دراسة حالة من الدرعية توضّح كيف يقلل الذكاء الاصطناعي استهلاك الطاقة 10–20% ويخفض فاقد المياه 25%. تعرّف كيف تُطبق الدروس في النفط والغاز.

كيف يسرّع الذكاء الاصطناعي استدامة الطاقة في مشاريع السعودية
رقم واحد كفيل يوضح الفكرة: في مشروع الدرعية، أدّت منصة تشغيل موحّدة تراقب البيانات لحظيًا إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة 10–20% وتقليل فاقد المياه حتى 25% خلال عام واحد، مع تحسّن كفاءة المباني 30% مقارنة بمتوسطات القطاع. هذه ليست «قصة تقنية» فقط؛ إنها نموذج عملي لما يحدث عندما تصبح البيانات جزءًا من تشغيل البنية التحتية، لا مجرد تقارير تُقرأ آخر الأسبوع.
وهنا الرابط المباشر مع سلسلة مقالاتنا: «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية». كثيرون يربطون الذكاء الاصطناعي بحقول النفط أو المصافي فقط. الواقع أن التحوّل يبدأ من مكان أبسط: مركز عمليات يفهم ما يحدث في المدينة/المرفق/المحطة الآن، ويتخذ قرارات تشغيلية أسرع وأدق.
مشروع الدرعية (ضمن نطاق الطريف المُسجّل في اليونسكو منذ 2010) بالتعاون مع شنايدر إلكتريك يقدّم درسًا مهمًا لقيادات الطاقة والنفط والغاز: الاستدامة لا تُدار بالشعارات؛ تُدار بلوحات تحكم، وبيانات لحظية، وربط قوي بين أنظمة التشغيل والأنظمة الرقمية.
الدرعية كدراسة حالة: الذكاء الاصطناعي ليس «واجهة» بل غرفة تحكّم
الفكرة الأساسية هنا واضحة: عندما تتوحّد أنظمة المدينة (طاقة، مياه، إنارة، أمن، حركة مرور، نفايات) في مركز عمليات واحد، يصبح بالإمكان تحسين التشغيل يومًا بيوم، لا عبر مبادرات متفرقة.
في الدرعية، تم الاعتماد على مركز عمليات موحّد (Unified Operations Center) يدمج إدارة الأصول والبنية التحتية في شاشة واحدة. هذا النوع من المنصات لا يعمل كبرنامج مراقبة فقط، بل كـ طبقة ذكاء تشغيلي تجمع البيانات وتربطها بالسياق وتسمح باتخاذ قرار سريع.
الأرقام المنشورة عن نتائج السنة الأولى تُظهر «كيف» يتحول الكلام إلى أثر:
- خفض استهلاك الطاقة: 10–20%
- تقليل فاقد المياه: حتى 25%
- تقليل ملوثات الهواء: 20% خلال السنة الأولى
- تحسين كفاءة المباني: 30% مقارنة بمؤشرات القطاع
هذه النتائج تُهم أي جهة تدير مدينة أو مجمعًا صناعيًا أو منشأة طاقة. لأن منطق التشغيل واحد: قِس بدقة، اربط الأنظمة، ثم حسّن باستمرار.
أين الذكاء الاصطناعي تحديدًا؟
حتى لو لم تُذكر خوارزميات بعينها في كل تفصيل، فإن «لغة الذكاء الاصطناعي» في مشاريع البنية التحتية تظهر عادة في ثلاث نقاط عملية:
- اكتشاف الشذوذ: رصد استهلاك غير طبيعي للطاقة أو تسرب مياه قبل أن يتحول إلى أزمة.
- التنبؤ بالأعطال: قراءة مؤشرات مبكرة (اهتزاز/حرارة/ضغط/أنماط تشغيل) لتحديد الصيانة قبل الانقطاع.
- التحسين الآلي: ضبط الأحمال والإضاءة والتكييف حسب الإشغال والطقس والجداول التشغيلية.
النتيجة؟ تشغيل أكثر اتزانًا، وتكاليف أقل، وانبعاثات أقل—من دون التضحية بتجربة السكان والزوار.
الدرس الأهم لقطاع النفط والغاز: دمج IT/OT هو نقطة التحول
إذا كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز، فأنت تعرف المشكلة: أنظمة التشغيل (OT) تعيش وحدها—SCADA، أنظمة إدارة المباني BMS، كاميرات CCTV، حساسات وعدادات—وأنظمة تقنية المعلومات (IT) تعيش وحدها—الشبكات، قواعد البيانات، التحليلات، السحابة.
في الدرعية، تم التركيز على دمج منظومات IT وOT في «نظام بيئي» موحّد. المعنى التشغيلي لهذا الدمج بسيط: قرار واحد يعتمد على صورة واحدة للحقيقة.
والمكاسب التي تم الإعلان عنها تعكس قيمة الدمج مباشرة:
- تقليل التعقيد التشغيلي بنسبة 40% عبر توحيد الأنظمة.
- قابلية التوسع المستقبلي للبنية الذكية حتى 50% دون إعادة تصميم المنظومة.
- تحسين الحماية عبر خصائص الأمن السيبراني مع تقليل المخاطر 30%.
- خفض التكاليف عبر حلول سحابية/هجينة 20–25%، وتحسين جاهزية الدعم المحلي 20%.
هذه لغة قريبة جدًا من تحديات شركات النفط والغاز: تعدد الأنظمة، كثرة الموردين، صعوبة التوسع، ومخاطر الأمن السيبراني.
«مدينة ذكية» اليوم… «حقل/مصفاة ذكية» غدًا
خذ نفس الفكرة وضعها في موقع نفطي:
- مركز عمليات موحد يربط الإنتاج، الطاقة، السلامة، اللوجستيات، والانبعاثات.
- عدادات طاقة ومياه وهواء مرتبطة بتحليلات لحظية.
- قرارات تشغيلية تُتخذ بناءً على أنماط فعلية لا على متوسطات.
في رأيي، من ينجح في هذا الدمج داخل منشأة طاقة يختصر سنوات من التحول الرقمي؛ لأن الجزء الأصعب ليس شراء تقنية، بل توحيد اللغة بين فرق التشغيل وفرق التقنية.
الاستدامة في 2060: لماذا تُعد البيانات أهم من خطط الوعود؟
السعودية تستهدف الحياد الصفري بحلول 2060، وهذا هدف ضخم يحتاج إلى ما هو أبعد من المشاريع المنفصلة. المشاريع الكبرى (giga-projects) تثبت أن تحقيق أهداف الاستدامة يعتمد على عنصر واحد غالبًا ما يتم التقليل من شأنه: حوكمة البيانات التشغيلية.
في الدرعية، المنصة لا تراقب الطاقة والمياه فقط؛ بل تراقب مؤشرات بيئية وتشغيلية وتمنح الإدارة إمكانية ربط الأثر البيئي بالقرارات اليومية: متى نرفع الإنارة؟ متى نخفف الأحمال؟ أين يحدث الفاقد؟ متى نرسل فريق الصيانة؟
وهذا بالضبط ما تحتاجه شركات النفط والغاز وهي تقلل البصمة الكربونية:
- قياس الانبعاثات بدقة تشغيلية (وليس تقديرات سنوية).
- تحسين كفاءة الطاقة في المرافق المساندة (مبانٍ، إسكان، ورش، مضخات).
- تقليل الهدر في المياه والطاقة داخل سلاسل الإمداد.
الجملة التي أحب أن أكررها هنا: لا يوجد حياد صفري بدون «بيانات صفرية الفوضى»—بيانات دقيقة، موحدة، قابلة للتتبع.
ماذا يعني ذلك عمليًا لمديري الاستدامة؟
بدل أن تبدأ بمؤشرات عامة، ابدأ بمؤشرات قابلة للتشغيل اليومي:
- كثافة استهلاك الطاقة لكل مبنى/منطقة/وردية.
- فاقد المياه كنسبة من التدفق.
- انبعاثات مرتبطة بالحمل الكهربائي الفعلي.
- زمن الاستجابة للأعطال وتأثيره على الهدر.
هذه المؤشرات تُغذي الذكاء الاصطناعي لاحقًا، لكنها أولًا تُحسن التشغيل بنفسها.
شراكات القطاعين العام والخاص: لماذا تنجح بعض المشاريع وتتعثر أخرى؟
معظم الشركات تتحدث عن «شراكات استراتيجية». لكن ما يميز نموذج الدرعية مع شنايدر إلكتريك هو أن الشراكة ركزت على تشغيل متكامل لا على حلول متناثرة. عندما يكون هدف الشراكة هو «نظام موحّد لإدارة المدينة»، تصبح قرارات التصميم والتنفيذ أوضح.
في مشاريع الطاقة والنفط والغاز داخل السعودية، الشراكات التي تُنتج أثرًا سريعًا تشترك عادة في ثلاث قواعد:
- مؤشرات أداء مشتركة: الطاقة، المياه، التوقفات، السلامة، الانبعاثات.
- منصة موحدة بدل تكاثر أدوات لا تتحدث مع بعضها.
- أمن سيبراني مدمج وليس إضافة لاحقة.
وهذا يتقاطع مع ما نراه اليوم في التحول الرقمي لقطاع الطاقة: التحول الحقيقي لا يأتي من تجربة تقنية صغيرة، بل من بنية تشغيل تُدار كمنتج: تتحسن، تتوسع، وتُقاس.
تطبيقات مباشرة لقطاع النفط والغاز: من أين تبدأ خلال 90 يومًا؟
إذا كنت مسؤولًا في شركة طاقة/نفط وغاز وتفكر: «جميل، لكن كيف أبدأ؟» فهذه خطة عملية قصيرة المدى—وأنا أفضّلها لأنها تمنح نتائج مبكرة بدل انتظار مشروع يستغرق سنوات.
1) اختر «نطاقًا تشغيليًا» وليس قسمًا إداريًا
ابدأ بموقع واحد أو منطقة تشغيل واحدة (محطة توليد داخلية، مجمع سكني، مرافق مساندة، وحدة معالجة). الهدف هو جمع بيانات حقيقية قابلة للربط.
2) وحّد 3 تدفقات بيانات أولًا
لا تحاول توحيد كل شيء من اليوم الأول. ابدأ بـ:
- الطاقة (عدادات/أحمال)
- المياه (تدفق/ضغط/فاقد)
- الأصول الحرجة (معدات تحتاج صيانة دورية)
3) عرّف «حالات استخدام» قابلة للقياس
أمثلة على حالات استخدام سهلة القياس خلال 90 يومًا:
- تقليل الاستهلاك خارج ساعات العمل بنسبة محددة.
- رصد تسربات المياه خلال 24 ساعة بدل أسابيع.
- خفض الأعطال المتكررة عبر صيانة تنبؤية بسيطة.
4) ضع الأمن السيبراني من البداية
إذا كانت أنظمة OT ستتصل بمنصة موحدة أو سحابة هجينة، فالأمن ليس بندًا ثانويًا. عرّف صلاحيات الوصول، سجلات التدقيق، وعزل الشبكات حسب الحاجة.
عبارة تلخص الدرس: المنصة الموحدة لا تعطيك رؤية فقط؛ تعطيك القدرة على التدخل في الوقت المناسب.
ماذا بعد الدرعية؟ سؤال واحد سيحدد من يتقدم
مشروع الدرعية يثبت أن الحفاظ على الهوية والتراث يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع تشغيل رقمي ذكي يحقق وفورات ملموسة في الطاقة والمياه ويُحسن المؤشرات البيئية. والأهم بالنسبة لسلسلتنا: نفس المنطق قابل للنقل إلى قطاع الطاقة والنفط والغاز—خصوصًا في مراكز العمليات، ومراقبة الأصول، وإدارة الانبعاثات.
إذا كنت تقود مبادرة ذكاء اصطناعي في الطاقة داخل السعودية، لا تبدأ من «نماذج كبيرة» بلا بيانات موثوقة. ابدأ من توحيد التشغيل: عدادات، حساسات، منصة، ومؤشرات أداء واضحة. بعد ذلك، يصبح الذكاء الاصطناعي إضافة طبيعية، لا مشروعًا منفصلًا.
الخطوة التالية التي أنصح بها: قيّم جاهزية منشأتك لدمج IT/OT، وحدّد أين تخسر طاقة أو مياه أو وقت صيانة بسبب «العمل في صوامع».
السؤال الذي يستحق التفكير مع فريقك هذا الأسبوع: ما النظام الوحيد الذي لو رأيناه في لوحة موحدة، سنوفر فورًا 10% من استهلاك الطاقة أو نقلل التوقفات؟