طلب كهرباء الذكاء الاصطناعي أصبح تحوّلًا هيكليًا يدفع لإعادة التفكير بالطاقة النووية. قراءة سعودية عملية تربط التخطيط والحوكمة وفرص النفط والغاز.

سباق الذكاء الاصطناعي يضغط الطاقة النووية بالسعودية
63% من المستثمرين العالميين—ضمن استطلاع شمل أكثر من 600 مستثمر—أصبحوا يرون أن طلب الكهرباء الناتج عن الذكاء الاصطناعي تحوّل إلى تغيير هيكلي في التخطيط للطاقة النووية، وليس موجة عابرة. هذه الجملة وحدها كافية لتفسير لماذا تغيّر حديث الطاقة عالميًا: لم يعد السؤال “كم نحتاج من الكهرباء؟” بل “من أين سنأتي بها، وبأي موثوقية، وبأي تكلفة تشغيلية على مدى 20-40 سنة؟”.
في السعودية، الموضوع لا يُقرأ كخبر عالمي بعيد. يُقرأ كإشارة استراتيجية ضمن سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”. لأن الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… وفي الوقت نفسه يساعدنا على إدارتها بكفاءة أعلى. المفارقة هنا مفيدة: من يفهمها مبكرًا، يربح في التخطيط الرأسمالي، وفي موثوقية الشبكة، وفي خفض مخاطر التعطّل، وحتى في بناء مراكز بيانات تنافس إقليميًا.
النص الأصلي يتحدث عن “اصطدام عنيف” بين عالمين: عالم الذكاء الاصطناعي سريع الإيقاع والتكرار، وعالم الفيزياء النووية البطيء والمكلف رأسماليًا. وأنا أتفق مع الفكرة، لكني أضيف: هذا الاصطدام ليس مشكلة بقدر ما هو اختبار حوكمة. من يملك نموذجًا واضحًا للتخطيط (والبيانات والامتثال والسلامة) سيحوّل الضغط إلى ميزة.
لماذا أصبح طلب كهرباء الذكاء الاصطناعي مسألة تخطيط نووي؟
الجواب المباشر: لأن الذكاء الاصطناعي، خصوصًا نماذج اللغة الكبيرة، نقل استهلاك الكهرباء من “عبء تشغيل إضافي” إلى بصمة مادية تظهر في الميزانيات وخطط التوسع. الاستعلام الواحد ليس هو المشكلة؛ المشكلة هي تكراره بمليارات المرات، وتشغيله على بنية تحتية تتطلب تبريدًا، وتوفرًا عاليًا، ومراكز بيانات تعمل 24/7.
في التخطيط للطاقة، هناك فرق بين طلبٍ يمكن تقليصه عند الذروة وبين طلبٍ لا يحتمل التذبذب. مراكز البيانات—وخاصة مراكز الذكاء الاصطناعي—تدفع السوق للبحث عن توليد أساسي (Baseload) مستقر. وهنا تصبح الطاقة النووية خيارًا يُطرح بقوة عالميًا لأنها:
- توفر طاقة ثابتة بعامل قدرة مرتفع
- تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري في أوقات الذروة
- تساعد على تثبيت الأسعار على المدى الطويل إذا أُديرت المشاريع بكفاءة
لكنها أيضًا بطيئة: دورات ترخيص طويلة، سلاسل إمداد متخصصة، ورأسمال كثيف. لذلك، عندما يقول المستثمرون إن التحول “هيكلي”، فمعناه أن النقاش انتقل من التكنولوجيا إلى الاستثمار: من يمول، ومن يضمن، ومن يدير المخاطر؟
أين تدخل السعودية تحديدًا؟
السعودية تتحرك ضمن رؤية توسع صناعي ورقمي، وتحسين موثوقية الطاقة، وبناء اقتصاد معرفي. إذا كانت مراكز البيانات محورًا للتنافس الإقليمي، فالأمر يحتاج “عقد طاقة” واضح: موثوقية، تسعير، واستدامة. الطاقة النووية، ضمن مزيج طاقة أوسع، تدخل كخيار استراتيجي لتأمين توليد مستقر يدعم التوسع الرقمي.
“دورة الوقود النووي” ليست تفصيلاً… هي قلب المخاطر والفرص
الجواب المباشر: التخطيط للطاقة النووية لا يتعلق بالمفاعل فقط؛ يتعلق بسلسلة كاملة اسمها دورة الوقود النووي—من تأمين الوقود، ونقله، وتخزينه، وتشغيله، وإدارة المخلفات، إلى الامتثال والحوكمة.
المقال الأصلي يلمّح إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي “يشق” دورة الوقود النووي. قراءتي: الضغط على الكهرباء يدفع الحكومات والشركات لتسريع قرارات كانت تُترك لسنوات، وهذا يرفع أهمية ثلاثة ملفات:
- القدرة على التنبؤ بالطلب: كل خطأ توقع يكلّف مليارات في مشاريع نووية.
- سلاسل الإمداد: أي اختناق في الوقود أو المكونات يخلق تأخيرات مكلفة.
- قبول المخاطر والامتثال: النووي لا يقبل “التجربة السريعة” كما يحدث في البرمجيات.
كيف يخدم الذكاء الاصطناعي التخطيط النووي بدل أن يضغطه فقط؟
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مستهلك كهرباء؛ هو أيضًا أداة لخفض المخاطر التشغيلية والرأسمالية في القطاعات كثيفة الأصول مثل النووي. ما أثبت فعاليته عمليًا في الصناعات الثقيلة (ومنها النفط والغاز) يمكن ترجمته للنووي عبر:
- نمذجة السيناريوهات: توقع الطلب الكهربائي لمراكز البيانات بحسب نمو الخدمات الرقمية، والتوسع الصناعي، والمواسم، وربط ذلك بخيارات التوليد.
- الصيانة التنبؤية: استخدام تعلم الآلة لمراقبة الاهتزازات/الحرارة/المؤشرات التشغيلية لتقليل التوقفات غير المخططة.
- تحسين إدارة الأصول: تحديد الأولويات الرأسمالية (Capex) بناءً على مخاطر الأعطال وتأثيرها على التوفر.
- تحليل الوثائق والامتثال: تسريع إعداد ملفات السلامة والامتثال عبر أنظمة لغوية مخصصة داخل بيئات مغلقة (مع حوكمة صارمة للبيانات).
جملة مفيدة لصنّاع القرار: إذا كان النووي بطيئًا بطبيعته، فالذكاء الاصطناعي دوره ليس “تسريع الفيزياء”، بل “تقليل زمن القرارات الخاطئة”.
من “النمذجة” إلى “الميغاواط”: كيف تُبنى استراتيجية سعودية واقعية؟
الجواب المباشر: الاستراتيجية الواقعية تبدأ باعتبار الطلب من الذكاء الاصطناعي “منتجًا جديدًا” له مواصفات مختلفة، ثم بناء مزيج طاقة يدعمه دون رفع المخاطر على الشبكة.
في ديسمبر 2025، كثير من خطط الطاقة في المنطقة تعيد ترتيب أولوياتها بسبب ثلاث قوى متزامنة: توسع مراكز البيانات، التحول الصناعي، والتزامات الاستدامة. السعودية تستطيع الربط بين هذه القوى عبر نهج من ثلاث طبقات:
1) طبقة الطلب: فهم “طلب الذكاء الاصطناعي” كطلب حرج
مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ليست كمصانع تقليدية يمكن إيقافها بسهولة. هي بيئات تحتاج توفرًا عاليًا. لذلك يلزم:
- تصنيف أحمال مراكز البيانات ضمن “الأحمال الحرجة”
- توقيع اتفاقيات خدمة واضحة تربط السعر بمستوى التوفر
- تصميم برامج استجابة للطلب حيث يمكن (مثل نقل أحمال غير حرجة لأوقات خارج الذروة)
2) طبقة العرض: مزيج طاقة يدعم التوسع ويقلل التذبذب
لا يوجد مصدر واحد يكفي وحده. الأفضل هو مزيج: غاز طبيعي عالي الكفاءة كمرونة، مصادر متجددة لتقليل الكلفة والانبعاثات، وخيار نووي لتوليد أساسي مستقر إذا تم اعتماده ضمن خطة طويلة.
ولأن الحديث هنا ضمن سلسلة النفط والغاز، فهذه نقطة موقف واضحة: الغاز في السعودية يمكن أن يكون “مُمكّنًا” للتحول وليس عائقًا إذا استُخدم لتثبيت الشبكة ودعم إدماج المتجددات—ومع الوقت يخف الضغط عن الوقود السائل في توليد الكهرباء.
3) طبقة الحوكمة: الذكاء الاصطناعي داخل منظومة السلامة والامتثال
أكبر خطأ ترتكبه الشركات هو إدخال أدوات ذكاء اصطناعي عامة في عمليات حساسة ثم الاستغراب عند ظهور مخاطر بيانات أو نتائج غير قابلة للتدقيق. في قطاع نووي (أو أي قطاع عالي الحساسية)، يلزم:
- منصة نماذج داخلية أو سحابة سيادية مع ضوابط صارمة
- سجلات تدقيق (Audit Trails) لكل توصية أو قرار مدعوم بالذكاء الاصطناعي
- فصل واضح بين “مساعد لغوي للوثائق” و“نظام تحكم تشغيلي”—لا خلط
ما الذي يجب أن يفعله قادة الطاقة في السعودية خلال 90 يومًا؟
الجواب المباشر: ابدأوا بقياس الطلب الحقيقي للذكاء الاصطناعي، ثم ابنوا نموذج قرار يربط التخطيط الكهربائي بالمخاطر الرأسمالية، وأطلقوا مشاريع تجريبية صغيرة ذات أثر واضح.
هذه خطوات عملية رأيتها تنجح في قطاعات كثيفة الأصول لأنها تخلق نتائج سريعة دون المجازفة بقرارات ضخمة مبكرًا:
-
خارطة أحمال مراكز البيانات
- تجميع بيانات الحمل الحالي والمتوقع (12-36 شهرًا)
- فصل الحمل الحرج عن غير الحرج
-
نموذج سيناريوهات للطلب
- 3 سيناريوهات: نمو منخفض/متوسط/مرتفع
- ربط السيناريوهات بتكاليف التوليد والتوسعة وخطر الانقطاعات
-
حزمة “ذكاء اصطناعي للموثوقية” داخل قطاع الطاقة
- صيانة تنبؤية لمحطات التوليد/المحطات الفرعية
- تحسين جدولة الصيانة وتقليل وقت الانقطاع
-
حوكمة بيانات لمشاريع الذكاء الاصطناعي
- تصنيف البيانات (عامة/داخلية/حرجة)
- سياسات واضحة لما يُسمح للنموذج برؤيته
-
فريق مشترك: طاقة + رقمنة + امتثال
- لأن كل مشروع يفشل عندما يعمل كل طرف وحده
سؤال يتكرر في الاجتماعات: هل النووي هو الحل لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة العملية: النووي قد يكون جزءًا من الحل إذا كانت الخطة طويلة الأمد، والتمويل واضحًا، والحوكمة قوية، وتم ربطه بمزيج طاقة يضمن المرونة. أما الاعتماد عليه وحده لتغطية نمو سريع خلال سنوات قليلة فغالبًا غير واقعي بسبب الجداول الزمنية.
أين يلتقي هذا كله مع النفط والغاز؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق الطاقة من جهتين—يرفع الطلب، وفي الوقت نفسه يرفع كفاءة الإنتاج والنقل والتكرير. وهذا يضع شركات النفط والغاز أمام فرصة مزدوجة.
من جهة، يمكن لشركات النفط والغاز في السعودية أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك الطاقة في العمليات (رفع كفاءة الضواغط، تحسين الحرق، تقليل الفواقد، تحسين إدارة الشبكات الداخلية). ومن جهة ثانية، يمكنها أن تكون شريكًا أساسيًا في “عقد الطاقة” الذي تحتاجه مراكز البيانات: غاز مرن، حلول تخزين، وربما شراكات في توليد مستقر طويل الأمد.
وأنا أميل لهذا الرأي: من يفصل بين التحول الرقمي والتحول الطاقي سيخسر الاثنين. مراكز البيانات ليست مشروع تقنية معلومات فقط؛ هي مشروع طاقة وسيادة وقدرة تنافسية.
ماذا يعني “سباق تسلح” الذكاء الاصطناعي للطاقة في 2026؟
الجواب المباشر: سنرى تنافسًا على ثلاثة أشياء—الميغاواط الموثوق، مواقع التوصيل للشبكة، والقدرة على التمويل طويل الأمد. هذا يضغط القرارات المتعلقة بالطاقة النووية وغيرها، ويعيد تسعير المخاطر.
إذا كانت 63% من عينة المستثمرين ترى التحول هيكليًا، فهذا يرسل رسالة لقادة الطاقة في السعودية: الطلب قادم قبل أن تكتمل كل اللوائح أو تُحسم كل النقاشات. والرد الذكي ليس القفز لمشاريع ضخمة دون بيانات، بل بناء “آلة تخطيط” تعتمد على نماذج وسيناريوهات، وتُدار بحوكمة قوية، وتُترجم بسرعة إلى قرارات توسعة قابلة للتنفيذ.
الخطوة التالية المنطقية ضمن هذه السلسلة: الانتقال من الحديث عن “كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي في التشغيل” إلى “كيف نستخدمه في التخطيط الرأسمالي والحوكمة”. لأن هذا هو المكان الذي تُكسب فيه الشركات سنوات كاملة—أو تخسرها.
هل نحن مستعدون للتعامل مع الذكاء الاصطناعي كعميل كهرباء ضخم… وكأداة إدارة طاقة في الوقت نفسه؟