تراجع إنتاج الغاز في نيوزيلندا كشف كيف يصنع الجفاف والطلب المرتفع أزمة. تعرّف كيف تستخدم السعودية الذكاء الاصطناعي للتنبؤ وتقليل المخاطر.

كيف تمنع السعودية مخاطر شح الغاز بالذكاء الاصطناعي؟
هبوط إنتاج الغاز في نيوزيلندا ليس خبراً بعيداً عن منطقتنا… بل إنّه “إنذار مبكر” لأي دولة تعتمد على توازن دقيق بين مصادر الطاقة. خلال 7 سنوات فقط، تراجع متوسط الإنتاج الشهري هناك من 415 مليون متر مكعب/شهر في 2017 إلى 215 مليون متر مكعب/شهر في 2025. هذا يعني أن السوق انتقل من الاكتفاء الذاتي إلى ضيق هيكلي: لا هامش مناورة يغطي تقلبات المواسم ولا سنوات الجفاف.
الأكثر كشفاً للمشهد كان شتاء 2024–2025 حين ضغط الجفاف على الطاقة الكهرومائية، فارتفع الاعتماد على التوليد الحراري في الوقت نفسه الذي كانت فيه إمدادات الغاز تتقلص. النتيجة المتوقعة؟ قفزات سعرية وتوتر تشغيلي عند نقطة التقاء عاملين خطيرين: طلب أعلى وعرض أضعف.
هذه القصة تهمنا في السعودية لسبب بسيط: المرونة الطاقية ليست شعاراً. في قطاع النفط والغاز والطاقة لدينا، أي اضطراب في التوازن ينعكس على التكاليف، والموثوقية، والالتزامات الصناعية، وحتى سمعة المنظومة. وهنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل عملي: ليس لإبهار العناوين، بل لتقليل المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمة.
ماذا تكشف لنا نيوزيلندا؟ المخاطر تبدأ عندما تختفي “الوسادة”
الخلاصة المباشرة من حالة نيوزيلندا: عندما ينخفض الإنتاج المحلي إلى مستوى لا يغطي قمم الطلب أو الطوارئ المناخية، تتحول المنظومة إلى وضعية “حافة السكين”. أي انقطاع صغير أو موجة برد أو تراجع أمطار قد يخلق سلسلة آثار: أسعار أعلى، ضغط على الشبكة، واستنزاف للخيارات البديلة.
هناك ثلاث إشارات تحذيرية واضحة يمكن لأي صانع قرار أو مدير أصول التقاطها من هذه القصة:
1) تراجع الإنتاج يُفقد السوق مرونته قبل أن يُفقده الكميات
هبوط الإنتاج من 415 إلى 215 مليون م³/شهر يعني فقدان جزء كبير من “المخزون الافتراضي” الذي كان يمتص تقلبات الطلب الموسمي. المشكلة ليست رقم الإنتاج فقط، بل اختفاء الهامش الذي يخفف الصدمات.
2) تزامن المخاطر هو ما يصنع الأزمة
الجفاف خفّض الطاقة الكهرومائية، فارتفع الاعتماد على محطات حرارية، ما يعني طلباً أكبر على الغاز. وفي نفس اللحظة كان العرض يشح. هذا التزامن هو أسوأ سيناريو تشغيلي: البديل ينهار فيرفع الضغط على المصدر الذي يتقلص.
3) سوق الطاقة ليس خطاً مستقيماً
الطلب على الكهرباء والغاز يتغير بسرعة مع الطقس، والصناعة، وأنماط الاستهلاك. الأنظمة التي تُدار بتقديرات عامة أو جداول ثابتة تتعرض لمفاجآت مكلفة.
جملة واحدة تصلح كقاعدة إدارة مخاطر: حين تفقد المنظومة هامشها، يصبح التنبؤ أهم من الإنتاج نفسه.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ لأنه يحوّل البيانات إلى “إنذار مبكر”
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يقلل مخاطر شح الغاز وتقلبات السوق عبر التوقع المبكر، والتحسين التشغيلي، وتقليل الأعطال، ورفع كفاءة التوازن بين العرض والطلب.
في سلسلة مقالاتنا حول كيف تُحوّل تقنيات الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية، هذه الحلقة تركّز على نقطة حساسة: كيف تتجنب المنظومات الوصول إلى ضيق هيكلي شبيه بما حدث في نيوزيلندا؟
1) التنبؤ بالطلب على الغاز والكهرباء بدقة أعلى
عند إدارة منظومة طاقة متداخلة (غاز لتوليد الكهرباء، كهرباء للصناعة، طقس يؤثر على الاستهلاك)، يصبح نموذج التنبؤ التقليدي غير كافٍ. نماذج التعلم الآلي ترفع الدقة لأنها تدمج إشارات متعددة مثل:
- درجات الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح (وتأثيرها على التبريد/التدفئة)
- أنماط استهلاك تاريخية على مستوى المناطق
- جداول الصيانة والتوقفات المخطط لها
- مؤشرات النشاط الصناعي وذروة التشغيل
الفكرة العملية: كل نقطة تحسن في دقة التنبؤ تقلل الحاجة لتشغيل وحدات احتياطية مكلفة، وتخفض فرص الانكشاف عند موجات الطلب المفاجئة.
2) التنبؤ بالإنتاج والانقطاعات في حقول الغاز ومعامل المعالجة
الذكاء الاصطناعي هنا لا “يتنبأ بالغيب”؛ بل يقرأ أنماطاً في بيانات الحساسات والصيانة، مثل الاهتزازات، ودرجات الحرارة، وضغوط التشغيل، ومعدلات التدفق. عندما يظهر نمط غير طبيعي، يمكن للنظام أن يعطي إنذاراً مبكراً قبل حدوث توقف كبير.
هذا يغيّر المعادلة من:
- صيانة بعد العطل (تكلفة عالية + توقف مفاجئ)
إلى:
- صيانة استباقية (توقف مخطط + أقل خسائر)
3) تحسين جدولة التشغيل في محطات التوليد والضغط والنقل
في لحظات الشح، قيمة الغاز ليست في إنتاجه فقط، بل في توجيهه: من يحتاجه الآن؟ أي محطة أكثر كفاءة؟ أين عنق الزجاجة في الشبكة؟
خوارزميات التحسين المدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع اقتراح سيناريوهات تشغيل يومية أو حتى نصف ساعية، تأخذ في الاعتبار:
- تكاليف الوقود
- قيود الشبكات وخطوط الأنابيب
- سعات التخزين المتاحة
- موثوقية المعدات واحتمالات الأعطال
النتيجة المتوقعة: نفس الكمية من الغاز تعطي موثوقية أعلى وتكلفة أقل.
لماذا السعودية في موقع أفضل؟ لأن التخطيط الاستباقي صار ميزة تنافسية
الجواب المباشر: السعودية تستطيع تحويل الدرس النيوزيلندي إلى ميزة لأنها تجمع بين حجم قطاع الطاقة والاستثمار في البيانات والأتمتة والحاجة الفعلية لرفع المرونة مع تنويع المزيج الطاقي.
في ديسمبر 2025، الحديث عن مرونة الطاقة لا ينفصل عن ثلاثة اتجاهات تضغط عالمياً:
- تقلبات الطقس (موجات حر/برد، سنوات جفاف تؤثر على مصادر معينة)
- ارتفاع حساسية الأسعار وتغيرات الطلب الصناعي
- تسارع الرقمنة: من لا يستخدم التحليلات المتقدمة سيُدفع للتعامل مع الأزمات بعد وقوعها
كيف يترجم ذلك عملياً داخل شركات النفط والغاز والطاقة؟
أكثر ما رأيته ينجح على أرض الواقع هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كبرنامج تشغيلي، لا كمشروع تجريبي محدود. وهذا يتطلب حزمة مترابطة:
- حوكمة بيانات واضحة: من يملك البيانات؟ من يعتمدها؟ ما تعريف “حقيقة واحدة” للأرقام؟
- نماذج تنبؤ قابلة للتدقيق: نتائج مفهومة لفِرق التشغيل وليست صندوقاً أسود
- تكامل مع أنظمة التحكم (SCADA/Historians/ERP): كي تتحول التوقعات إلى قرارات
عبارة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي لا يقلل المخاطر وحده؛ الذي يقللها هو القرار التشغيلي الذي يُبنى على تنبؤ موثوق.
خارطة تطبيق مختصرة: 5 استخدامات للذكاء الاصطناعي تمنع “ضيق الغاز”
الإجابة المباشرة: ركّز على حالات استخدام تُقاس بوضوح وتؤثر على المرونة الطاقية.
- تنبؤ الطلب القصير الأجل (Day-ahead/Week-ahead)
- يقلل تشغيل الاحتياط المكلف ويمنع المفاجآت
- التنبؤ بالتوقفات غير المخطط لها في الضواغط والتوربينات
- يرفع الجاهزية ويقلل خسائر الانقطاع
- تحسين توزيع الغاز بين القطاعات (كهرباء/صناعة/بتروكيماويات)
- يحقق أفضل عائد تشغيلي تحت قيود الإمداد
- كشف التسربات والشذوذ في شبكات النقل
- يحمي السلامة ويقلل الفاقد ويرفع موثوقية الإمداد
- نمذجة سيناريوهات الطقس والطاقة (جفاف، ذروة حرارة، تذبذب مصادر)
- يختبر المنظومة قبل الأزمة بدل اختبارها أثناء الأزمة
“أسئلة الناس أيضاً” داخل الاجتماعات (وأجوبتها المختصرة)
هل الذكاء الاصطناعي بديل عن التخزين أو تنويع المصادر؟ لا. هو مكمل يجعل التخزين والتنويع أكثر فاعلية لأنه يحسن التوقيت والتشغيل.
ما أسرع مكسب يمكن تحقيقه؟ عادةً: تنبؤ الطلب + الصيانة الاستباقية. لأن البيانات غالباً متوفرة، والأثر المالي واضح.
ما أكبر فشل شائع؟ بناء نموذج ممتاز ثم تركه دون تشغيل فعلي: بلا تكامل مع العمليات، يصبح تقريراً جميلاً لا أكثر.
الدرس الأهم: المرونة الطاقية تُبنى قبل الأزمة لا أثناءها
قصة نيوزيلندا تقول شيئاً واضحاً: عندما يتراجع الإنتاج ويتزامن ذلك مع صدمات مناخية، يصبح النظام مكلفاً وعصبياً. السعودية لا تحتاج لانتظار ضغط مماثل كي تتحرك؛ الأفضل تحويل الذكاء الاصطناعي إلى “طبقة حماية” دائمة: تتنبأ، وتكشف الشذوذ، وتُحسن القرارات اليومية.
ضمن سلسلة كيف تُحوّل تقنيات الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية، هذه الحلقة تدفع باتجاه عملي: ابدأ بالمشكلات التي تؤلم التشغيل فعلاً (الانقطاعات، التذبذب، الهدر)، ثم وسّع نطاق الذكاء الاصطناعي ليصبح جزءاً من إدارة الأصول وإدارة الطاقة.
إذا كنت تدير أصولاً غازية أو توليداً كهربائياً أو تخطيطاً للطاقة، فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح الآن: ما أول “إنذار مبكر” تتمنى لو كان لديك قبل 12 شهراً… وكيف يمكن للبيانات الحالية أن تصنعه خلال 90 يوماً؟