تحسين العمليات بالذكاء الاصطناعي: درس من لوجستيات سعودية

كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعوديةBy 3L3C

قصة سعودية في اللوجستيات رفعت الإنتاجية 50% عبر أدوات ذكية. الدروس نفسها تُطبّق في النفط والغاز لتحسين الصيانة والجدولة وخفض التوقف.

الذكاء الاصطناعيالتحول الرقمياللوجستياتالنفط والغازإدارة العملياترؤية 2030
Share:

Featured image for تحسين العمليات بالذكاء الاصطناعي: درس من لوجستيات سعودية

تحسين العمليات بالذكاء الاصطناعي: درس من لوجستيات سعودية

قبل التحول الرقمي، كان سائقو شركة سعودية ناشئة في التوصيل ينجزون أقل من 10 طلبات يوميًا. بعد تفعيل أدوات رقمية أذكى، صار المتوسط 15+ طلبًا يوميًا—أي زيادة تفوق 50% في الإنتاجية. هذه ليست قصة “توصيل” فقط. هذا نموذج مصغّر لما يحدث (ويجب أن يحدث) في قطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية عندما نضع الذكاء الاصطناعي في المكان الصحيح.

في سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”، أحب أن أبدأ أحيانًا من خارج الصناعة الثقيلة. لأن اللوجستيات—بكل تعقيدها اليومي—تُشبه تشغيل الأصول في الطاقة أكثر مما نظن: بيانات متفرقة، قرارات لحظية، موارد بشرية ومعدات، ومسؤولية عالية تجاه السلامة والتكلفة.

قصة “خطوات مبدعة” (Khatawat Mubdiah) تقدّم درسًا عمليًا: الذكاء الاصطناعي لا يضيف قيمة لأنه متقدم تقنيًا، بل لأنه يربط الرؤية التشغيلية بتوزيع العمل وبالقياس والمحاسبة. والنتيجة تُقرأ بالأرقام.

ما الذي تغيّر فعليًا في “خطوات مبدعة”؟ (الإجابة: الرؤية + التوزيع + القياس)

التحسن لم يأتِ من “حماس” أو “زيادة عدد السائقين” فقط. ما تغيّر هو النظام الذي يدير اليوم التشغيلي.

وفق القصة المنشورة عن الشركة، كانت المشكلة الأساسية قبل التحول هي تشتت الرؤية التشغيلية وسوء توزيع الطلبات. هذا النوع من المشاكل يظهر عندما تكون البيانات موجودة لكن غير متصلة: الطلبات في مكان، حالة السائق في مكان آخر، وتتبع الأداء في ملفات أو أدوات منفصلة. النتيجة: وقت ضائع، قرارات متأخرة، وإحساس عام بأن الفريق “يعمل كثيرًا” لكن الإنتاجية لا ترتفع.

في 17/04/2025، دخلت الشركة في شراكة مع “كيتا” (Keeta) التابعة الدولية لـ Meituan، ونتج عنها ثلاث تغييرات عملية واضحة:

1) توزيع أذكى للطلبات

الفكرة بسيطة: تخصيص العمل لمن يستطيع إنجازه بأقل زمن وأقل تكلفة وفق معايير لحظية (موقع السائق، حمله الحالي، أوقات الذروة، مناطق الطلب). هذا هو جوهر أنظمة التوجيه والجدولة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

2) متابعة أداء منظمة وقابلة للمراجعة

حين تُصبح لديك لوحة مؤشرات يومية/أسبوعية، تستطيع أن تقول: من يتأخر؟ أين تتكرر الأخطاء؟ ما متوسط زمن التسليم؟ ما نسبة الإلغاءات؟ هذا يخلق بيئة تشغيلية أكثر عدالة—وهو ما أشارت إليه د. لينا خالد، المديرة العامة والشريكة المؤسسة، بتركيزها على دخل “عادل ومتسق” للسائقين.

3) رؤية تشغيلية كاملة + فواتير ذكية

الرؤية التشغيلية لا تعني “مشاهدة نقاط على خريطة” فقط، بل القدرة على ربط كل خطوة: طلب → إسناد → تنفيذ → تسليم → تقييم → فوترة. عندما تتصل السلسلة كاملة، يقل التلاعب، وتتحسن المساءلة، وتصبح إدارة الأسطول أقل فوضى.

جملة تلخص الدرس: إذا لم تكن ترى التشغيل لحظيًا وبشكل موحد، فلن تستطيع تحسينه—حتى لو وظفت أشخاصًا أكثر.

لماذا هذه القصة مهمة لقطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية؟

القطاع اللوجستي يتعامل مع “وحدات عمل” صغيرة وسريعة (طلبات). بينما النفط والغاز يتعاملان مع “وحدات عمل” أكبر (صيانة ضاغط، عطل مضخة، إدارة حقل، جدولة منصات، مراقبة انبعاثات). لكن المنطق واحد:

  • بيانات كثيرة تأتي من مصادر متعددة
  • قرارات تشغيلية يجب أن تُتخذ بسرعة
  • أي تأخير بسيط يضاعف التكلفة
  • السلامة والامتثال ليست خيارًا

إذا نجحت شركة توصيل محلية في رفع الإنتاجية بأكثر من 50% عبر إعادة تصميم التدفق التشغيلي، فمن الواقعي جدًا أن نرى مكاسب مشابهة (وأحيانًا أكبر) في الطاقة عبر الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في:

  • إدارة الأصول (Asset Management)
  • الصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance)
  • الجدولة وتحسين القوى العاملة (Workforce Optimization)
  • تحليلات السلامة والتشغيل (Operational & Safety Analytics)

الرسالة التي تهم صُنّاع القرار في الطاقة: لا تبدأوا بالموديلات. ابدأوا بتشخيص نقاط “انقطاع الرؤية” في التشغيل.

خريطة تشابه مباشرة: من “توزيع الطلبات” إلى “توزيع أعمال الصيانة”

الذكاء الاصطناعي في اللوجستيات غالبًا ينجح لأن المشكلة واضحة وقابلة للقياس: كم طلب؟ كم دقيقة؟ كم كيلومتر؟

والخبر الجيد أن الطاقة لديها مقاييس أقوى وأكثر دقة. ما تحتاجه هو ربطها بنفس الطريقة.

مثال 1: جدولة فرق الصيانة مثل جدولة السائقين

بدل أن تُوزّع البلاغات يدويًا أو عبر قواعد ثابتة، يمكن بناء نظام يُسند أوامر العمل بناءً على:

  • المسافة وزمن الوصول
  • مهارة الفني والشهادات المطلوبة
  • توافر قطع الغيار
  • مستوى المخاطر (HSE)
  • تأثير التوقف على الإنتاج

هذا يشبه تمامًا توزيع الطلبات على السائقين، لكن مع وزن أعلى للمخاطر والامتثال.

مثال 2: “الرؤية التشغيلية” في الطاقة = توحيد OT/IT

في اللوجستيات، الرؤية تأتي من دمج الطلبات والتتبع والفوترة. في النفط والغاز، الرؤية التشغيلية تعني دمج:

  • بيانات المستشعرات وSCADA
  • سجلات الصيانة CMMS
  • بيانات سلسلة الإمداد
  • تقارير السلامة
  • بيانات الطاقة والانبعاثات

عندما تبقى هذه الجزر منفصلة، تظهر نفس أعراض “أقل من 10 طلبات يوميًا”، ولكن بصيغة أخرى: وقت توقف أعلى، صيانة متأخرة، وتضخم في تكاليف التشغيل.

مثال 3: الفوترة الذكية ↔ الحوكمة والامتثال

الفوترة الذكية في نموذج التوصيل تُقلل النزاعات وتحسّن الشفافية. وفي الطاقة، الشفافية تظهر في:

  • تتبع تكاليف الصيانة على مستوى الأصل
  • احتساب تكلفة التوقف
  • تدقيق عقود المقاولين وفق أداء موثق
  • إثبات الامتثال لمعايير السلامة والبيئة

الذكاء الاصطناعي هنا ليس رفاهية تقنية؛ هو أداة حوكمة.

ما الذي يجب أن تتعلمه شركات الطاقة من تجربة “خطوات مبدعة”؟ (5 دروس قابلة للتطبيق)

الإجابة المختصرة: ركّز على “النظام” لا على “الأداة”. وهذه الدروس الخمسة تُترجم سريعًا لمبادرات الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز.

1) ابدأ بمؤشر واحد يوجعك

“خطوات مبدعة” كانت ترى مشكلة إنتاجية السائق بوضوح. في الطاقة اختر مؤشرًا واحدًا كبداية:

  • متوسط زمن إصلاح العطل MTTR
  • وقت التوقف غير المخطط
  • التزام خطط الصيانة الوقائية
  • كثافة الحوادث أو شبه الحوادث

المهم أن يكون المؤشر قابلًا للقياس قبل وبعد.

2) صمّم تدفق القرار قبل بناء النموذج

كثير من المشاريع تفشل لأن السؤال يكون: “أي نموذج نستخدم؟” بينما السؤال الصحيح: “من يقرر؟ متى؟ وبناء على أي بيانات؟”.

اكتب تدفقًا بسيطًا:

  1. حدث تشغيلي (إنذار/بلاغ)
  2. تجميع بيانات فوري
  3. توصية آلية (ترتيب أولويات/إسناد)
  4. اعتماد بشري واضح
  5. تنفيذ وتوثيق
  6. قياس وتغذية راجعة

3) اجعل “الرؤية” شرطًا قبل “الأتمتة”

الشركة حققت قفزة لأنها حصلت على رؤية تشغيلية كاملة. في الطاقة، لا معنى للأتمتة إذا كانت البيانات ناقصة أو متضاربة.

عمليًا، استثمر أولًا في:

  • توحيد تعريفات البيانات (قاموس بيانات)
  • جودة البيانات (تنظيف، إزالة تكرار)
  • ربط الأنظمة الأساسية

4) اربط الحوافز بالنتائج لا بالانطباعات

عندما يصبح الأداء مرئيًا، يمكنك تحسين العدالة. هذا ينطبق على:

  • الفنيين
  • المقاولين
  • الموردين
  • فرق التشغيل

القاعدة التي أفضلها: لا حوافز بدون قياس موثوق.

5) توسّع تدريجيًا… لكن بسرعة محسوبة

“خطوات مبدعة” دمجت 50+ سائقًا ضمن النموذج الجديد وتخطط لتوظيف 100+ إضافيين. هذه إشارة إلى أن النظام قابل للتوسع.

في الطاقة، جرّب “موقعًا واحدًا/وحدة واحدة” لمدة 8–12 أسبوعًا، ثم وسّع إذا تحققت النتائج. التوسع السريع قبل إثبات القيمة يخلق مقاومة داخلية.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون: أجوبة مباشرة

هل نحتاج ذكاءً اصطناعيًا متقدمًا أم يكفي التحول الرقمي؟

تحتاج الاثنين، لكن بالترتيب الصحيح. التحول الرقمي يربط البيانات ويخلق الرؤية. بعدها يأتي الذكاء الاصطناعي ليحسّن القرار ويزيد الإنتاجية. القفز مباشرة إلى النماذج دون ربط الأنظمة غالبًا يسبب خيبة.

ما أقرب تطبيقات الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز لسيناريو “التوصيل”؟

الأقرب هو تحسين الجدولة والإسناد: أوامر العمل، فرق التفتيش، دوريات السلامة، وجدولة المعدات المتنقلة. نفس المنطق: موارد محدودة + قرارات لحظية.

أين يقع أكبر خطر؟

أكبر خطر ليس تقنيًا. إنه تغيّر طريقة العمل: من قرارات شخصية إلى قرارات مدعومة ببيانات. العلاج: إدارة تغيير واضحة، وتدريب، وحوكمة بيانات.

خطوة عملية إذا كنت تقود مبادرة ذكاء اصطناعي في الطاقة بالسعودية

إذا أردت نتيجة سريعة تشبه “من 10 إلى 15+”:

  1. اختر عملية تشغيلية متكررة (مثل إسناد أوامر العمل اليومية).
  2. احصر مصادر البيانات الثلاثة الأساسية التي تغذي القرار.
  3. ابنِ لوحة مؤشرات موحدة تُعرض يوميًا.
  4. طبّق توصيات إسناد/أولوية بسيطة أولًا (قواعد + تعلم تدريجي).
  5. قِس الأثر خلال 30 يومًا: وقت استجابة، التزام، تكلفة.

هذا الأسلوب لا يحتاج وعودًا كبيرة. يحتاج انضباطًا.

التحول الذي حدث في “خطوات مبدعة” يثبت أن الشركات السعودية قادرة على تحقيق نمو سريع عندما تتبنى أدوات رقمية مناسبة وتحوّلها إلى نظام تشغيل يومي. والسؤال الذي يهم سلسلة مقالاتنا هنا: إذا كانت اللوجستيات استطاعت رفع الإنتاجية بأكثر من 50% عبر رؤية وإسناد وقياس، فما الذي يمنع منشأة طاقة من تحقيق مكاسب مماثلة في التوقف، والسلامة، وتكاليف التشغيل؟

إذا كنت تفكر في مشروع ذكاء اصطناعي في النفط والغاز، ابدأ من نقطة واحدة: اجعل التشغيل مرئيًا بالكامل، ثم دع الذكاء الاصطناعي يحسّن القرار.