قيادة الذكاء الاصطناعي المتنوّعة: درس للطاقة السعودية

كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعوديةBy 3L3C

تكريم فَي-فَي لي يقدّم درسًا عمليًا لقطاع الطاقة السعودي: البيانات أساس النجاح، والقيادة المتنوّعة ترفع جودة قرارات الذكاء الاصطناعي.

ذكاء اصطناعيالطاقة في السعوديةالنفط والغازالتنوع والشمولحوكمة البياناترؤية الحاسوب
Share:

Featured image for قيادة الذكاء الاصطناعي المتنوّعة: درس للطاقة السعودية

قيادة الذكاء الاصطناعي المتنوّعة: درس للطاقة السعودية

في 05/11/2025، وقفت البروفيسورة فَي-فَي لي في لندن لتتسلّم مع ستة من روّاد تعلّم الآلة جائزة هندسية مرموقة من الملك تشارلز. تفصيل واحد جعل الخبر أعمق من كونه تكريمًا علميًا: كانت المرأة الوحيدة بين سبعة مُكرّمين. هي قالتها ببساطة: «أنا فخورة بأن أكون مختلفة». هذا ليس شعارًا لطيفًا—بل إشارة عملية إلى كيف تُبنى موجات الابتكار الكبيرة: بقيادة متنوعة، وبنقاش علمي هادئ، وبتركيز على البيانات.

هذا الدرس يهمّنا جدًا في سياق سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”. لأن التحول في الطاقة لا يحتاج نماذج ذكية فقط؛ يحتاج منظومة قيادة تعرف كيف تختار البيانات، وكيف تضع الحوكمة، وكيف تُشغّل الذكاء الاصطناعي في حقول النفط والمصافي وشبكات الكهرباء دون تضخيم أو تهويل.

الفكرة التي أراها حاسمة: الذكاء الاصطناعي في الطاقة ليس مشروع تقنية معلومات؛ هو مشروع تشغيل وربحية وسلامة—ومن يقوده يحدد نتيجته.

لماذا يهمّ تكريم فَي-فَي لي لشركات الطاقة السعودية؟

الجواب المباشر: لأنه يذكّرنا بأن القفزات التقنية الكبرى بدأت من “أساسيات” تبدو مملة—مثل بناء قواعد بيانات ضخمة قابلة للتعلّم—ثم تحولت لاحقًا إلى تطبيقات غيرت صناعات كاملة. فَي-فَي لي اشتهرت عالميًا بعملها على ImageNet، وهو مشروع قام على إنشاء مجموعات بيانات كبيرة للتعرّف على الصور، وكان من أسباب تسارع “رؤية الحاسوب” التي تعتمد عليها اليوم أنظمة التفتيش البصري، والطائرات المسيّرة، والروبوتات.

في الطاقة السعودية، النظير المباشر لـ ImageNet ليس مجموعة صور عامة، بل “ImageNet صناعي”: بيانات الحقول والمعدات والعمليات—صور حرارية، اهتزازات، ضغط، حرارة، صوت، تقارير سلامة، سجلات صيانة، وخرائط ثلاثية الأبعاد. من دون هذا الأساس، ستبقى مبادرات الذكاء الاصطناعي تجارب محدودة، تنجح في عرض تقديمي وتتعثر في التشغيل.

والزاوية الثانية—والأكثر حساسية—هي حديثها عن تقبّل لقب “عرّابة الذكاء الاصطناعي” حفاظًا على فرصة ظهور العالمات والمهندسات. في قطاع الطاقة والنفط والغاز، حيث فرق التشغيل تاريخيًا أكثر ذكورية، التنوّع ليس قضية علاقات عامة. هو ببساطة طريقة لتقليل “العمى التشغيلي”؛ لأن اختلاف الخلفيات يلتقط المخاطر قبل وقوعها، ويقترح حلولًا لا تظهر داخل دائرة تفكير واحدة.

من ImageNet إلى “بيانات التشغيل”: كيف نُحوّل الذكاء الاصطناعي إلى نتائج

الجواب المباشر: ابدأوا بالبيانات كمنتج، لا كمخلّف جانبي.

1) ابنوا “منتجات بيانات” لا ملفات متفرقة

في كثير من الشركات، تتكدس البيانات في أنظمة SCADA وDCS وERP وCMMS، ثم يأتي فريق الذكاء الاصطناعي ليبحث عن “شيء يصلح”. هذا يعكس الاتجاه الصحيح. الأفضل هو تصميم منتجات بيانات لها مالك ومسار جودة واضح.

أمثلة لمنتجات بيانات مفيدة في الطاقة السعودية:

  • سجل حالات الأعطال موحّد المصطلحات (Failure taxonomy) مع ربطه بأوامر العمل وقطع الغيار.
  • مكتبة صور تفتيش للطلمبات والصمامات والعوازل (صور عادية + حرارية) مع تصنيف العيوب.
  • بيانات اهتزاز وتيار للمحركات والضواغط مع توصيف ظروف التشغيل (Load/Speed/Start-stop).

قاعدة عملية: إذا لم تستطع شرح “منتج البيانات” في سطر واحد وقياس جودته بأرقام، فلن يصمد نموذج الذكاء الاصطناعي.

2) الجودة أهم من الكمية… لكن “التمثيل” أهم من الاثنين

ImageNet كان مهمًا لأنه كبير ومصنّف بشكل يسمح بالتعلّم العام. في التشغيل الصناعي، الخطر ليس فقط بيانات قليلة، بل بيانات “متحيزة” لظروف تشغيل معينة. النموذج الذي يتدرّب على مصنع واحد أو حقل واحد قد يفشل عندما تتغير:

  • نوع الخام
  • المناخ (رطوبة/غبار/حرارة)
  • عمر المعدات
  • سلوك التشغيل (نوبات/إيقافات)

هنا تظهر قيمة فرق متنوعة: مهندسة سلامة ترى “سيناريو” لا يظهر في بيانات الأداء، ومهندس أجهزة يفسّر ضوضاء الحساس، وخبيرة بيانات تسأل عن التحيّز في العيّنة.

3) اربطوا النموذج بقرار تشغيلي واضح

أكثر المشاريع نجاحًا هي التي تبدأ من قرار واحد محدد:

  • هل نوقف الضاغط الآن أم نؤجل؟
  • هل هذا التسريب خطر أم حالة مراقبة؟
  • هل نرسل فريق التفتيش إلى هذا الجزء من الخط أم ذاك؟

إذا لم يكن هناك قرار، ستتحول التنبؤات إلى لوحة جميلة بلا أثر.

“الذكاء الاصطناعي يتفاعل مع العالم”: ماذا يعني ذلك للطاقة والنفط والغاز؟

الجواب المباشر: المرحلة القادمة هي انتقال الذكاء الاصطناعي من التحليل إلى التفاعل—أي أن يفهم البيئة الصناعية ويتعلم منها ويؤثر فيها تحت ضوابط صارمة.

فَي-فَي لي ترى أن الإنجاز التالي سيأتي عندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على التفاعل مع العالم حوله. في الطاقة، هذا يتجسد في ثلاثة مسارات عملية:

1) الروبوتات والتفتيش الذاتي في المواقع عالية الخطورة

الطائرات المسيّرة والروبوتات الأرضية لم تعد “ترفًا”. قيمتها الفعلية تظهر عندما:

  • تلتقط صورًا/حرارة/غازات
  • تميّز العيوب (تآكل، صدأ، تشققات)
  • تقترح إجراءً (إصلاح فوري/مراقبة/عزل)
  • وتكتب تقريرًا تلقائيًا يُراجع من المهندس

هنا يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع السلامة: تقليل التعرض البشري للمناطق الخطرة، مع زيادة وتيرة التفتيش.

2) التوأم الرقمي + التعلّم المعزّز لتحسين التشغيل

في المصافي ومحطات التوليد، يمكن للتوأم الرقمي أن يحاكي سلوك الوحدة. ومع التعلّم المعزّز (Reinforcement Learning) يمكن اقتراح إعدادات تشغيل تحقق هدفًا محددًا: خفض استهلاك الوقود، تقليل الانبعاثات، أو تثبيت الجودة.

لكن الشرط هنا واضح: نطاق التحكم يجب أن يكون مُقيّدًا، مع طبقات مصادقة ومراقبة، ولا يُسمح للنظام بالتصرف في حالات الشذوذ إلا وفق قواعد.

3) أنظمة مساعدة للعاملين (Copilots) في الصيانة والعمليات

بدل أن يبحث الفني في أدلة طويلة، يمكن لمساعد ذكي أن:

  • يلخّص إجراءات العزل والسلامة
  • يقترح خطوات تشخيص
  • يطابق أعراض العطل مع سجل أعطال سابق
  • ويكتب مسودة أمر عمل

هذا النوع من الذكاء الاصطناعي يحقق عائدًا سريعًا لأنه يختصر الزمن ويقلل أخطاء التوثيق.

خلاف العلماء حول مخاطر الذكاء الاصطناعي: لماذا يفيدنا “النهج البراغماتي”؟

الجواب المباشر: لأن الطاقة تحتاج حوكمة عملية تحمي التشغيل دون شلل.

الخبر أشار إلى اختلافات معروفة بين روّاد المجال: بعضهم يحذّر بلهجة كارثية، وآخرون يرون التهويل مبالغًا فيه. موقف فَي-فَي لي كان أقرب إلى تهدئة الضجيج: نقاش صحي، لكن التواصل مع الجمهور ينبغي أن يكون “معتدلًا ومبنيًا على العلم”.

في السعودية، هذا النهج يخدم شركات النفط والغاز والطاقة لأسباب مباشرة:

  • القطاع منظم وحساس للسلامة والامتثال.
  • أي خطأ في الأتمتة قد يخلق حادثًا، توقف إنتاج، أو أثرًا بيئيًا.
  • وفي المقابل، تعطيل كل مبادرة خوفًا من المخاطر يعني خسارة كفاءة وربحية.

ما الذي أفضّله عمليًا كحوكمة (مختصر ومفيد):

  1. تصنيف حالات الاستخدام حسب المخاطر (سلامة/بيئة/جودة/تكلفة).
  2. بشر في الحلقة للقرارات الحرجة، خصوصًا ما يؤثر على الإغلاق والتشغيل.
  3. تتبع كامل: من أين جاءت البيانات؟ من راجع المخرجات؟ ما الإجراء الذي تم؟
  4. اختبارات انحراف (Drift) شهرية/ربع سنوية، لأن معدات اليوم ليست معدات بعد سنة.

هذه ليست “بروتوكولات فخمة”. هي ما يحمي القيمة ويمنع الفشل.

التنوع في قيادة الذكاء الاصطناعي: كيف يترجم إلى عائد في الطاقة السعودية؟

الجواب المباشر: التنوع يقلل المخاطر ويرفع جودة القرار ويزيد تبنّي الحلول.

عندما تكون المرأة الوحيدة بين سبعة روّاد، فهذا يعكس فجوة تمثيل تاريخية. لكن تحويل الفكرة إلى سياسة داخل شركة طاقة يعني بناء فرق ذكاء اصطناعي تجمع:

  • مهندسي عمليات وصيانة
  • علماء بيانات ومهندسي تعلم آلة
  • مختصي سلامة وبيئة
  • وممثلي الميدان (المستخدم النهائي)
  • مع تمثيل حقيقي للنساء في الأدوار التقنية والقيادية

الأثر ليس نظريًا. هذه بعض النتائج التي تتكرر عندما تتنوع الفرق:

  • نماذج أكثر واقعية لأنها تُبنى على “حقيقة الميدان” لا على افتراضات المكتب.
  • متطلبات أوضح وتوثيق أفضل (يقل سوء الفهم بين التشغيل والتقنية).
  • رصد مبكر للمخاطر المتعلقة بالسلامة والامتثال.

إذا أردت جملة واحدة قابلة للاقتباس: التنوع لا يضيف أصواتًا فقط؛ يضيف سيناريوهات.

خطة 90 يومًا لقادة التحول في الطاقة

إذا كنت مسؤولًا عن الذكاء الاصطناعي في شركة طاقة سعودية، هذا ما يعمل عادةً خلال 90 يومًا:

  1. اختيار حالة استخدام واحدة ذات أثر واضح (مثل التنبؤ بأعطال مضخة حرجة أو التفتيش البصري للتآكل).
  2. تشكيل فريق صغير متعدد التخصصات (6–10 أشخاص) مع قائد من التشغيل وقائد من البيانات.
  3. بناء “منتج بيانات” واحد بجودة عالية بدل تجميع كل شيء.
  4. تعريف مقياسين قبل البدء:
    • مقياس تشغيلي (تقليل توقف/زمن إصلاح/حوادث)
    • مقياس تبنّي (كم مرة استُخدم النظام فعليًا؟)
  5. إطلاق نسخة تشغيلية محدودة (Pilot) مع آلية تغذية راجعة من الفنيين.

هذا المسار يقلل الفوضى ويرفع فرصة التحول من نموذج إلى قيمة.

أسئلة يطرحها التنفيذيون عادة (وإجابات مباشرة)

هل نحتاج فريق ذكاء اصطناعي كبير كي نبدأ؟

لا. تحتاج فريقًا صغيرًا قويًا مرتبطًا بالتشغيل، ثم تتوسع وفق نتائج محددة.

ما أسرع مجال يحقق عائدًا في النفط والغاز؟

الصيانة التنبؤية والتفتيش الذكي عادةً الأقرب للعائد لأنها تقيس التوقف والأعطال بوضوح.

كيف نتعامل مع بيانات حساسة وسيادية؟

ابدأ بسياسات تصنيف بيانات واضحة، وبيئات تشغيل داخلية، وحوكمة وصول دقيقة. الأهم: لا تسمح بانتقال البيانات بلا سبب تشغيلي.

الخطوة التالية: من التكريم إلى “تشغيل” الذكاء الاصطناعي في السعودية

تكريم فَي-فَي لي ورفاقها يذكّرنا بأن الموجات الكبرى تبدأ من أساسيات صلبة—وخاصة البيانات—ثم تكبر عندما تتوفر القيادة الصحيحة. وفي قطاع الطاقة السعودي، القيادة الصحيحة تعني: حوكمة عملية، فرق متنوعة، وربط كل نموذج بقرار تشغيلي.

إذا كانت المملكة تدفع بقوة نحو كفاءة أعلى وانبعاثات أقل وموثوقية أكبر، فالذكاء الاصطناعي جزء من المعادلة، لكن ليس وحده. الذي يحسم النتيجة هو “من يقود” و“كيف يقيس” و“على أي بيانات يبني”.

السؤال الذي يستحق التفكير قبل اجتماعك القادم: هل مبادرات الذكاء الاصطناعي عندكم تُدار كمنتج تشغيلي له مالك ومقاييس… أم كتجربة تقنية جميلة؟