مخاطر الذكاء الاصطناعي في الطاقة: من التضليل إلى الحوكمة

كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعوديةBy 3L3C

الذكاء الاصطناعي قد يُستخدم للتضليل والتصيّد كما تفعل جماعات متطرفة. تعرّف كيف تحمي شركات الطاقة السعودية عملياتها وتستخدمه بإيجابية ضمن حوكمة واضحة.

الذكاء الاصطناعيالأمن السيبرانيالنفط والغازحوكمة التقنيةالديب فيكإدارة المخاطر
Share:

مخاطر الذكاء الاصطناعي في الطاقة: من التضليل إلى الحوكمة

قبل أيام من نهاية 2025، صار واضحًا أن الذكاء الاصطناعي ليس “تقنية إنتاجية” فقط، بل قوة تأثير يمكن أن تُستخدم لرفع الكفاءة… أو لخلق فوضى معلوماتية وأمنية. التقرير الذي حذّر من استخدام جماعات متطرفة للذكاء الاصطناعي لصناعة محتوى مزيف وتجنيد عناصر جديدة لا يخص الأمن القومي وحده؛ هو جرس إنذار مباشر للقطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية.

السبب بسيط: الطاقة ليست مجرد عمليات تشغيل ومعدات. الطاقة شبكة واسعة من الموردين، المشغلين، المقاولين، الجهات التنظيمية، المستثمرين، والرأي العام. وأي “خلل ثقة” أو “معلومة مزيفة” يمكن أن تتحول إلى تكلفة تشغيلية، تعطّل قرارًا، أو تفتح ثغرة سيبرانية. وفي المقابل، عندما يُدار الذكاء الاصطناعي بحوكمة صارمة، يصبح أداة لحماية المنشآت، تقليل الأعطال، ورفع السلامة.

كيف تتحول الديب فيك والتضليل إلى خطر مباشر على قطاع الطاقة؟

الجواب المباشر: المحتوى المزيف يضرب الثقة أولًا، ثم يضغط على التشغيل والقرار. الجماعات المتطرفة تستفيد من سهولة إنتاج صور وفيديوهات واقعية (Deepfakes) ورسائل متعددة اللغات بسرعة، ومع خوارزميات المنصات الاجتماعية يمكن للتضليل أن ينتشر خلال ساعات.

في قطاع الطاقة، هذا يترجم إلى سيناريوهات عملية، بعضها “واقعي جدًا”:

1) إشاعة حادث تشغيلي أو تسرب… قبل أن يحدث

تخيّل مقطع فيديو مزيف يُظهر تسربًا في منشأة معالجة أو حريقًا في محطة، مع شعار الشركة ومشهد “يبدو حقيقيًا”. حتى لو تم نفيه لاحقًا، الضرر يحدث في:

  • سمعة الشركة وثقة المجتمع المحلي
  • ضغط على مراكز الاتصال وفرق العلاقات العامة
  • تذبذب في قرارات الموردين أو العملاء
  • فتح باب الابتزاز المعلوماتي أو حملات منسقة لإرباك السوق

2) انتحال قيادات عليا بالصوت والصورة لتمرير احتيال أو اختراق

استخدام الصوت الاصطناعي في حملات التصيّد (Phishing) أصبح أسهل وأرخص. أخطر ما في قطاع النفط والغاز أن سلسلة الموافقات (Approvals) قد تشمل:

  • طلبات تحويل مالي لموردين
  • تغييرات في إعدادات تشغيل أو وصول عن بُعد
  • تعليمات عاجلة لفرق الصيانة أو الأمن الصناعي

مكالمة “مدير تنفيذي” بصوت مطابق، أو رسالة فيديو “مستعجلة”، قد تكفي لتجاوز الحذر—خصوصًا في بيئة عمل تعتمد على السرعة.

3) بروباغندا رقمية تستهدف العاملين وسلاسل التوريد

التقرير يشير إلى أن جهات متطرفة تستخدم الذكاء الاصطناعي للتجنيد والتأثير النفسي. في سياق الطاقة، الخطر لا يقتصر على الجمهور؛ بل يمكن أن يستهدف:

  • موظفين جدد أو متدربين برسائل موجهة
  • مقاولي خدمات لديهم وصول ميداني
  • حسابات شخصية تُستغل لجمع معلومات عن المنشآت

عبارة واحدة يجب أن تبقى أمام أعين إدارات الطاقة: “المحتوى المزيف ليس مشكلة إعلامية فقط؛ هو سطح هجوم.”

لماذا يصبح الذكاء الاصطناعي أخطر عندما يكون رخيصًا وسهل الاستخدام؟

الجواب المباشر: لأن الحاجز المهاري ينخفض، والقدرة على التكرار ترتفع. التقرير يوضح أن مجموعات صغيرة بموارد محدودة يمكنها إحداث أثر كبير باستخدام أدوات توليد النصوص والصور والفيديو.

وهنا نقطة مهمة لقطاع الطاقة في السعودية: حتى لو كانت الشركات الكبرى محصنة نسبيًا، فالنظام ككل يتكون من عشرات (وأحيانًا مئات) الأطراف—مقاولين، مورّدين، شركات خدمات، ومزودي حلول تقنية. أي طرف أقل نضجًا قد يتحول إلى البوابة.

“تأثير السلسلة”: الطرف الأضعف يحدد مستوى الأمان

غالبًا ما يبدأ الهجوم من:

  • بريد إلكتروني لمقاول صغير
  • حساب موظف طرف ثالث
  • منصة مشاركة ملفات غير مؤمنة
  • رقم هاتف في قائمة اتصالات فريق العمليات

الذكاء الاصطناعي يجعل الرسائل الاحتيالية أكثر إقناعًا: لغة سليمة، سياق صحيح، أسماء مشاريع، وحتى لهجة محلية.

الحوكمة: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي في النفط والغاز؟

الجواب المباشر: أفضل دفاع هو أن نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى التشغيل والقرار ضمن ضوابط، بدل أن يبقى خارج السيطرة. كثير من الشركات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة “تجريبية” لدى فريق الابتكار فقط. هذا خطأ شائع. الحوكمة يجب أن تكون جزءًا من التشغيل.

1) سياسة “ذكاء اصطناعي موثوق” داخل المؤسسة

ضعوا قواعد واضحة، تُكتب وتُطبّق، تشمل:

  • ما الذي يُسمح توليده بالذكاء الاصطناعي (نصوص داخلية، تقارير أولية…)
  • ما الذي يُمنع (بيانات حساسة، خرائط منشآت، تفاصيل أمنية)
  • أين تُحفظ المخرجات، ومن يراجعها
  • آلية توثيق: من استخدم الأداة؟ لأي غرض؟ وما البيانات التي دخلت؟

2) التحقق من الهوية متعدد العوامل للقرارات الحساسة (Human + System)

لا يكفي “التوقيع” أو “رسالة واتساب” أو “مكالمة صوتية”. للطلبات الحرجة (تحويلات، صلاحيات وصول، تغييرات تشغيلية)، اعتمدوا مسار تحقق متعدد:

  1. قناة رسمية داخلية (نظام تذاكر/بوابة)
  2. تحقق تقني (MFA + جهاز مُعتمد)
  3. تحقق بشري مستقل (موافقة ثانية)

هذه ليست بيروقراطية؛ هذه تكلفة أقل من حادث واحد.

3) تدريب فرق العمليات والأمن على الديب فيك والتصيّد المدعوم بالذكاء الاصطناعي

التقرير يلمّح إلى ورش تدريب تعقدها جماعات متطرفة لأنصارها لاستخدام الذكاء الاصطناعي. الرد المنطقي: نُدرّب نحن أيضًا—لكن على الكشف والوقاية.

برنامج تدريبي فعال في قطاع الطاقة يجب أن يتضمن:

  • أمثلة صوتية واقعية لانتحال الهوية
  • محاكاة رسائل بريدية “مقنعة” مكتوبة بالذكاء الاصطناعي
  • قواعد سريعة: لا تنفذ طلبًا حساسًا عبر قناة واحدة
  • تمارين شهرية قصيرة بدل دورة سنوية طويلة تُنسى

4) مراقبة المحتوى والسمعة الرقمية بذكاء… وبشكل نظامي

لا تنتظروا أن تصبح القصة “ترند”. أنشئوا رصدًا مبكرًا للمؤشرات:

  • تزايد ذكر اسم الشركة مع كلمات مثل “تسرب” أو “حريق”
  • حسابات حديثة تنشر صورًا صادمة
  • نسخ متعددة اللغة لنفس الإشاعة

والأهم: خطة استجابة جاهزة تتضمن بيانات أولية، قنوات نشر موثوقة، ومتحدثين معتمدين.

أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية في الطاقة السعودية؟

الجواب المباشر: عندما يُستخدم لتحسين السلامة والاعتمادية وخفض التكاليف دون التضحية بالثقة. ضمن سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”، هذه أمثلة عملية رأيت فعاليتها عندما تكون البيانات منضبطة والحوكمة موجودة:

1) الصيانة التنبؤية وتقليل التوقفات غير المخطط لها

  • تحليل اهتزازات المضخات والضواغط
  • توقع فشل المحامل قبل حدوثه
  • جدولة الصيانة وفق حالة المعدة لا وفق تقويم ثابت

العائد هنا ليس “تقنيًا” فقط؛ بل تقليل مخاطر السلامة وخفض الهدر.

2) تحسين استهلاك الطاقة داخل المنشآت الصناعية

نماذج تعلم الآلة تساعد في:

  • ضبط تشغيل الأفران والمبادلات الحرارية
  • تقليل الفاقد في البخار والهواء المضغوط
  • تحسين كفاءة استهلاك الوقود في عمليات التكرير والمعالجة

3) كشف الشذوذ السيبراني في شبكات OT/ICS

بدل الاعتماد على قواعد ثابتة فقط، يمكن للذكاء الاصطناعي رصد أنماط غير معتادة مثل:

  • سلوكيات دخول غير مألوفة
  • أوامر تحكم خارج السياق التشغيلي
  • تغييرات متزامنة “تبدو بشرية” لكنها آلية

الفكرة ليست استبدال فرق الأمن؛ بل تسريع الإنذار وتقليل الضوضاء.

أسئلة شائعة من فرق الطاقة (بإجابات عملية)

هل الحل هو منع أدوات الذكاء الاصطناعي تمامًا؟

المنع الكامل يخلق “ظلًا تقنيًا”: الناس ستستخدم الأدوات من أجهزتها الخاصة. الحل الأفضل: بديل مؤسسي مُدار مع سياسات واضحة وسجلات استخدام.

كيف نميز خبرًا مزيفًا عن حادث حقيقي بسرعة؟

أنشئوا “بروتوكول تحقق خلال 30 دقيقة” يتضمن: تواصل ميداني، مراجعة كاميرات داخلية، وتحديث موحد من غرفة التحكم، ثم رسالة خارجية قصيرة وواضحة.

ما أول خطوة واقعية خلال 90 يومًا؟

ابدؤوا بثلاثة مسارات متوازية:

  1. سياسة استخدام الذكاء الاصطناعي + تصنيف البيانات
  2. تشديد مسارات الموافقات والتحقق للطلبات الحساسة
  3. تدريب تصيّد/ديب فيك مع محاكاة شهرية

ماذا يعني هذا لقادة الطاقة في السعودية في 2026؟

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي سيزيد الفارق بين شركات تُدار بالحوكمة وشركات تُدار بردّات الفعل. التقرير الذي حذّر من استغلاله في التجنيد والتضليل يوضح أن “الخصم” يتعلم بسرعة. وهذا يعني أن قطاعًا بحجم النفط والغاز لا يملك رفاهية التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع جانبي.

إذا كان هدفك في 2026 رفع الاعتمادية، تقليل التوقفات، وتحسين السلامة، فاستثمارك في الذكاء الاصطناعي يجب أن يسير مع استثمار مماثل في الحوكمة، أمن المعلومات، وإدارة السمعة الرقمية.

وأتركك مع سؤال عملي يصلح لاجتماع الإدارة القادم: هل نعرف بالضبط من يستطيع إصدار “تعليمات عاجلة” اليوم… وهل لدينا طريقة تمنع أن يكون الصوت مزيفًا؟