خبر تكريم مبادرات الذكاء الاصطناعي في خدمات الحج يقدم دروسًا عملية لقطاع النفط والغاز السعودي: تشغيل، تواصل، وشراكات قابلة للقياس.

الذكاء الاصطناعي في الحج: دروس جاهزة لقطاع الطاقة السعودي
قبل أسابيع قليلة، خرجت من جدة رسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي في السعودية لم يعد تجربة جانبية. في ختام مؤتمر ومعرض خدمات الحج والعمرة (Hajj Expo 2025) الذي أُقيم في «سوبر دوم» جدة، حصدت شركة «أشرقت» وأذرعها التنفيذية عدة جوائز، بينها تكريم مباشر لمبادرات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة الخدمات الرقمية. الأرقام هنا ليست للتزيين: حديث عن 13 اتفاقية مع مكاتب شؤون الحج، و60 اتفاقية تسويقية لخدمات مباشرة ستخدم نحو 150,000 حاج في موسم حج 1447هـ (2026م)، وأكثر من 30,000 زائر لجناح واحد.
هذا الخبر قد يبدو بعيدًا عن عنوان سلسلتنا: كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية. لكني أراه مثالًا عمليًا على شيء يتكرر في كل القطاعات: حين تكون الخدمة ضخمة، متعددة الأطراف، وذات حساسية تشغيلية عالية—فالذكاء الاصطناعي يصبح أداة إدارة يومية، لا “مشروع ابتكار”.
المثير هنا أن الحج والعمرة يشبهان قطاع الطاقة في ثلاث نقاط: ضغط موسمي وذروة طلب، تشابك جهات كثيرة، وحاجة صارمة للسلامة والجودة والامتثال. من هذه الزاوية، جوائز «رحلات ومنافع» عن مبادراتها في الذكاء الاصطناعي ليست مجرد خبر؛ إنها دليل اتجاه يمكن لقادة التشغيل والرقمنة في النفط والغاز البناء عليه.
ماذا تقول لنا جوائز «أشرقت» عن نضج الذكاء الاصطناعي؟
الفكرة الأساسية: الجوائز تعكس تحولًا من “رقمنة واجهات” إلى تشغيل ذكي يربط الخدمة بالميدان وبالقياس وبالتحسين المستمر.
المحتوى الأصلي يذكر بوضوح أن الذراع التنفيذي «رحلات ومنافع» فاز بثلاث جوائز، منها جائزة «مبدعون» في فئة منظومة الخدمات الرقمية لمبادرات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى جوائز في مسارات مرتبطة بالوعي والتواصل والإدراك المكاني. هذا مهم لأن الذكاء الاصطناعي في الخدمات الكبرى لا يعيش وحده داخل نموذج لغوي؛ بل يحتاج:
- بيانات تشغيلية (تدفق الحشود، المواقع، الجداول، نقاط الخدمة)
- قنوات تواصل (إرشاد، تنبيهات، ردود، شكاوى)
- تغذية راجعة قابلة للقياس (زمن انتظار، جودة، رضا)
جملة قابلة للاقتباس: حين تفوز مبادرة ذكاء اصطناعي بجائزة في “المنظومة”، فهذا يعني أنها دخلت التشغيل، لا العرض التقديمي.
واللافت أيضًا هو الجمع بين الابتكار والخدمات الأساسية: «أشرقت» فازت عن مبادرة مرتبطة بالإعاشة (تحدي CateringThon)، بالتوازي مع ذكاء اصطناعي للخدمات الرقمية. هذا يوضح نمطًا صحيًا: الابتكار لا ينفصل عن “المطبخ” و“الجدولة” و“التوريد”.
كيف يرتبط هذا مباشرةً بقطاع الطاقة والنفط والغاز؟
الإجابة المباشرة: لأن التحدي في الطاقة ليس امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي، بل إدارته داخل منظومة معقدة تشبه منظومة الحج.
قطاع النفط والغاز في السعودية يواجه مزيجًا من العمليات الميدانية (سلامة، صيانة، تفتيش، أصول)، وسلاسل توريد، وتواصل مع أصحاب مصلحة (مقاولون، جهات تنظيمية، مجتمع محلي، فرق داخلية). ما حدث في Hajj Expo 2025 يرسل ثلاث إشارات عملية لقطاع الطاقة:
1) الذكاء الاصطناعي كطبقة تشغيل… وليس طبقة تسويق
حين تعلن جهة أنها ستخدم 150,000 مستفيد ضمن اتفاقيات تشغيلية، فهذا يعني أن الحلول الرقمية—ومنها الذكاء الاصطناعي—تتحمل مسؤولية فعلية.
في الطاقة، المقابل واضح:
- مساعد ذكي لفرق الصيانة يختصر البحث في أدلة المعدات ويقترح إجراءات سلامة.
- تنبؤ بالأعطال predictive maintenance بناءً على حساسات الاهتزاز والحرارة.
- أتمتة تقارير الامتثال والبيئة والصحة والسلامة دون إرهاق الفرق الميدانية.
2) التواصل ليس “ملحقًا”… بل مسار نجاح مستقل
فوز «تواصل» في مسارات الوعي/الإدراك المكاني يوحي بأن الخدمة لا تكتمل دون توجيه واضح وإرشاد وسياق. في النفط والغاز، التواصل مع أصحاب المصلحة غالبًا هو منطقة الألم: رسائل غير موحدة، ردود متأخرة، محتوى غير مناسب لمستويات مختلفة (مجلس إدارة، تنظيم، ميدان).
الذكاء الاصطناعي هنا يمكن أن يُستخدم بصرامة ووضوح في:
- تلخيص اجتماعات التشغيل وحصر القرارات والإجراءات.
- مركز معرفة موحّد يجيب الموظف والمقاول وفق صلاحيات.
- صياغة تواصل مع المجتمع المحلي بلغة بسيطة ومعتمدة مسبقًا.
3) الشراكات الكبيرة تعني أن البيانات أصبحت مشتركة
توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مع جهات حكومية وخدمية يعني أن البيانات والتكاملات أصبحت جزءًا من الصفقة. قطاع الطاقة أيضًا يتحرك نحو هذا النموذج: تكامل مع منصات المشتريات، المقاولين، نظم الـERP، وأنظمة المراقبة الصناعية.
ما الذي يمكن تعلمه عمليًا؟ 5 تطبيقات قابلة للنقل من الحج إلى الطاقة
النقطة الأساسية: لا تنقل “فكرة” الذكاء الاصطناعي؛ انقل نمط التنفيذ.
1) نمذجة رحلة المستفيد = نمذجة رحلة “الأصل” أو “الموقع”
في الحج، التركيز على “رحلة الحاج” يفرض ترتيب الأولويات. في الطاقة، جرّب بناء الذكاء الاصطناعي حول:
- رحلة الأصل: من التفتيش إلى أمر العمل إلى الصيانة إلى الإغلاق.
- رحلة البلاغ: من ملاحظة في الميدان إلى تصنيف إلى معالجة إلى منع تكرار.
2) منصة موحدة للخدمة… تقلّل الفوضى الرقمية
إطلاق منصات رقمية مثل منصة «إكرام» يشير إلى تفضيل “نافذة واحدة”. في الطاقة، نافذة واحدة تعني تقليل التبديل بين تطبيقات كثيرة، وتخفيض أخطاء الإدخال، وتحسين الامتثال.
3) التدريب والتمكين شرط للنجاح (وليس نشاطًا موسميًا)
أُطلقت مبادرة «تمكين العاملين لخدمة ضيوف الرحمن» بالشراكة مع الوزارة. الرسالة هنا صريحة: بدون تدريب، الذكاء الاصطناعي يصطدم بالواقع.
في النفط والغاز، أفضل ما رأيته فعليًا هو ربط أي مشروع ذكاء اصطناعي بخطة:
- تدريب مشرفين ميدانيين على قراءة المخرجات (وليس فقط “استخدام الأداة”).
- تحديث إجراءات العمل القياسية
SOPلتضمين الذكاء الاصطناعي.
4) ورش عمل كثيرة + اجتماعات كثيرة = حوكمة تنفيذ حقيقية
تنفيذ أكثر من 40 ورشة و200 اجتماع في القطاع يدل على أن التحول الرقمي يحتاج إيقاعًا تشغيليًا. في الطاقة، هذا يُترجم إلى:
- لجان شهرية للبيانات والجودة.
- مراجعات أسبوعية لمؤشرات الدقة/الاعتماد.
- مسار واضح لإدارة التغيير.
5) الابتكار في الخدمات الأساسية يحقق أكبر عائد
مبادرة الإعاشة (CateringThon) ليست “زينة”. هي إعادة تصميم لجزء حساس من الخدمة. في النفط والغاز، أكبر المكاسب عادة تأتي من:
- جدولة الصيانة والإغلاقات.
- تحسين استهلاك الطاقة في المرافق.
- تقليل زمن التوقف غير المخطط.
نموذج قرار سريع لقادة الطاقة: أين تبدأ بالذكاء الاصطناعي خلال 90 يومًا؟
الإجابة المباشرة: ابدأ بمشكلة تشغيلية واحدة، بياناتها متاحة، ونتيجتها قابلة للقياس.
إليك نموذجًا عمليًا (وأنا أفضله لأنه يقلّل الضجيج):
- اختر حالة استخدام واحدة مرتبطة بمؤشر واضح (مثل تقليل زمن إصدار تقرير السلامة من 3 أيام إلى يوم واحد).
- حدّد مالكًا تشغيليًا (ليس فقط مالكًا تقنيًا). شخص يتحمل نتيجة التشغيل.
- نظّف مصدر بيانات واحد بدل محاولة “بحيرة بيانات” كاملة.
- ابنِ مساعدًا/نموذجًا داخل السياق: قواعد، صلاحيات، مصطلحات الشركة.
- اختبر على نطاق محدود في موقع/وحدة واحدة، ثم وسّع.
جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي الذي لا يملك مؤشرًا ومالكًا تشغيليًا، يتحول بسرعة إلى عرض تجريبي.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب للقطاعات الحساسة مثل النفط والغاز؟
نعم، بشرطين: حوكمة صارمة للبيانات وتحديد واضح لما يُسمح للنموذج بفعله (اقتراح/تلخيص/تصنيف) مقابل ما لا يُسمح به (قرارات سلامة نهائية دون مراجعة).
هل نحتاج بيانات مثالية قبل البدء؟
لا. تحتاج بيانات “كافية” لحالة استخدام واحدة، مع خطة تحسين تدريجية. البدء الصغير مع قياس واضح أفضل من انتظار الكمال.
أين يظهر أثره أسرع؟
عادة في ثلاث مناطق: تلخيص وتوليد التقارير، مركز معرفة داخلي، وأتمتة التصنيف والتوجيه للبلاغات والطلبات.
الخلاصة: الحج يسبقنا هنا… وهذا خبر جيد لقطاع الطاقة
فوز مبادرات الذكاء الاصطناعي في منظومة خدمات بحجم الحج والعمرة يعني أن السعودية تتقدم في بناء نماذج تشغيل رقمية واقعية: شراكات، تدريب، منصات، وقياس. وهذا بالضبط ما يحتاجه قطاع الطاقة والنفط والغاز وهو يرفع سقف الكفاءة ويقلّل المخاطر ويُحسّن التواصل مع أصحاب المصلحة.
إذا كنت تعمل في الطاقة، جرّب أن تنظر لمشروع الذكاء الاصطناعي القادم بالطريقة نفسها التي تُدار بها خدمات الحج: رحلة كاملة، جهات متعددة، ومؤشرات أداء لا تتسامح مع الأعذار. السؤال الذي يستحق أن يُطرح الآن داخل كل شركة: ما هي “رحلة الأصل” أو “رحلة البلاغ” التي سنعيد تصميمها بالذكاء الاصطناعي قبل نهاية الربع القادم؟