افتتاح مكتب هيئة الاستثمار التايلاندية في الرياض يفتح فرصًا لقطاع الطاقة السعودي. تعرّف كيف يحوّل الذكاء الاصطناعي الشراكات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

الذكاء الاصطناعي يسرّع شراكات الطاقة السعودية‑التايلاندية
رقم واحد يشرح لماذا يجب أن ينتبه قطاع الطاقة السعودي الآن: التجارة الثنائية بين السعودية وتايلاند بلغت نحو 8.8 مليار دولار في 2023، وتمثل قرابة 22% من تجارة تايلاند مع الشرق الأوسط. وعندما تفتتح هيئة الاستثمار التايلاندية (BOI) أول مكتب لها في الشرق الأوسط من الرياض—فهذا ليس خبر علاقات عامة فقط؛ هذه إشارة واضحة أن مركز القرار الاستثماري في المنطقة يتحرك من هنا.
اللي يهمّ شركات الطاقة والنفط والغاز في المملكة؟ أن هذا التحوّل يفتح مسارًا عمليًا لشراكات جديدة في الطاقة المتجددة، والهندسة والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، وحتى المركبات الكهربائية—لكن النجاح لن يأتي بمجرد توقيع مذكرات تفاهم. النجاح سيأتي من القدرة على اختيار الشريك المناسب، تقييم المخاطر بسرعة، والتفاوض بذكاء، ثم تشغيل التعاون بكفاءة. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة عمل يومية، لا كموضوع مؤتمرات.
ضمن سلسلة "كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية"، هذه المقالة تضع الحدث في سياقه الصحيح: مكتب BOI في الرياض هو فرصة… والذكاء الاصطناعي هو الطريقة الأسرع لتحويل الفرصة إلى مشاريع مربحة وقابلة للتوسع.
لماذا افتتاح مكتب تايلاندي في الرياض يهمّ قطاع الطاقة؟
الجواب المباشر: لأن وجود مكتب BOI في الرياض يعني تسهيل تدفق الصفقات والمعلومات والاتصالات، وهو ما يقلّص زمن الوصول للشركاء والموردين والتقنيات—خصوصًا في القطاعات التي ذكرتها تايلاند كأولويات مثل الطاقة المتجددة، الأغذية المعالجة، الرعاية الصحية، والمركبات الكهربائية.
تايلاند لا تتحدث عن سوق صغير. هي تتموضع كمركز داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN) ذات 670 مليون مستهلك، وتستفيد من عضويتها في اتفاقية RCEP (أكبر منطقة تجارة حرة من حيث الحجم). هذه المعادلة تهمّ الشركات السعودية التي تفكر في:
- تنويع سلاسل الإمداد خارج المسارات التقليدية.
- الدخول لأسواق جنوب شرق آسيا عبر قاعدة تشغيل واحدة.
- بناء شراكات صناعية مرتبطة بالطاقة (مكوّنات، مواد، خدمات هندسية).
المفارقة التي أراها دائمًا: أغلب الشركات تركز على “توقيع الاتفاق”، بينما الربح الحقيقي في “تشغيل الاتفاق”. وتشغيل الاتفاق عبر الحدود يحتاج أدوات قرار أسرع من الاجتماعات الطويلة—وهنا تتصدر حلول الذكاء الاصطناعي.
ما الذي تغيّر فعليًا بعد 2024؟
الحدث بدأ في 14/07/2024 خلال "منتدى الاستثمار السعودي‑التايلاندي" في الرياض، ومعه وقّعت شركات من الطرفين 11 مذكرة تفاهم في مجالات تشمل الطاقة والبنية التحتية والهندسة والزراعة والغابات. ومع مرور 2025، أصبح السؤال العملي: أي مذكرات التفاهم تحوّلت إلى مشاريع؟ وأيّها توقف بسبب التمويل، أو اختلاف المتطلبات التنظيمية، أو تعثر سلسلة التوريد؟
الإجابة على هذا النوع من الأسئلة لم تعد تعتمد على الانطباعات. تعتمد على بيانات.
أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية في الشراكات العابرة للحدود؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يقلّل ثلاثة أشياء تكلّف الشركات كثيرًا: عدم اليقين، بطء القرار، وتكرار العمل اليدوي.
عندما تتعامل شركة طاقة سعودية مع شركاء أو موردين أو مستثمرين من تايلاند (أو عبرها لآسيان)، ستواجه ملفات كثيرة: شروط تجارية، معايير جودة، التزام تنظيمي، مخاطر جيوسياسية، عملات، شحن، وتوقعات طلب. الذكاء الاصطناعي لا يلغي هذا التعقيد—لكنه يجعل التعامل معه مقننًا وقابلًا للقياس.
1) ذكاء السوق: من “أين نتوسع؟” إلى “متى وبأي نموذج؟”
أفضل تطبيق سريع هنا هو التحليلات التنبؤية. بدل ما تكون خطط التوسع مبنية على خبرة فردية أو توقعات عامة، يمكن بناء نموذج يدمج:
- تاريخ الطلب على المنتجات/الخدمات المرتبطة بالطاقة في أسواق آسيان.
- أسعار الشحن، زمن التخليص، وحساسية المسارات.
- مؤشرات الصناعة (مثل نمو المركبات الكهربائية وتأثيره على الطلب على الكهرباء والمواد).
جملة تصلح كقاعدة عمل: “التوسع الذكي يختصر الطريق من السوق إلى الفاتورة.”
2) اختيار الشريك: تقييم مخاطر الطرف المقابل بالأدلة
في الشراكات الدولية، المخاطر غالبًا تأتي من التفاصيل الصغيرة: قدرة تنفيذ، التزام مواعيد، حوكمة، وشفافية مالية. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- تحليل وثائق العطاءات والعقود السابقة (إن توفرت داخليًا) لاستخراج أنماط التأخير أو الخلافات.
- بناء Scorecard للموردين والشركاء يجمع جودة التسليم، الانضباط، الاستجابة، ومرونة التوريد.
- تتبع إشارات مبكرة من مصادر بيانات داخلية (شكاوى، طلبات تغيير، تكرار إعادة العمل).
والنتيجة ليست “قرار آلي”، بل توصية مدعومة بقرائن تقلّل المجازفة.
3) التفاوض والعقود: تقليل وقت المراجعة ورفع الاتساق
أحد أكثر أماكن الهدر هو العمل القانوني المتكرر بين فرق متعددة. باستخدام نماذج لغوية داخلية (خاصة) يمكن:
- تلخيص بنود العقود الطويلة إلى نقاط تنفيذية.
- اكتشاف التعارضات بين الملحقات والشروط العامة.
- اقتراح صياغات معيارية متسقة مع سياسات الشركة.
هذا مهم لأن الشراكات التي تتضمن طاقة، بنية تحتية، أو مشاريع هندسية تتضخم عقودها بسرعة، وأي خطأ صغير قد يتسع لاحقًا.
كيف يرتبط ذلك مباشرة بالنفط والغاز والطاقة المتجددة في السعودية؟
الجواب المباشر: لأن الشراكات السعودية‑التايلاندية المذكورة تلامس ثلاث مناطق ساخنة في قطاع الطاقة: التحول للطاقة النظيفة، كفاءة التشغيل، وسلاسل الإمداد الصناعية.
المقال الأصلي ذكر أن تايلاند ترى فرصًا في الطاقة المتجددة وركزت أيضًا على المركبات الكهربائية. هذه ليست قطاعات بعيدة عن النفط والغاز كما يظن البعض. الواقع أنها تضغط على شبكات الكهرباء، تزيد الطلب على حلول تخزين الطاقة، وتفتح احتياجًا لمواد ومكوّنات وخدمات—أي مساحة طبيعية لشركات الطاقة السعودية لتدخل كمستثمر أو مشغّل أو شريك.
مثال عملي قريب من الواقع: شراكة مكونات لمحطات شمسية
تخيل شركة سعودية تعمل في تطوير مشاريع طاقة شمسية، وتفكر في توريد مكونات أو حلول هندسية عبر تايلاند (أو تصنيع مشترك هناك للوصول لأسواق آسيان). الذكاء الاصطناعي هنا يمكن أن يجيب بسرعة على:
- ما احتمال تأخر الشحن في مواسم الذروة؟
- أي مواصفة فنية تسببت تاريخيًا في إعادة تصنيع أو رفض؟
- ما السيناريو المالي الأفضل: شراء مباشر، أو تصنيع تعاقدي، أو مشروع مشترك؟
هذه ليست أسئلة نظرية. هي ما يحدد هامش الربح الحقيقي.
المركبات الكهربائية: لماذا تهم شركات الطاقة؟
تايلاند قالت بوضوح إن المركبات الكهربائية من أولوياتها، والوفد التايلاندي اجتمع مع "سير موتورز"—أول علامة سعودية للمركبات الكهربائية. هذا يعني أن سلاسل القيمة المرتبطة بـ EV (الشحن، إدارة الأحمال، المواد، إعادة التدوير) ستنمو.
الذكاء الاصطناعي يساعد شركات الطاقة في:
- توقع أحمال الشحن حسب المناطق والوقت (Load Forecasting).
- تحسين تسعير الشحن وإدارة الطلب.
- اكتشاف الأعطال في البنية التحتية للشحن قبل توقف الخدمة.
خطة تنفيذ من 30 يومًا لشركات الطاقة: من خبر إلى مشروع
الجواب المباشر: ابدأ بمشروع صغير واضح العائد، ثم وسّعه.
أنا أميل للخطة التي تُنتج قرارًا أو وفورات خلال شهر، بدل خطط طويلة تُهدر الزخم. هذه خطوات عملية تناسب شركات الطاقة والنفط والغاز في السعودية التي تريد الاستفادة من نافذة التعاون الجديدة مع تايلاند:
- خريطة فرص (Opportunity Map): اجمع 20 فرصة محتملة مرتبطة بالطاقة/الهندسة/سلاسل الإمداد مع تايلاند وآسيان، وصنفها حسب (حجم السوق، سهولة التنفيذ، المخاطر).
- نموذج تقييم شركاء: صمّم نموذج نقاط من 10 معايير (التزام، جودة، امتثال، قدرة تمويل، مرونة توريد…)، وابدأ بثلاثة شركاء محتملين.
- لوحة تحكم تنبؤية بسيطة: حتى لو كانت في البداية تعتمد على بيانات داخلية + مؤشرات تشغيلية، الهدف أن تُخرج “توقعًا” واضحًا (تأخير/تكلفة/طلب) بدل نقاشات عامة.
- أتمتة وثائق أساسية: قوالب موحدة لـ NDA، MoU، وملخص شروط (Term Sheet) باستخدام مساعد لغوي داخلي مع ضوابط حوكمة.
عبارة أكررها داخل فرق التشغيل: إذا لم تستطع قياسه أسبوعيًا، لن تستطيع إدارته سنويًا.
أسئلة شائعة داخل الشركات (وإجابات مختصرة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني مشاركة بيانات حساسة مع أطراف خارجية؟
لا. الشركات الجادة تبني حلولها إمّا داخل بيئاتها أو ضمن مزود سحابي بمعايير صارمة، مع سياسات واضحة لتصنيف البيانات وإخفاء الهوية عند الحاجة.
من يقود المشروع: تقنية المعلومات أم الأعمال؟
الأفضل أن يقوده مالك عمل (Business Owner) من الطاقة/المشتريات/سلاسل الإمداد، مع فريق بيانات وتقنية كمُمكّن. أغلب المشاريع تفشل عندما تُدار كـ “مشروع تقني” فقط.
ما أسرع عائد يمكن تحقيقه؟
عادةً أسرع عائد يأتي من:
- تنبؤات الطلب والأحمال.
- تقليل أعطال المعدات (Predictive Maintenance).
- تقليص زمن مراجعة العقود والامتثال.
أين تتجه الشراكات السعودية‑التايلاندية في 2026؟
الجواب المباشر: ستفوز الشراكات التي تُدار بالبيانات وتُشغَّل بانضباط، لا تلك التي تكتفي بالتقاط الصور في الفعاليات.
افتتاح مكتب BOI في الرياض يغطي 13 دولة في الشرق الأوسط، وهذا يجعل الرياض نقطة تجميع للفرص والتنسيق. ومع نمو طلب تايلاند على الاستثمارات—حيث وصلت طلبات ترويج الاستثمار في 2023 إلى 848.3 مليار بات (حوالي 24 مليار دولار) بزيادة 43%—ستستمر المنافسة على أفضل المشاريع والشركاء.
لشركات الطاقة في السعودية، الرسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس خيارًا تجميليًا في التعاون الدولي. هو أداة لتقليل المخاطر وتسريع التنفيذ وتوسيع الأعمال عبر الحدود.
إذا كنت تفكر في شراكة طاقة أو سلسلة إمداد مع تايلاند أو عبرها إلى آسيان، ما الذي تحتاجه أكثر الآن: شريك جديد… أم طريقة أدق لاختيار الشريك وتشغيل العلاقة من اليوم الأول؟