تقدّم شريحة Willow يعيد رسم حدود الحوسبة. تعرّف كيف يسرّع ذلك الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز بالسعودية بخطوات عملية.
الذكاء الاصطناعي والكمّ: مستقبل الطاقة والنفط والغاز بالسعودية
قبل عام تقريبًا، أعلنت Google أنها نجحت في حلّ تحدٍّ محوري في الحوسبة الكمّية عبر شريحة جديدة اسمها Willow تضم 105 كيوبت. الأهم ليس اسم الشريحة، بل الرسالة: القدرة على حل مسائل حسابية خلال 5 دقائق بينما قد تحتاج الحواسيب التقليدية—حتى في أفضل الفرضيات—إلى مليار سنة للوصول للنتيجة نفسها.
هذا الرقم وحده يغيّر طريقة تفكيرنا في مستقبل الذكاء الاصطناعي. قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية يعيش أصلًا موجة تحوّل رقمي متسارع، لكن كثيرًا من “مشاكل الميدان” ما زالت أكبر من قدرة النماذج التقليدية على محاكاتها بدقة وفي وقت مناسب لاتخاذ القرار. هنا بالضبط يصبح الحديث عن الحوسبة الكمّية مرتبطًا بشكل مباشر بسلسلة مقالاتنا: كيف تُحوّل تقنيات الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية.
الفكرة التي أراها بوضوح: الكمّ لن يستبدل الذكاء الاصطناعي، بل سيعطيه “قوة حسابية إضافية” في أصعب أجزاء سلسلة القيمة—من الاستكشاف والتطوير، إلى التشغيل، وصولًا للتجارة وإدارة الشبكات.
ماذا يعني إعلان Google عن شريحة Willow لقطاع الطاقة؟
الجواب المباشر: إعلان Google يشير إلى تقدّم عملي في تقليل أخطاء الكيوبت مع زيادة عددها، وهي المشكلة التي عطّلت الحوسبة الكمّية لعقود. عندما تصبح الأخطاء قابلة للتصحيح بالزمن الحقيقي، تصبح الأجهزة الكمّية أقرب للاستخدام خارج المختبر.
لماذا “تصحيح الأخطاء” مهم؟
الحوسبة الكمّية قوية لأنها تستخدم الكيوبت بدل البِت، لكن الكيوبت حساس جدًا؛ يمكن أن يتأثر بعوامل دقيقة (حتى جسيمات دون ذرية). تاريخيًا، زيادة عدد الكيوبتات كانت تعني زيادة الأخطاء، فتتلاشى الفائدة.
بحسب ما نشرته Google في ورقة علمية ضمن مجلة Nature (10/12/2024)، تمكّنت من ربط الكيوبتات بطريقة تجعل معدل الخطأ ينخفض كلما زاد عدد الكيوبتات—وهو عكس ما كان يحدث غالبًا.
لماذا يهمنا ذلك في السعودية الآن (12/2025)؟
القطاع السعودي يوازن بين ثلاثة أهداف متزامنة:
- رفع الكفاءة وتقليل التوقفات غير المخطط لها
- خفض الانبعاثات وتحسين استهلاك الطاقة والوقود
- تسريع القرارات التشغيلية والتجارية ضمن بيئة متقلبة الأسعار
الذكاء الاصطناعي يساعد اليوم في هذه الأهداف، لكن نطاق بعض المسائل (محاكاة مكامن معقدة، أمثلية شبكات كبيرة، كيمياء مواد بطاريات/محفزات) قد يستفيد جذريًا من تسريع كمّي—عندما ينضج بما يكفي.
أين يلتقي الذكاء الاصطناعي مع الحوسبة الكمّية في النفط والغاز؟
الجواب المباشر: يلتقيان في المشكلات التي تجمع بين بيانات ضخمة + قيود هندسية + أمثلية معقّدة. الذكاء الاصطناعي ممتاز في التنبؤ والتصنيف، بينما الكمّ (مستقبلًا) قد يكون ممتازًا في بعض أنواع البحث والأمثلية والمحاكاة.
1) نمذجة المكامن (Reservoir Modeling) بصورة أسرع
النمذجة العددية للمكامن ليست مسألة “ذكاء اصطناعي” فقط؛ هي محاكاة فيزيائية ومعادلات تفاضلية وقيود جيولوجية. الشركات تستخدم اليوم:
- نماذج محاكاة تقليدية عالية الكلفة الحسابية
- نماذج AI بديلة (surrogate models) لتقريب النتائج بسرعة
التصور العملي الأكثر واقعية: AI يتعلم تقريب المحاكاة، والكمّ يسرّع أجزاء محددة من الحل أو الأمثلية. هذا ينعكس على:
- تحسين خطط الحفر
- رفع معامل الاسترداد
- تقليل عدد دورات “جرّب وراجع” في الدراسات
2) الأمثلية التشغيلية في المصافي وسلاسل الإمداد
المصافي وشبكات الإمداد تواجه “أمثلية تحت قيود” يومية: مزج خامات، جدولة وحدات، توازن طاقة، لوجستيات، مخزون، قيود صيانة. هذه مشاكل غالبًا تُصاغ كـ:
- Mixed-Integer Optimization
- Constrained Scheduling
اليوم تُحل غالبًا بأساليب تقليدية قوية، لكن عندما تكبر الشبكة وتتشعب القيود، يصبح الحل البشري/التقليدي أبطأ من إيقاع السوق.
النقطة التي تستحق التركيز: حتى تحسن بنسبة 1–3% في قرارات الجدولة والمزج قد يترجم إلى ملايين الريالات سنويًا في منشأة كبيرة. وهذا بالضبط نوع المسائل التي تبحث لها الشركات العالمية عن تسريع—سواء بذكاء اصطناعي، أو لاحقًا بمقاربات كمّية.
3) اكتشاف مواد جديدة للهيدروجين والبطاريات والمح catalysts
Google نفسها قالت إن الكمّ قد يخدم مجالات مثل كيمياء البطاريات. في سياق السعودية:
- تحسين محفزات التكرير والمعالجة
- تطوير مواد لالتقاط الكربون
- كيمياء الأمونيا والهيدروجين منخفض الكربون
المختبرات تعتمد على التجربة والخطأ + محاكاة كيميائية كثيفة. الكمّ يعد—على المدى المتوسط—بمحاكاة جزيئية أدق لبعض الأنظمة، ما يسرّع البحث والتطوير.
جملة تلخص الصورة: الذكاء الاصطناعي يختصر وقت “التعلّم من البيانات”، والحوسبة الكمّية قد تختصر وقت “حل الفيزياء والكيمياء” عندما تصبح جاهزة صناعيًا.
تطبيقات “جاهزة الآن” للذكاء الاصطناعي في الطاقة بالسعودية (قبل الكمّ)
الجواب المباشر: إذا كنت تبحث عن عائد خلال 3–12 شهرًا، فالذكاء الاصطناعي الحالي كافٍ لإحداث فرق ملموس—بدون انتظار نضج الحوسبة الكمّية.
الصيانة التنبؤية: تقليل التوقفات غير المخطط لها
ما يعمل فعلاً في بيئات النفط والغاز:
- نماذج تتنبأ بارتفاع الاهتزازات أو الحرارة في المضخات والضواغط
- كشف مبكر لانحرافات الأداء (anomaly detection)
- توصيات صيانة مبنية على المخاطر بدل الجداول الثابتة
المعيار الواقعي للنجاح ليس “دقة النموذج” فقط، بل:
- تقليل بلاغات الإنذار الكاذب
- ربط التنبؤ بإجراء تشغيلي واضح
- قياس أثر النموذج على التوفرية (Availability)
تحسين استهلاك الطاقة والانبعاثات
في المصافي ومحطات التوليد والتحلية، الذكاء الاصطناعي يساعد على:
- ضبط نقاط التشغيل لتقليل الوقود ضمن قيود السلامة والجودة
- اكتشاف التسربات والهدر في البخار والهواء المضغوط
- التنبؤ بذروة الأحمال لتخطيط أفضل للطاقة
خلال شتاء السعودية (مثل نهاية ديسمبر)، ترتفع أحمال بعض المواقع بسبب تغير أنماط التشغيل والطلب. التنبؤ القصير المدى بالأحمال وتحسين الجداول يحقق وفورات ملموسة، خصوصًا في المواقع التي تدفع كلفة طاقة داخلية أو تدير قيودًا صارمة على البخار والغاز.
ذكاء اصطناعي للمكتب… لكنه مؤثر في الميدان
ضمن سلسلة موضوعنا، لا أجد هذا الجانب ثانويًا:
- تلخيص تقارير الحوادث وطلبات العمل
- تحويل إجراءات التشغيل القياسية إلى مساعد رقمي للمهندسين
- البحث في أرشيف الصيانة وقرارات الهندسة خلال ثوانٍ
عندما تقلل زمن الوصول للمعلومة في وردية تشغيلية واحدة، فأنت ترفع جودة القرار. وهذا ينعكس على السلامة والإنتاج.
كيف تستعد شركات الطاقة السعودية لموجة “AI + Quantum” دون مبالغة؟
الجواب المباشر: الاستعداد الحقيقي ليس بشراء جهاز كمّي، بل ببناء بيانات، ونماذج، وحوكمة، وفِرق تستطيع التقاط الفائدة عندما تنضج التقنية.
1) ابنِ “أصول بيانات” قابلة للاستخدام
أقترح التفكير في البيانات كأصل استثماري مثل المعدّة:
- كتالوج بيانات موحّد للأصول (معدات، حساسات، أحداث، صيانة)
- جودة بيانات (تواريخ صحيحة، وحدات قياس موحّدة، معالجة القيم الشاذة)
- تتبع نسب اكتمال البيانات لكل أصل
بدون هذا، أي مشروع AI سيبقى تجربة.
2) ابدأ بمشكلات أمثلية محددة وقابلة للقياس
اختيار مشكلة صحيحة يختصر الطريق:
- حدّد قرارًا يوميًا متكررًا (مثلاً: مزج، جدولة، تخصيص طاقة)
- عرّف قيودًا واضحة (سلامة، جودة، طاقة، زمن)
- ضع مؤشر أثر مالي وتشغيلي
- نفّذ نموذجًا أوليًا خلال 8–10 أسابيع
هذا النوع من المسائل هو الأقرب مستقبلًا للاستفادة من تسريع كمّي، لذلك الاستثمار فيه لا يضيع.
3) جهّز الفريق لواقع “التصحيح والموثوقية”
من درس Willow الأوضح: الموثوقية أهم من الحجم. في AI أيضًا، النموذج الذي يعمل باستقرار داخل غرفة التحكم أفضل من نموذج “أذكى” ينهار عند أول تغيّر في البيانات.
ركّزوا على:
- مراقبة انحراف البيانات (data drift)
- اختبارات قبل النشر وبعده
- تشغيل تدريجي (shadow mode) قبل الاعتماد الفعلي
4) شراكات بحثية مركزة بدل مشاريع عامة
إذا دخلت في مسار كمّي/متقدم، اجعل الشراكات محددة:
- مشكلة واحدة
- بيانات محددة
- معيار نجاح واضح
- نقل معرفة للفريق الداخلي
المشاريع العامة تنتهي غالبًا بعروض تقديمية جميلة دون أثر.
أسئلة شائعة يطرحها قادة الطاقة (وإجاباتي بصراحة)
هل الحوسبة الكمّية جاهزة لتشغيل المصافي والحقول الآن؟
لا. ما زالت في مرحلة تجريبية، والتحديات الهندسية (التبريد، الاستقرار، التكلفة) كبيرة. لكن التقدم في تصحيح الأخطاء بالزمن الحقيقي يقرّبها من الاستخدام العملي.
هل يعني ذلك أن نستثمر في الكمّ بدل الذكاء الاصطناعي؟
لا. الذكاء الاصطناعي يعطي عائدًا أسرع اليوم. الاستثمار الذكي هو: AI الآن + بناء جاهزية بيانات وأمثلية تمهّد للاستفادة من الكمّ لاحقًا.
ما أول مشروع أنصح به لشركة نفط وغاز في السعودية تريد نتائج؟
الصيانة التنبؤية لمعدّات حرجة أو تحسين استهلاك الطاقة في وحدة محددة. المشروعان واضحان، قابلان للقياس، ويقنعان الإدارة بسرعة.
ما الذي يجب أن يحدث في 2026 كي نرى أثرًا أكبر؟
الجواب المباشر: الأثر الأكبر سيأتي عندما تتبنى المؤسسات نهجًا تشغيليًا للذكاء الاصطناعي، لا نهج “مختبر”.
إذا كانت شريحة مثل Willow تشير إلى تسارع في قدرات الحوسبة، فإن قطاع الطاقة السعودي لديه فرصة واقعية لقيادة المنطقة عبر:
- تشغيل نماذج AI على نطاق واسع في الأصول
- بناء منصات بيانات صناعية موحدة
- تحويل قرارات التشغيل إلى قرارات مدعومة بالنماذج
ضمن سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”، أرى أن أفضل موقف هو موقف عملي: لا نبالغ في الوعود، ولا نتأخر عن بناء الأساس.
إذا كنت تقود مبادرة تحول رقمي أو تشغيل ذكي في الطاقة، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا قبل أي مشروع جديد: ما القرار الذي سيتغير فعليًا غدًا صباحًا بسبب هذا النموذج؟ إن كانت الإجابة واضحة وقابلة للقياس، فأنت على الطريق الصحيح.