مشاريع دار وإعمار بقيمة 3.8 مليار ريال تكشف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة التخطيط والاستثمار وتشغيل الأحياء، ويخدم منظومة الطاقة بالسعودية.

الذكاء الاصطناعي وتطوير مجتمعات الرياض: من السكن للطاقة
في معرض سيتي سكيب العالمي 2025 بالرياض، أعلنت دار وإعمار عن إطلاق مجتمعين سكنيين جديدين بالشراكة مع NHC بقيمة 3.8 مليار ريال، إلى جانب 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم واستقبال أكثر من 15,000 زائر خلال أيام المعرض. هذه ليست أرقام “عقارية” فقط؛ هي إشارة واضحة إلى شيء أكبر: تسارع بناء مدن جديدة بوتيرة تتطلب أدوات تخطيط وتشغيل أدق من أي وقت.
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي من الباب الواسع—ليس كترف تقني، بل كأداة عملية لتقليل الهدر في الطاقة والمياه، ورفع كفاءة المشاريع، وتوجيه الاستثمار نحو ما يخدم النمو طويل المدى. والأهم بالنسبة لسلسلتنا: عندما تتحسن المدن، تتحسن منظومة الطاقة والنفط والغاز لأنها تتعامل مع طلب أكثر قابلية للتنبؤ، وبنية تحتية أسهل في التشغيل، ومخاطر أقل على الشبكات وسلاسل الإمداد.
عبارة تصلح للاقتباس: المدينة التي تُخطَّط بالبيانات تستهلك طاقة أقل، وتتعطل أقل، وتُموِّل نفسها بشكل أذكى.
ما الذي تعنيه مشاريع 3.8 مليار ريال لمسار المدن والطاقة؟
المغزى المباشر من إعلان دار وإعمار—خصوصًا إطلاق مجتمعات النرجس ومجتمعات الفرسان—هو انتقال السوق من “مشروع سكني” إلى نموذج مجتمع متكامل: خدمات متنوعة، مساحات خضراء، ترابط عمراني، وتخطيط معماري يركز على جودة الحياة. هذا النوع من التطوير يرفع سقف التوقعات: السكان يريدون راحة، والمستثمرون يريدون استقرار عوائد، والمدينة تريد استدامة.
لكن الواقع؟ المجتمع المتكامل يضيف طبقات تعقيد تشغيلية:
- أحمال كهربائية تتغير حسب الموسم وأنماط الاستخدام.
- احتياج أعلى لمرونة الشبكات داخل الحي (إنارة، تبريد، شواحن مركبات، مضخات… إلخ).
- حركة مرور تؤثر على استهلاك الوقود والانبعاثات.
- طلب على المياه يتقاطع مع الطاقة عبر التحلية والضخ.
الذكاء الاصطناعي هنا ليس “إضافة لطيفة”؛ هو الطريقة الأقصر للسيطرة على هذا التعقيد دون أن ترتفع التكلفة التشغيلية أو تتدهور تجربة السكان.
ربط التطوير العقاري بالقطاع النفطي والغازي
قد يبدو الربط بعيدًا، لكنه مباشر جدًا في السعودية. كل توسع عمراني في شمال وشمال شرق الرياض—كما تستهدفه دار وإعمار—يعني:
- زيادة أحمال الطاقة التي تحتاج تخطيطًا مسبقًا.
- طلبًا أكثر دقة على الوقود (نقل/لوجستيات/خدمات).
- فرصًا لتطبيق حلول مثل إدارة الطلب (Demand Response) على مستوى الأحياء، وهو مجال تتقاطع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي مع شركات الطاقة.
كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة التخطيط الحضري قبل وضع أول حجر؟
الإجابة المختصرة: الذكاء الاصطناعي يجعل التخطيط أقل اعتمادًا على الحدس وأكثر اعتمادًا على النماذج التي تختبر آلاف السيناريوهات بسرعة.
عند الحديث عن مجتمعات جديدة بقيمة مليارات الريالات، فإن أخطاء التخطيط “الصغيرة” تتحول إلى تكاليف ضخمة: شارع في غير مكانه، توزيع خدمات لا يناسب الكثافة، أو مساحات خضراء بلا ظل كافٍ في صيف الرياض.
1) نمذجة الطلب على الطاقة والمرافق على مستوى المخطط
بدل تقدير الطلب بناءً على متوسطات عامة، يمكن للذكاء الاصطناعي استخدام بيانات مثل:
- نوع الوحدات (فلل/شقق) ومساحاتها.
- نمط استخدام التكييف حسب التصميم والواجهات.
- توزيع الخدمات (مدارس، أسواق، عيادات).
- كثافات سكانية متوقعة حسب مراحل التسليم.
النتيجة: تصميم مغذيات كهرباء وقدرات محطات تحويل وخطط تبريد (أو حلول كفاءة) أكثر واقعية، ما يقلل من “المبالغة في السعة” أو “نقص السعة”.
2) “التوأم الرقمي” للحي قبل التنفيذ
التوأم الرقمي يعني نسخة افتراضية من المجتمع تُختبر عليها سيناريوهات:
- ازدحام عند المداخل في ساعات الذروة.
- توزيع الظل والحرارة في الصيف.
- تأثير التشجير على الراحة الحرارية.
- حركة المشاة إلى المرافق الأساسية.
هذا النوع من المحاكاة يختصر أشهرًا من التجربة الواقعية إلى أسابيع من النمذجة، ويقلل التعديلات المكلفة بعد التسليم.
3) تحسين التصميم المعماري لتحقيق كفاءة الطاقة
التخطيط الذي “يحترم الشمس والرياح” يقلل فواتير التبريد. الذكاء الاصطناعي يساعد في:
- اقتراح اتجاهات مبانٍ تقلل الحمل الحراري.
- تحسين توزيع النوافذ والواجهات.
- اختيار مواد بناء تحقق توازنًا بين التكلفة والعزل.
وهذا يصب مباشرة في هدف الاستدامة الذي ذكرته دار وإعمار في نهج التصميم.
الاستثمار العقاري في عصر التحليلات: لماذا 21 اتفاقية ليست رقمًا عابرًا؟
الجواب: كثرة الاتفاقيات تعني تعدد أطراف المنظومة—ومعها تتضاعف قيمة التحليلات الذكية.
أعلنت دار وإعمار توقيع اتفاقيات استراتيجية مرتبطة بتطوير الرياض شرق عبر صندوق عقاري مرخص بحجم استثمار 1 مليار ريال، وبشراكات تشمل إدارة الصندوق والتصميم والتخطيط الحضري. في مشاريع متعددة المراحل، الاستثمار ليس قرار “دخول/خروج” فقط؛ هو سلسلة قرارات: توقيت، تسعير، مراحل، مزيج منتجات، ومخاطر.
كيف يخدم الذكاء الاصطناعي قرارات الصناديق والتطوير متعدد المراحل؟
هناك 4 استخدامات عملية أراها الأكثر تأثيرًا في السوق السعودي خلال 2026:
- التنبؤ بالطلب حسب الحي والفئة السعرية
- تحليل بيانات معاملات سابقة، ونمو السكان، وقرب الخدمات، وربطها بعوامل مثل الوصول للطرق الرئيسية.
-
تحليل الحساسية للمخاطر
- ماذا لو ارتفعت تكاليف مواد البناء؟ ماذا لو تأخر المقاول؟ ماذا لو تغيّرت تفضيلات المشترين؟
- نماذج AI يمكنها محاكاة هذه السيناريوهات وتقدير أثرها على العائد الداخلي IRR.
-
اكتشاف فرص القيمة المخفية
- مثلاً: إضافة مرفق واحد (عيادة/مدرسة/مركز حي) قد يرفع جاذبية منطقة كاملة، ويقلل زمن بيع الوحدات.
-
مراقبة الأداء أثناء التنفيذ
- تحليل تقدم الأعمال عبر صور موقع المشروع، وتوقع التأخر مبكرًا، وربط ذلك بخطة توريد المواد.
جملة واضحة للمسؤولين: الذكاء الاصطناعي لا “يخمن” السوق؛ هو يقلل تكلفة الخطأ في قرار استثماري قيمته مليار ريال.
من المجتمع المتكامل إلى “الحي الذكي”: أين تتقاطع العقارات مع الطاقة؟
الإجابة المباشرة: في التشغيل اليومي. التشغيل هو المكان الذي تُربح فيه الاستدامة أو تُخسر.
دار وإعمار تحدثت عن بيئات مترابطة وخدمات متنوعة ومساحات خضراء. لتحويل هذا إلى تجربة مستقرة—وخاصة في مدن مثل الرياض حيث التكييف يبتلع الجزء الأكبر من الاستهلاك—تحتاج الأحياء إلى طبقة ذكاء تشغيلي.
1) إدارة الطاقة داخل الحي (وليس فقط داخل المبنى)
بدل ترك كل مبنى يعمل بمعزل عن الآخر، يمكن تطبيق مفاهيم مثل:
- جدولة أحمال الإنارة والري بناءً على الطقس والرطوبة.
- موازنة أحمال الشحن الكهربائي للسيارات.
- اكتشاف الأعطال قبل حدوثها في مضخات المياه أو لوحات الكهرباء.
هذه حلول تهم شركات الطاقة لأنها تخفف الضغط على الشبكة، وتخلق نماذج خدمات جديدة (عقود أداء، إدارة طلب، صيانة تنبؤية).
2) خفض استهلاك الوقود والانبعاثات عبر تخطيط الحركة
حتى مع التحول التدريجي للمركبات الكهربائية، سيبقى تخطيط الحركة عاملًا مهمًا في خفض استهلاك الوقود داخل المدن.
الذكاء الاصطناعي يمكنه:
- تحسين مداخل ومخارج الأحياء لتقليل زمن التوقف.
- اقتراح مواقع الخدمات بحيث تقل مسافات الرحلات اليومية.
- دعم حلول “الميل الأخير” داخل الحي.
3) الاستدامة كمعيار قابل للقياس وليس شعارًا
بدل الاكتفاء بعبارات عامة حول الاستدامة، الأحياء الذكية تقيس مؤشرات محددة مثل:
- استهلاك الكهرباء للفرد.
- استهلاك المياه للفرد.
- معدل الأعطال في المرافق.
- رضا السكان عبر قنوات رقمية.
وعندما تصبح المؤشرات قابلة للقياس، يصبح تحسينها ممكنًا—وهنا تتجلى قيمة الذكاء الاصطناعي.
أسئلة شائعة يطرحها المطورون وشركات الطاقة في السعودية (وإجابات عملية)
هل الذكاء الاصطناعي يعني استثمارات ضخمة في البنية الرقمية؟
ليس بالضرورة. البداية الذكية تكون بمشروع واحد عالي الأثر مثل التنبؤ بالأحمال الكهربائية أو الصيانة التنبؤية لمعدات المرافق داخل مجتمع واحد، ثم التوسع.
ما البيانات المطلوبة للبدء؟
عادةً: مخططات المشروع، مراحل التسليم، أنواع الوحدات، بيانات استهلاك من مشاريع سابقة (إن وجدت)، وبيانات الطقس المحلية. القيمة تأتي من تنظيم البيانات بقدر ما تأتي من الخوارزميات.
أين الخطر الأكبر؟
أكبر خطر هو تحويل الذكاء الاصطناعي إلى “واجهة جميلة” بدون قرار تشغيلي. النموذج يجب أن يرتبط بمؤشر أداء وبمسؤولية تنفيذ واضحة: من يتصرف عندما يتنبأ النظام بتأخر أو بارتفاع حمل؟
ما الذي يمكن فعله الآن؟ (خطوات عملية خلال 90 يومًا)
إذا كنت تعمل في التطوير العقاري، أو في الطاقة والنفط والغاز، أو في إدارة الأصول والبنية التحتية، فهذه خطوات واقعية لبداية سريعة:
-
اختيار حالة استخدام واحدة قابلة للقياس
- مثال: تقليل استهلاك الكهرباء في المرافق العامة بنسبة 8–12% عبر جدولة ذكية.
-
إنشاء “قاموس بيانات” للمشروع
- ما مصادر البيانات؟ من يملكها؟ ما تردد تحديثها؟
-
بناء نموذج تجريبي (Pilot) داخل مجتمع واحد
- يفضّل أن يكون في منطقة ذات كثافة متوسطة لتسهيل القياس.
-
تحديد KPI واضح قبل وبعد
- مثل:
kWh/م²للمرافق المشتركة، وقت الاستجابة للأعطال، أو نسبة التنبؤ الصحيح بالأحمال.
- مثل:
-
تحويل النتائج إلى قرار استثماري
- هل التوفير التشغيلي يغطي تكلفة المنصة؟ ما فترة الاسترداد؟
لماذا يهم هذا لسلسلة “الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز”؟
المدن هي أكبر “عميل” للطاقة. وعندما تُبنى أحياء جديدة بمليارات الريالات—مثل مشاريع دار وإعمار التي أُعلنت في 27/11/2025 الساعة 03:21 م—فإن أي تحسين صغير في التصميم أو التشغيل يتحول إلى وفورات كبيرة على مستوى الشبكات والوقود والانبعاثات.
أنا أميل لرأي واضح هنا: الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة بالسعودية لن ينجح إذا بقي محصورًا داخل أسوار المصافي أو حقول الإنتاج فقط. النجاح الحقيقي يظهر عندما يتصل بالمدينة: بالمجتمعات السكنية، وبالطرق، وبالمرافق، وبقرارات الاستثمار العقاري.
إذا كانت موجة تطوير المجتمعات المتكاملة في الرياض تتسارع، فالسؤال العملي الذي يستحق أن يُطرح الآن: هل سنبني أحياءً “جاهزة للتشغيل بالبيانات” منذ البداية، أم سنلحق الرقمنة بعد التسليم بتكلفة أعلى؟