الذكاء الاصطناعي من الحج إلى الطاقة: نموذج سعودي عملي

كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعوديةBy 3L3C

كيف تحوّلت مبادرات الذكاء الاصطناعي في خدمات الحج إلى نموذج يُلهم قطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية لتحسين الكفاءة وتجربة أصحاب المصلحة.

الذكاء الاصطناعيخدمات الحج والعمرةالتحول الرقميالنفط والغازتجربة المستفيدإدارة العمليات
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي من الحج إلى الطاقة: نموذج سعودي عملي

الذكاء الاصطناعي من الحج إلى الطاقة: نموذج سعودي عملي

في 21/11/2025، انتهى «معرض ومؤتمر خدمات الحج والعمرة 2025» في جدة سوبر دوم، ومعه ظهرت رسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي في السعودية لم يعد مشروعًا تجريبيًا. عندما تحصد جهات تشغيلية مثل «إشراقات مطوفي حجاج الدول العربية» وذراعها التنفيذي «رحلات ومنافع» خمس جوائز وتوقّع عشرات الاتفاقيات وتستقبل أكثر من 30,000 زائر—فهذا يعني أن التقنية صارت جزءًا من التشغيل اليومي، لا مجرد عرض على منصة.

وهنا تأتي الفكرة التي تهمّنا ضمن سلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية»: المنطق التشغيلي الذي نجح في منظومة الحج يمكن نسخه—مع تكييفه—داخل الطاقة والنفط والغاز. لأن التحدي واحد في جوهره: إدارة عمليات ضخمة، موسمية/مكثفة، متعددة الأطراف، وتحت سقف عالٍ من السلامة والامتثال وتجربة المستفيد.

ما سأقدّمه هنا ليس تلخيصًا للخبر، بل قراءة عملية: ماذا تعني جوائز «المنظومة الرقمية» و«الوعي المكاني» و«مبادرات الذكاء الاصطناعي»؟ وكيف تتحول الدروس إلى خطوات قابلة للتطبيق داخل شركات الطاقة السعودية التي تبحث عن تحسين الكفاءة، وتقليل الأعطال، ورفع جودة التواصل مع أصحاب المصلحة.

لماذا تُعد جوائز الحج مؤشرًا قويًا على نضج الذكاء الاصطناعي؟

السبب بسيط: منظومة الحج من أكثر البيئات تعقيدًا في العالم من ناحية التشغيل والخدمات واللوجستيات. إذا نجحت حلول الذكاء الاصطناعي هناك، فهي غالبًا مؤهلة للعمل في بيئات تشغيلية شديدة الحساسية مثل النفط والغاز.

في «حج إكسبو 2025»، حصلت «إشراقات» على جائزة «مبدعون» في الخدمات الأساسية عن مبادرة «تحدي ثون للتموين»، وتكريم كشريك نجاح استراتيجي. بينما فازت «رحلات ومنافع» بثلاث جوائز، منها:

  • جائزة “مبدعون” في منظومة الخدمات الرقمية عن مبادرات الذكاء الاصطناعي
  • المركز الأول في جائزة “تواصل” لمسار الوعي المكاني
  • المركز الثاني في مسار الوعي الرقمي

هذه التسميات ليست زينة. «منظومة الخدمات الرقمية» تعني أن الذكاء الاصطناعي دخل في مسارات مثل إدارة الطلب، والتوجيه، وخدمة العملاء، ومراقبة الجودة. و«الوعي المكاني» يعني التعامل مع المكان كبيانات حيّة—شيء شديد القرب من احتياجات الطاقة: من تتبع الأصول في الحقول إلى إدارة حركة الفرق في مواقع متعددة.

جملة تصلح كقاعدة عمل: أي ذكاء اصطناعي لا ينعكس على زمن الخدمة، ودقة القرار، وتكلفة التشغيل—يبقى مشروع عرض.

دراسة حالة: «رحلات ومنافع» كنموذج لـ “AI داخل منظومة خدمات”

الخلاصة: ما قامت به «رحلات ومنافع» يوضح كيف تُبنى حلول الذكاء الاصطناعي عندما يكون الهدف تشغيلًا على نطاق واسع، لا مجرد أتمتة مهمة واحدة.

1) الذكاء الاصطناعي كطبقة تشغيل لا كأداة منفصلة

عندما تربح شركة جائزة في «منظومة الخدمات الرقمية»، فهذا يوحي بأنها عملت على الربط بين:

  • بيانات الطلب (متى وأين يحتاج الناس الخدمة)
  • بيانات التشغيل (الموارد، الجداول، الموردون)
  • بيانات التجربة (الشكاوى، التقييمات، ملاحظات الميدان)

في الطاقة والنفط والغاز، الطبقة نفسها موجودة لكن بمفردات مختلفة:

  • الطلب = احتياجات الإنتاج، خطط الصيانة، التزامات التوريد
  • التشغيل = فرق الميدان، المعدات، المقاولون، سلاسل الإمداد
  • التجربة = رضا الجهات التنظيمية، سلامة العاملين، تجربة العملاء الصناعيين، وسُمعة المنشأة

2) “الوعي المكاني” كقيمة تشغيلية قابلة للقياس

الوعي المكاني ليس خرائط فقط؛ هو اتخاذ قرار أفضل لأنك تعرف أين يحدث الشيء الآن.

في الحج، هذا قد يعني توزيع الموارد البشرية أو توجيه المستفيدين. في النفط والغاز، يعني:

  • تحديد أقرب فريق استجابة لموقع إنذار سلامة
  • تحسين مسارات التفتيش لتقليل الزمن الضائع
  • ربط الحوادث بالأماكن لاكتشاف “النقاط الساخنة” في الموقع

3) الشراكات والاتفاقيات كجزء من استراتيجية البيانات

خبر المعرض ذكر أن «إشراقات» وقّعت اتفاقيات مع 13 مكتبًا لشؤون الحج وشركة سياحة، وأبرمت 60 اتفاقية تسويقية لخدمات مباشرة تخدم قرابة 150,000 حاج في موسم 1447هـ (2026). كما تم توقيع قرابة 50 مذكرة تفاهم مع جهات حكومية خدمية.

هذه الأرقام تهمّنا لأن الذكاء الاصطناعي لا يعيش بدون:

  • تدفق بيانات ثابت
  • معايير تبادل واضحة
  • مسؤوليات محددة بين الأطراف

والطاقة والنفط والغاز أكثر اعتمادًا على هذا المنطق بسبب تعدد المقاولين والموردين والجهات الرقابية.

ما الذي يمكن لقطاع الطاقة والنفط والغاز أن “ينسخه” عمليًا؟

الإجابة المباشرة: انسخ المنهج لا الحل. أي: ابدأ من تجربة تشغيلية شديدة الألم، اجمع البيانات المناسبة، ثم ابنِ نموذجًا يُقاس أثره، وبعدها وسّع تدريجيًا عبر الشركاء.

1) من إدارة الحشود إلى إدارة الأصول: نفس الفكرة، بيانات مختلفة

في الحج، الهدف إدارة كثافة بشرية وخدمات. في النفط والغاز، الهدف إدارة أصول ومخاطر.

تطبيقات ذكاء اصطناعي قابلة للتنفيذ خلال 90–180 يومًا (إذا كانت البيانات جاهزة):

  1. التنبؤ بالأعطال (Predictive Maintenance)
    • نماذج تتعلم من الاهتزازات والحرارة وتاريخ الصيانة
    • النتيجة: تقليل التوقفات غير المخطط لها ورفع توافر المعدات
  2. تحسين جدولة الفرق والمقاولين
    • نموذج يقترح توزيع الفرق حسب الموقع والأولوية والمهارات
    • النتيجة: وقت استجابة أقل وتكاليف إضافية أقل
  3. مساعد معرفي للسياسات والإجراءات
    • موظف السلامة أو المشغل يسأل ويأخذ إجابة مرتبطة بالإجراءات المعتمدة
    • النتيجة: تقليل أخطاء الامتثال وتوحيد الممارسات

2) تجربة المستفيد ليست “ترفًا” في الطاقة

كثير من شركات الطاقة تتعامل مع تجربة المستفيد كموضوع تسويق. هذا خطأ.

في الحج، تحسين التجربة يعني انسيابية الخدمة ووضوح التعليمات وتقليل الاحتكاك. في الطاقة، تحسين التجربة يعني:

  • تقارير أوضح لأصحاب المصلحة
  • تواصل أسرع أثناء الأعطال أو الحوادث
  • شفافية أعلى في مؤشرات السلامة والاستدامة

وهذا ينعكس على الثقة—والثقة رأس مال تشغيلي في قطاع حساس.

3) التدريب وتمكين العاملين: نقطة مشتركة بين الحج والطاقة

ضمن فعاليات جناح «إشراقات» أُطلقت مبادرة «تمكين العاملين لخدمة ضيوف الرحمن» بالشراكة مع وزارة الحج والعمرة، عبر مركز الترخيص والتدريب.

المبدأ هنا مهم: الذكاء الاصطناعي لا ينجح إذا بقي محصورًا في فريق التقنية.

في النفط والغاز، أفضل النتائج تظهر عندما تُدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في تدريب:

  • مشغلي غرف التحكم
  • فرق الصيانة الميدانية
  • فرق السلامة والاستجابة للطوارئ
  • مسؤولي سلاسل الإمداد

إطار تطبيقي من 5 خطوات (مناسب للطاقة والنفط والغاز)

هذه الخطوات هي ما رأيت أنه يكرر نفسه في التحولات الناجحة داخل المنظومات الكبيرة.

1) اختر حالة استخدام واحدة مرتبطة بمؤشر مالي أو سلامة

مثال: تقليل وقت توقف مضخة حرجة بنسبة 15% خلال 6 أشهر.

2) احسم “مالك البيانات” و“مالك القرار” من البداية

الذكاء الاصطناعي يتعطل عادة بين الإدارات. اجعل المسؤولية واضحة: من يزوّد البيانات؟ من يعتمد التوصية؟

3) ابنِ حلًا يقبل التشغيل تحت الضغط

الحلول التي تعمل في بيئة معرض لا تعني شيئًا إذا فشلت في بيئة ورديات وبلاغات طوارئ. اختبره في ظروف واقعية.

4) اربط النموذج بالمنظومة (ERP/CMMS/SCADA) بدل لوحة منفصلة

لو بقيت المخرجات في لوحة جميلة خارج سير العمل، لن يستخدمها الناس.

5) وسّع عبر الشركاء كما فعلت المنظومات الخدمية

توسيع الذكاء الاصطناعي في الطاقة يتطلب مواءمة مع المقاولين والموردين والجهات الرقابية—تمامًا كما توسعت شركات خدمات الحج عبر اتفاقيات متعددة.

أسئلة تتكرر عند تطبيق الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة

هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال الوظائف؟

في التشغيل الحقيقي، الذكاء الاصطناعي غالبًا يقلل الأعمال الروتينية ويرفع جودة القرار. أكبر مكسب رأيته عادة هو تقليل “العمل غير المرئي”: البحث عن معلومة، تنسيق مكالمة، تتبع موافقة.

ما أكبر خطأ شائع؟

بناء نموذج قبل ترتيب البيانات والحوكمة. النموذج الجيد فوق بيانات فوضوية يعطي قرارًا سيئًا بثقة عالية.

كيف نقيس النجاح بسرعة؟

اختر 3 مؤشرات فقط في البداية:

  • زمن الاستجابة
  • تكلفة العملية
  • نسبة الالتزام (سلامة/جودة/إجراءات)

ما الذي تعلّمته السعودية من منظومة الحج—وما الذي ينتظر الطاقة؟

المشهد الذي عكسه «حج إكسبو 2025» واضح: السعودية تدفع الذكاء الاصطناعي نحو التشغيل واسع النطاق عبر شراكات، تدريب، وقياس أثر. أرقام مثل 30,000 زائر، وأكثر من 200 موظف في جناح واحد، وقرابة 150,000 حاج ضمن اتفاقيات موسم 1447هـ (2026) ليست تفاصيل جانبية؛ هي دليل على أن الحلول تُصمم لسعة حقيقية.

وهذا بالضبط ما يحتاجه قطاع الطاقة والنفط والغاز: حلول تقبل التوسع، وتعمل مع منظومة شركاء، وتُقاس بنتائج تشغيلية لا بشعارات.

إذا كنت تعمل في شركة طاقة أو نفط وغاز داخل المملكة، جرّب هذا التمرين هذا الأسبوع: اكتب أكبر “عنق زجاجة” تشغيلي لديك في جملة واحدة، ثم اسأل: ما البيانات اللازمة لاتخاذ قرار أفضل خلال ساعة، لا خلال أسبوع؟ من هناك تبدأ رحلة ذكاء اصطناعي عملية، وليست نظرية.