الدرعية تقدم نموذجًا عمليًا لكيف يُحسن الذكاء الاصطناعي إدارة الطاقة والمياه ويخفض الانبعاثات عبر منصة تشغيل موحّدة قابلة للتوسع.

كيف تصنع الدرعية مدينة ذكية تُحسّن الطاقة بالذكاء الاصطناعي
قبل سنوات، كانت “المدن الذكية” تُقدَّم كفكرة ترفيهية: شاشات أكثر، تطبيقات أكثر، ووعود كثيرة. الدرعية تُثبت شيئًا مختلفًا تمامًا: الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية ليسا زينة حضرية، بل طريقة عملية لخفض استهلاك الطاقة والمياه، ورفع كفاءة المباني، وتقليل الانبعاثات—من دون أن يبتلع التطوير روح المكان.
هذا مهم لقطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية تحديدًا. لأن نفس المنطق الذي يدير مدينة تراثية كمنظومة واحدة—قياس، تحليل، قرار، تنفيذ—هو المنطق الذي يُدار به حقل نفطي، مصفاة، أو شبكة كهرباء. وحين ترى الدرعية تعمل كـ«كائن حي» يعتمد على بيانات لحظية، تفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع إنتاجية الأصول ويُقلّل الهدر ويُحسن الاستدامة في كل ما يتصل بالطاقة.
الخبر الذي نبدأ منه اليوم (منشور بتاريخ 10/12/2025، 06:46 م) يتمحور حول شراكة الدرعية مع Schneider Electric وتطبيق منصة AVEVA Unified Operations Center (UOC) لإدارة الطاقة والمياه والإنارة والأمن والمرور والنفايات من لوحة تشغيل موحّدة. لكن القيمة الحقيقية ليست في اسم المنصة… بل في فلسفة التشغيل التي يمكن نقلها مباشرة إلى الطاقة والنفط والغاز.
الدرعية كنموذج: الذكاء الاصطناعي لا يُنافس التراث بل يحميه
الفكرة الأساسية: الحفاظ على التراث لا يتعارض مع التحول الرقمي إذا كان الهدف هو تقليل أثر التشغيل على المكان.
داخل حي الطريف (موقع تراث عالمي منذ 2010)، المشروع لا يقتصر على ترميم مبانٍ تاريخية. هو يبني “مدينة” قادرة على إدارة مواردها بدقة—وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كطبقة عقلية: يقرأ البيانات، يلتقط الانحرافات، يقترح قرارات تشغيل، وأحيانًا ينفذها تلقائيًا عبر الأتمتة.
في مشاريع تراثية، الخطأ التشغيلي مكلف: ارتفاع حرارة غير محسوب، ضغط مياه غير طبيعي، أو عطل في إنارة مسارات الزوار. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر التحكم الاستباقي بدل ردّ الفعل.
عبارة تصلح كقاعدة عمل: “الاستدامة في المدن ليست شعارًا… هي هندسة تشغيل يومية مدفوعة بالبيانات.”
ماذا يعني “مركز عمليات موحّد” في لغة الطاقة؟
الجواب المباشر: يعني أن كل نظام كان يعمل كجزيرة مستقلة أصبح جزءًا من منظومة واحدة تُدار من شاشة واحدة، بقرارات أسرع وتكلفة أقل.
منصة AVEVA UOC—كما ورد في محتوى الخبر—تجمع إدارة:
- الطاقة
- المياه
- الإنارة
- الأمن
- المرور
- النفايات
على لوحة تشغيل موحّدة، مع مراقبة وتحليل بيانات لحظية. النتائج الرقمية المعلنة لافتة لأنها تعكس ما يحدث عندما تنتقل من التشغيل التقليدي إلى التشغيل القائم على البيانات:
- خفض استهلاك الطاقة بنسبة 10–20%
- خفض فاقد المياه حتى 25%
- خفض ملوثات الهواء 20% خلال السنة الأولى
- تحسين كفاءة المباني 30% مقارنة بخطوط الأساس في الصناعة
إذا كنت تعمل في النفط والغاز، ستلاحظ التشابه الفوري:
- بدل “إنارة ومسارات”—ستضع “مضخات وضواغط وصمامات”.
- بدل “فاقد المياه”—ستضع “فاقد الطاقة، الغاز المحروق، التسربات، أو توقفات غير مخطط لها”.
- بدل “مركز عمليات مدينة”—ستضع “مركز عمليات منشأة، أو مركز تحكم في شبكة”.
دمج IT وOT: الجزء الذي تغيّر بسببه قواعد اللعبة التشغيلية
الجواب المباشر: دمج أنظمة تقنية المعلومات (IT) مع أنظمة التشغيل الصناعية (OT) يقلل التعقيد ويُسرّع الاستجابة ويُحسن السلامة.
المحتوى يشير إلى دمج أنظمة مثل SCADA وBMS وCCTV في منظومة واحدة. عمليًا، هذا يزيل “الفجوات” التي كثيرًا ما تُسبب حوادث تشغيلية: قسم يرى بيانات، وقسم آخر يرى جزءًا منها، وثالث لا يرى شيئًا.
الأثر الرقمي المذكور:
- تقليل التعقيد التشغيلي 40%
- قابلية توسع للبنية الذكية حتى 50% دون إعادة تصميم جذري
- تقليل مخاطر الأمن السيبراني 30%
- خفض تكاليف عبر حلول سحابية/هجينة 20–25%
- تحسين جاهزية الدعم المحلي 20% وتسريع الصيانة والاستجابة
وهذه أرقام يتمنى أي مدير عمليات في مصفاة أو محطة معالجة أن يراها—خصوصًا في بيئات تتطلب زمن استجابة قصير وحساسية عالية للسلامة.
أين يظهر الذكاء الاصطناعي فعليًا؟ 5 استخدامات تشغيلية قابلة للقياس
الخلاصة أولًا: الذكاء الاصطناعي في المدن الذكية لا يعني “روبوتات في الشوارع”. يعني نماذج تتنبأ وتكتشف وتُحسّن—ثم تُغذي قرارات التشغيل.
في الدرعية، الحديث عن “مدينة تتحدث لغة الذكاء الاصطناعي” يعكس وجود طبقة تحليل متقدمة فوق البيانات. فيما يلي خمس تطبيقات عملية—بصياغة تشغيلية—يمكن أن تستفيد منها المدن وقطاع الطاقة معًا:
-
الصيانة التنبؤية للأصول (Predictive Maintenance)
- اكتشاف أنماط الاهتزاز/الحرارة/الأحمال غير الطبيعية قبل أن تتحول لعطل.
- في الطاقة: ضواغط، توربينات، مضخات، محولات كهربائية.
-
تحسين الأحمال واستهلاك الطاقة (Energy Optimization)
- ضبط أوقات التشغيل، وتوزيع الأحمال، وإدارة الذروة.
- في المدن: إنارة، تبريد، مضخات مياه. في النفط والغاز: وحدات فصل وضغط ومعالجة.
-
كشف التسربات والفاقد (Loss Detection)
- ربط حساسات الضغط والتدفق بعناصر السياق لتحديد فاقد غير طبيعي.
- النتيجة المتوقعة تشبه ما تحقق: حتى 25% خفض في فاقد المياه—ومثله يمكن تطبيقه على فاقد الطاقة أو التسربات.
-
إدارة الاستجابة للطوارئ (Incident Response)
- دمج الأمن والكاميرات والإنذار مع بيانات الحركة والازدحام.
- في المنشآت: ربط الإنذار مع الخرائط التشغيلية ونقاط العزل وخطط الإخلاء.
-
التوأم الرقمي (Digital Twin) كطبقة قرار
- محاكاة سيناريوهات: ماذا يحدث لو زاد عدد الزوار؟ لو ارتفع الحمل؟ لو تعطلت مضخة؟
- هذه الأداة تحديدًا هي جسر مباشر من “مدينة ذكية” إلى “حقل/مصفاة ذكية”.
لماذا هذه القصة مهمة لقطاع النفط والغاز السعودي؟ لأنها نفس معادلة الكربون
الإجابة الواضحة: لأن خفض الانبعاثات لا يتحقق فقط عبر مشاريع ضخمة، بل عبر “تحسينات تشغيلية” متراكمة يقودها الذكاء الاصطناعي.
المملكة تستهدف الحياد الكربوني بحلول 2060، والمحتوى يربط بوضوح بين حلول التشغيل الذكي وبين هذا الهدف. في واقع التشغيل اليومي، أكبر مكسب سريع عادة يأتي من:
- تقليل الهدر (طاقة، مياه، حرارة مهدرة)
- رفع كفاءة المباني والأنظمة
- تقليل التوقفات غير المخطط لها
- إدارة الأحمال بشكل أفضل
الأرقام المذكورة في الدرعية (10–20% طاقة، 20% ملوثات هواء، 30% كفاءة مبانٍ) تعطي “سقفًا واقعيًا” لما يمكن تحقيقه عندما تكون البيانات موحّدة والقرارات سريعة.
وهنا موقفي واضح: أغلب المؤسسات تخسر لأن بياناتها متفرقة أكثر مما تخسر بسبب نقص المعدات. شراء أجهزة جديدة أسهل من إصلاح طريقة اتخاذ القرار. الدرعية اختارت الطريق الأصعب… والأكثر فائدة.
نموذج الشراكة: التقنية العالمية + فهم محلي = نتائج أسرع
الجواب المباشر: التحول الرقمي الناجح في السعودية يعتمد على شراكات تُترجم التقنية إلى واقع تشغيلي محلي.
التصريحات الواردة من قيادات المشروع تُبرز نقطتين:
- Schneider Electric تعمل كشريك طويل الأمد في التحول، وليست موردًا مؤقتًا.
- شركة الدرعية تعاملت مع المشروع كمنظومة تشغيل متكاملة تربط كل الأنظمة.
هذا بالضبط ما تحتاجه مبادرات الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز: فريق تقني قوي، لكن أيضًا فريق تشغيل يفهم القيود الميدانية (السلامة، الاعتمادية، اللوائح، ومتطلبات التوفر العالي).
خطوات عملية لأي جهة تريد تكرار الفكرة (مدينة أو منشأة طاقة)
الخلاصة: ابدأ بالبيانات الحرجة والسيناريوهات التي تؤلمك ماليًا وتشغيليًا، ثم ابنِ منصة موحّدة قابلة للتوسع.
إذا كنت مسؤولًا عن مبادرة ذكاء اصطناعي في الطاقة أو مدينة/مشروع بنية تحتية، هذه خطة عمل مختصرة—وأقرب ما تكون إلى ما تعكسه تجربة الدرعية:
-
حدّد 3 مؤشرات تشغيل تقيسها أسبوعيًا
- مثل: استهلاك الطاقة لكل مرفق/وحدة، فاقد المياه/الطاقة، زمن الاستجابة للأعطال.
-
وحّد مصادر البيانات قبل بناء النماذج
- اجمع
SCADAوBMSوالعدادات الذكية وكاميرات/إنذارات حيث يلزم، في بحيرة بيانات أو منصة موحّدة.
- اجمع
-
ابدأ بحالة استخدام واحدة ذات عائد واضح
- مثال: تحسين الأحمال (10–20%) أو كشف الفاقد (حتى 25%).
-
ابنِ “لوحة قرار” قبل “لوحة عرض”
- لوحة المؤشرات لا تكفي. المطلوب تنبيهات قابلة للتنفيذ، وتوصيات، وربط مع إجراءات تشغيل قياسية.
-
ضع الأمن السيبراني ضمن التصميم لا كإضافة لاحقة
- لأن دمج IT/OT يرفع القيمة… ويرفع سطح المخاطر إن لم تُدار.
أسئلة تتكرر عند تنفيذ مدن ذكية/منشآت ذكية (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن فرق التشغيل؟
لا. يعني أن الفريق يركّز على القرارات المعقدة بدل مطاردة الأعطال. الأتمتة تقلل الأعمال الروتينية، لكنها ترفع الحاجة لمهارات أعلى.
هل المنصات الموحّدة تُقيّد التوسع؟
العكس إذا بُنيت بشكل صحيح. المثال هنا يذكر قابلية توسع حتى 50% دون إعادة تصميم—وهذه نقطة مهمة لأي مشروع يتوسع على مراحل.
ماذا عن الخصوصية والامتثال؟
الحل الواقعي هو حوكمة بيانات واضحة: تصنيف البيانات، سياسات وصول، وسجلات تدقيق، مع تصميم هجين (محلي/سحابي) حسب حساسية البيانات.
أين يلتقي هذا مع سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة”؟
قصة الدرعية ليست بعيدة عن النفط والغاز. هي نسخة حضرية من نفس المعادلة: مراكز عمليات موحّدة + دمج IT/OT + تحليل لحظي = كفاءة أعلى وانبعاثات أقل.
وفي 12/2025، ومع تسارع مشاريع الرؤية في المدن والصناعة، صار واضحًا أن السؤال ليس “هل نطبق الذكاء الاصطناعي؟” بل: أين نضعه أولًا ليعطي أثرًا ملموسًا خلال 90 يومًا؟
إذا كنت تقود مبادرة في شركة طاقة، أو تعمل على مشروع بنية تحتية، ابدأ من نقطة واحدة: اجعل البيانات تُحكى قصة واحدة بدل خمس قصص متناقضة. بعدها، الذكاء الاصطناعي سيؤدي عمله.
ما حالة الاستخدام التي تعتقد أنها ستعطيكم أسرع عائد: تحسين استهلاك الطاقة، تقليل الفاقد، أم الصيانة التنبؤية؟