كيف يقلّل الذكاء الاصطناعي احتمالات انقطاع الكهرباء عبر التنبؤ بالطلب وإدارة البطاريات والصيانة التنبؤية—ودروس قابلة للتطبيق في السعودية.

الذكاء الاصطناعي يمنع انقطاعات الكهرباء في السعودية
انقطاع الكهرباء ليس «حادثًا عابرًا» كما نحب أن نُقنع أنفسنا. هو اختبار مباشر لقدرة أي اقتصاد على الاستمرار تحت الضغط: مصانع تتوقف، سلاسل تبريد تتعطل، مراكز بيانات ترتبك، وخدمات أساسية تُصبح هشّة في دقائق. ما حدث في تكساس خلال عاصفة 2021—حين انقطعت الكهرباء عن أكثر من 4.5 مليون منزل ومنشأة لأيام—لم يكن مجرد قصة طقس قاسٍ؛ كان درسًا قاسيًا عن أن الشبكات لا تنهار فجأة… بل تنهار عندما لا ترى القادم.
في السعودية، المسألة أكثر حساسية لسببين واضحين: ذروة الأحمال الصيفية، وتسارع التحول في قطاع الطاقة ضمن برامج الاستدامة والكفاءة. ومع دخول الطاقة المتجددة وتوسع مشاريع التخزين، أصبحت المرونة التشغيلية هي الاسم الآخر للأمن الطاقي. هنا يأتي الذكاء الاصطناعي كأداة عملية جدًا—ليس للعرض—بل لمنع الانقطاعات قبل أن تبدأ، ولرفع كفاءة قطاع الطاقة والنفط والغاز في الوقت نفسه.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية»، وسأتعامل معها كـ«دراسة حالة قابلة للتطبيق»: كيف نستخدم التنبؤ، والتحكم الذكي، ورؤية الشبكة، لحماية الإمداد وتقليل الهدر ورفع الجاهزية.
لماذا تحدث الانقطاعات؟ الذكاء الاصطناعي يهاجم السبب لا العرض
السبب الأكثر شيوعًا للانقطاعات ليس نقص الإنتاج فقط، بل فجوة التوقيت بين العرض والطلب، مع قيود الشبكة ومحدودية المرونة. عندما يقفز الطلب خلال دقائق أو ساعات، أو عندما تتراجع مصادر متذبذبة (كالرياح والشمس) فجأة، تصبح قرارات التشغيل معقدة للغاية.
الذكاء الاصطناعي يضيف قيمة حقيقية لأنه يحوّل التشغيل من «رد فعل» إلى تخطيط استباقي. بدلًا من أن تنتظر غرفة التحكم مفاجأة في الأحمال، يمكن للنماذج أن:
- تتنبأ بذروة الطلب قبل حدوثها بساعات وأحيانًا أيام
- تحاكي سيناريوهات الطقس وتأثيرها على الأحمال والتوليد
- تقترح إجراءات تشغيلية دقيقة: تشغيل احتياطي، إدارة أحمال، أو تفريغ بطاريات
جملة قابلة للاقتباس: الشبكة الذكية لا تمنع الانقطاع بالسحر؛ تمنعه لأنها ترى القادم وتتصرف مبكرًا.
التنبؤ بالطلب: من الطقس إلى «سلوك الناس»
التنبؤ الدقيق بالطلب هو حجر الأساس. في تقرير المصدر، أشار خبراء إلى أن أكبر ما يحرك الطلب هو الطقس ونمط الاستهلاك. لكن الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند درجة الحرارة؛ بل يقرأ الإشارات التي غالبًا لا تُحسب في جداول التشغيل التقليدية.
ما الذي تتعلمه النماذج فعليًا؟
النماذج القوية في التنبؤ تجمع بين بيانات متعددة، مثل:
- درجات الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح والغبار (مؤثرات مهمة في منطقتنا)
- التقويم: عطلات رسمية، مواسم العمرة والحج، عودة المدارس
- أنماط العمل: تغيرات أيام الأسبوع، جداول الدوام في المدن الصناعية
- أحداث كبيرة ترفع الاستهلاك في أوقات محددة (مباريات، مواسم ترفيه)
الفكرة ليست «تعقيدًا للتعقيد»، بل لأن أي خطأ بسيط في التوقع عند الذروة قد يعني تشغيل وحدات إضافية بتكلفة عالية، أو—في السيناريو الأسوأ—ضغطًا على الشبكة.
كيف ينعكس هذا على النفط والغاز في السعودية؟
عندما يتنبأ النظام بذروة قادمة، يمكن لقطاع النفط والغاز أن يستفيد بطريقتين:
- تحسين تخطيط الوقود والاحتياطي لمحطات التوليد الغازية (تشغيل اقتصادي بدل تشغيل طارئ).
- خفض فاقد الحرق والتشغيل غير الضروري في بعض المرافق المساندة عندما تُدار الأحمال بذكاء.
بمعنى عملي: التنبؤ الجيد يقلل القرارات المكلفة التي تُتخذ تحت الضغط.
البطاريات على الشبكة: الذكاء الاصطناعي يحدد متى تشحن ومتى تُفرّغ
التخزين بالبطاريات أصبح أحد حلول المرونة عالميًا. المثال الوارد في المصدر واضح: تكساس بنت خلال ثلاث سنوات أكثر من 5 جيجاواط من سعة التخزين—رقم يوازي تقريبًا «أربع محطات نووية كبيرة» من منظور القدرة.
لكن وجود البطارية وحده لا يكفي. قيمتها تظهر عندما تعرف متى تشحن ومتى تُفرغ، وهذا قرار يتأثر بعشرات المتغيرات: أسعار الطاقة، ازدحام الشبكة، احتمالات الذروة، وتذبذب المتجددة.
نموذج تشغيلي مناسب للسعودية
في سياق السعودية—حيث ذروة الأحمال غالبًا صيفية—يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدير البطاريات وفق قاعدة بسيطة لكن قوية:
- اشحن خلال فترات فائض التوليد أو انخفاض الطلب (غالبًا ليلًا)
- فرّغ قبل الذروة بمدة محسوبة لتخفيف الضغط على خطوط النقل والمحطات
هذا ينعكس على:
- تقليل احتمالات الانقطاع في ذروة الاستهلاك
- خفض تكلفة التشغيل عبر تقليل تشغيل وحدات احتياطية مكلفة
- رفع استيعاب الطاقة المتجددة بدل إهدارها عند فائض التوليد
مثال قريب من حياة الناس: شحن المركبات الكهربائية
أعجبني في التقرير مثال شحن المركبة الكهربائية على دفعات قصيرة خلال «أفضل 5 دقائق» متكررة بدل شحن مستمر. الفكرة قابلة للتطبيق محليًا أيضًا: عندما يتوسع انتشار المركبات الكهربائية، لن نريد شحنًا عشوائيًا يرفع الذروة. نريد شحنًا «مُنسّقًا» يخففها.
المتجددة تحتاج تنبؤًا أدق: الغيوم ليست تفصيلًا
الطاقة الشمسية والرياح تتغيران بطبيعتهما. لذلك، الجزء الأهم ليس تركيب الألواح أو التوربينات فقط، بل توقع إنتاجها كي لا تُفاجئ الشبكة بانخفاض مفاجئ.
الشركات التي تبني نماذج للتنبؤ بالإنتاج تعتمد على مؤشرات مثل:
- الغطاء السحابي (يؤثر فورًا على إنتاج الشمس)
- سرعة الرياح واتجاهها (تحدد إنتاج التوربينات)
- الحرارة والرطوبة (تؤثر على كفاءة بعض الأنظمة)
في السعودية، ميزة إضافية يمكن استغلالها: كثرة البيانات المناخية المتاحة وتطور الرصد، ما يعني أن فرص تحسين دقة التوقع—وبالتالي خفض مخاطر الانقطاع—مرتفعة جدًا.
جملة قابلة للاقتباس: كلما تحسّن توقعك لإنتاج المتجددة، قلّ اعتمادك على تشغيل طارئ «يتعامل مع المفاجآت».
حماية البنية التحتية: رؤية حاسوبية بدل التفتيش البطيء
حتى لو كان التوليد والطلب متوازنين، قد يحدث الانقطاع بسبب مشكلة «ميدانية»: سلك متضرر، صدأ في جزء، شجرة اقتربت من خط، أو خلل في محطة فرعية. المصدر ذكر استخدام الذكاء الاصطناعي لمسح الصور والتقاط مؤشرات تلف، وحتى رصد اقتراب الأشجار أو دخول الحيوانات إلى المحطات.
هذا النوع من الذكاء الاصطناعي—الرؤية الحاسوبية—يناسب بيئات الطاقة لأنه:
- يقلل الاعتماد على الجولات اليدوية المكلفة والبطيئة
- يرفع دقة اكتشاف الأعطال الصغيرة قبل أن تتحول إلى انقطاع
- يحسن السلامة ويقلل المخاطر البيئية (مثل الحرائق في تجارب عالمية)
ربط مباشر بقطاع النفط والغاز
الفكرة نفسها تُطبق في منشآت النفط والغاز: خطوط أنابيب، صمامات، محطات ضغط، خزانات، ومرافق كهربائية داخلية. عندما تصبح الصيانة تنبؤية بدل «بعد العطل»، ينخفض التوقف غير المخطط وترتفع الجاهزية.
خطة تطبيق عملية لشركات الطاقة في السعودية (من 90 يومًا إلى 12 شهرًا)
التحدي ليس في شراء منصة ذكاء اصطناعي، بل في بناء منظومة تشغيلية تتغذى ببيانات صحيحة وتُقاس بنتائج واضحة. هذا ما أنصح به عادةً عندما أسأل: من أين نبدأ؟
خلال 90 يومًا: مكاسب سريعة وواقعية
- تجميع بيانات موحدة: أحمال تاريخية كل 15 دقيقة، طقس، أعطال، أعمال صيانة.
- نموذج تنبؤ بالطلب قصير الأجل (24–72 ساعة) لتجارب التشغيل.
- لوحة متابعة تربط التوقعات بقرارات التشغيل اليومية.
خلال 6 أشهر: تحويل التوقع إلى قرار
- دمج التوقعات مع إدارة البطاريات أو برامج الاستجابة للطلب
- ربط التوقعات بعمليات جدولة الوقود للمحطات الغازية
- وضع مؤشرات أداء واضحة مثل:
- تقليل الانحراف في توقع الذروة (بالميجاواط)
- تخفيض ساعات التشغيل الاحتياطي غير الضروري
- تقليل أعطال الشبكة المتكررة في مناطق محددة
خلال 12 شهرًا: الصيانة التنبؤية على نطاق واسع
- استخدام الرؤية الحاسوبية لمسح الأصول (خطوط، أبراج، محطات)
- نماذج «احتمالية الفشل» للأصول الحرجة
- أتمتة بلاغات الصيانة وتحديد الأولويات حسب المخاطر
معيار نجاح بسيط: إذا لم يتغير جدول التشغيل والصيانة بسبب الذكاء الاصطناعي، فأنتم لم تطبقوه فعليًا.
أسئلة تتكرر في مشاريع الشبكات الذكية داخل المؤسسات
هل الذكاء الاصطناعي يقلل الانقطاعات وحده؟
لا. هو يقللها عندما يكون جزءًا من منظومة: بيانات جيدة، تشغيل منضبط، وقدرة على تنفيذ قرارات مثل إدارة أحمال أو تشغيل تخزين.
ما أهم بيانات يجب البدء بها؟
أحمال تاريخية عالية الدقة، بيانات الطقس المحلية، سجل الأعطال والصيانة، وبيانات أصول الشبكة. دون هذه، ستبقى النماذج «تتوقع بلا أثر».
أين مكسب النفط والغاز بالتحديد؟
في تحسين جدولة الوقود والتشغيل الاقتصادي، وتقليل التوقف غير المخطط عبر الصيانة التنبؤية، ورفع كفاءة الطاقة في المرافق المساندة.
الخطوة التالية: من «فكرة ذكية» إلى ميزة تشغيلية
الذكاء الاصطناعي في منع انقطاعات الكهرباء ليس رفاهية تقنية؛ هو امتداد طبيعي لواقع الطاقة اليوم: طلب يتصاعد، ومتجددة تتذبذب، وتوقعات مجتمع واقتصاد لا يقبلان التوقف. السعودية تملك كل المقومات لتطبيق هذا على نطاق واسع: مشاريع طاقة ضخمة، بنية رقمية تتطور بسرعة، وقطاع نفط وغاز يبحث عن كفاءة أعلى واستدامة تشغيلية.
إذا كنت تقود فريقًا في شركة طاقة أو نفط وغاز، أنصحك أن تبدأ بسؤالين عمليين جدًا: ما هو القرار اليومي الذي لو حسّناه بالتنبؤ سنوفر تكلفة أو نمنع مخاطرة؟ وما هي البيانات التي نحتاجها كي يصبح هذا القرار آليًا وقابلًا للقياس؟
وفي المقال القادم ضمن هذه السلسلة، سننتقل من الشبكة إلى داخل المنشأة: كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة التشغيل في مرافق النفط والغاز عبر التنبؤ بالأعطال وتحسين الاستهلاك الطاقي.