحو نماذج أكبر وأكثر تعقيداً: نماذج تتعامل مع بيانات حساسات ضخمة، إشارات زمنية، صور حرارية، وبيانات جيولوجية.
الحوسبة الكمية قد لا تعني “تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي على كيوبت” غداً صباحاً. لكنها تعني شيئاً عملياً: تسريع فئات من الحسابات التي تُستخدم في:
- اختيار أفضل معاملات للنماذج (Hyperparameters)
- البحث في فضاءات حلول ضخمة
- تحسين خوارزميات التعلم والتخطيط ضمن قيود كثيرة
والأقرب للواقع خلال السنوات القليلة المقبلة هو السيناريو الهجين: الذكاء الاصطناعي يقرر ما الذي نبحث عنه، والحوسبة الكمية تساعد في كيف نبحث بكفاءة أعلى.
“تصحيح الأخطاء” كمجاز تشغيلي: درس عملي لمدراء الطاقة
الإجابة المباشرة: ما تفعله Google على مستوى الكيوبت يقدّم طريقة تفكير مفيدة جداً على مستوى التشغيل: لا توسّع النظام قبل أن تضبط مصدر الخطأ وتبني آلية تصحيح حيّة.
في الطاقة والنفط والغاز، كثير من المبادرات الرقمية تفشل لنفس السبب:
- نزيد الحساسات والبيانات… لكن جودة البيانات ضعيفة
- نوسّع الأتمتة… لكن “الانحرافات” لا تُكتشف مبكراً
- نبني نماذج ذكاء اصطناعي… لكن تغذية راجعة التشغيل لا تعيد تصحيح النموذج بشكل مستمر
كيف تطبق هذا الدرس الآن (حتى قبل وصول الكمّ عملياً)؟
هذه خطوات أعتبرها الأكثر واقعية لشركات الطاقة في السعودية خلال 2026، لأنها لا تنتظر مختبراً كمّياً كي تبدأ:
- ضع طبقة جودة بيانات قابلة للتدقيق: تعريف “مصدر الحقيقة” لكل متغير، ومعايير لاجتياز البيانات قبل استخدامها.
- أنشئ تصحيحاً في الوقت الحقيقي: إنذارات ذكية، اكتشاف انحراف، وإجراءات تلقائية أو شبه تلقائية لإرجاع النظام إلى الحدود الآمنة.
- اعمل بمنطق الهجين: لا تراهن على تقنية واحدة. اجمع بين نماذج تنبؤية + تحسين رياضي + قواعد تشغيل.
- اختر حالات استخدام “تدفع نفسها”: مثل خفض التوقفات غير المخططة، أو تقليل استهلاك الطاقة في الضواغط، أو رفع دقة التنبؤ بالأعطال.
عبارة تلخص المبدأ: التوسع ليس إنجازاً إذا كان يوسع الأخطاء معه.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون: أين نبدأ عملياً؟
الإجابة المباشرة: ابدأ من حالات استخدام تحسين القرار التي تملك بيانات كافية وأثراً مالياً واضحاً، ثم جهّز نفسك لمسار “كمّي-هجيني” عندما يصبح متاحاً تجارياً.
هل الحوسبة الكمية ستستبدل الحوسبة التقليدية في الطاقة؟
لا. المتوقع هو توزيع أدوار: الحوسبة التقليدية ممتازة للتشغيل اليومي والتحليلات واسعة النطاق، بينما الكمّ (عندما ينضج) سيكون مفيداً لمسائل محددة صعبة جداً: التحسين المعقد، المحاكاة الجزيئية، وبعض فئات التعلم.
متى يمكن أن نرى أثراً في القطاع خلال السعودية؟
الأقرب هو أثر غير مباشر أولاً: أدوات وخدمات سحابية هجينة، وشراكات مع مزودي التقنية، وتجارب على مسائل تحسين محددة. ثم يبدأ الأثر المباشر عندما تصبح موثوقية العتاد أعلى وتكلفة التجارب أقل.
ما المهارات التي يجب بناؤها الآن؟
- هندسة بيانات صناعية (OT/IT)
- تحسين رياضي وعمليات (Operations Research)
- تعلم آلي مخصص للوقت الحقيقي
- حوكمة نماذج الذكاء الاصطناعي (MLOps) وربطها بالتشغيل
ماذا يعني هذا لمسار التحول في الطاقة السعودية خلال 2026؟
الإجابة المباشرة: خبر Willow لا يعني أن شركات النفط والغاز ستشتري “حاسوباً كمّياً” قريباً. لكنه يعني أن الحدود الحسابية التي كانت تُجبرنا على حلول وسط بدأت تضيق، وأن من يجهز بياناته ونماذجه وقراراته الآن سيكون الأسبق عندما تصبح الأدوات الكمّية جزءاً من المنظومة.
أنا أميل لرأي واضح هنا: كثير من الشركات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة تقارير. هذا استخدام صغير جداً مقارنة بما هو ممكن. القيمة الأكبر تأتي عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من قرار التشغيل—ومتى ما دخل القرار في الصورة، تظهر مسائل تحسين معقّدة، وهنا يصبح التقدم في الحوسبة (ومنها الكمّ) عاملاً حاسماً.
إذا كنت مسؤولاً عن التحول الرقمي أو العمليات أو الصيانة في قطاع الطاقة السعودي، فالسؤال الذي يستحق وقتك الآن ليس “متى نشتري كمّاً؟” بل: هل بياناتنا وعملياتنا جاهزة لنستفيد من أي قفزة حسابية قادمة؟
الخطوة التالية المنطقية: حدّد 2–3 قرارات تشغيلية عالية التكلفة، وحوّلها إلى نماذج تحسين قابلة للقياس، ثم اربطها بالذكاء الاصطناعي والبيانات الحية. بعدها يصبح إدخال قدرات كمّية—عندما تنضج—ترقية طبيعية، لا مشروعاً من الصفر.