إنجاز SAB في معيار ICXS-2019 يوضح كيف يقود القياس والحوكمة نجاح التحول الرقمي—ودروس مباشرة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الطاقة.

معيار تجربة العميل يقود ذكاء الطاقة في السعودية
مع نهاية 2025، صارت “الشهادة” أكثر من ورقة تُعلّق على الجدار. هي طريقة عمل كاملة. عندما أعلن البنك السعودي الأول (SAB) حصوله على اعتماد ICXS-2019 من المعهد البريطاني للمعايير (BSI) كأول بنك في المملكة يحقق هذا المعيار في تجربة العميل، الرسالة لم تكن موجهة للقطاع المصرفي فقط. الرسالة الأهم: التميز التشغيلي يُدار بمعايير، ويُقاس، ويتحسن باستمرار.
وهنا تأتي الفكرة التي تهمّنا في سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”: إذا كان البنك نجح في تحويل مفهوم “تجربة العميل” إلى ممارسات تشغيلية قابلة للتدقيق، فكيف يمكن لشركات الطاقة والنفط والغاز أن تفعل الشيء نفسه—لكن على نطاق أكبر، وبتعقيد أعلى، ومخاطر تشغيلية أعظم؟
أنا أميل لرأي واضح: الذكاء الاصطناعي في الطاقة لن ينجح إذا طُبّق كتقنية فقط. سينجح عندما يُربط بمعايير تشغيلية وتجارب أصحاب مصلحة (موظفين، مقاولي صيانة، جهات تنظيمية، عملاء صناعيين) بحيث يصبح التحسين منهجيًا لا مزاجيًا.
ماذا تقول شهادة ICXS-2019 فعليًا؟ ولماذا تهم قطاع الطاقة؟
الفكرة الأساسية في ICXS-2019: تجربة العميل ليست “ابتسامة موظف” أو “واجهة تطبيق”. هي سلسلة عمليات تبدأ من فهم احتياج العميل، مرورًا بتصميم الخدمة، ثم تنفيذها وقياس جودتها واستقرارها.
في خبر SAB، الشهادة غطّت ممارسات تجربة العميل داخل عمليات الخدمات المصرفية الشخصية وإدارة الثروات، مع تنسيق واسع عبر فرق التشغيل والدعم. هذا التفصيل مهم لأنّه يوضح أن النجاح جاء من:
- توحيد طريقة العمل بين فرق متعددة
- قياس الاتساق والموثوقية في الأداء
- ربط التحسين بأهداف أوسع (ومنها مواءمة مستهدفات رؤية السعودية 2030)
نفس المنطق ينطبق على قطاع الطاقة والنفط والغاز، مع اختلاف بسيط: “العميل” هنا قد يكون مشغل شبكة كهرباء، أو مصنع بتروكيميائيات، أو جهة تنظيمية، أو حتى مجتمعًا محليًا حول منشأة. وتجربتهم تُقاس بالموثوقية، والوقت، والسلامة، والامتثال، والاستجابة للحوادث.
جملة قابلة للاقتباس: عندما تصبح التجربة معيارًا، يصبح التحسين قابلًا للتكرار—وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي بإعطاء قيمة حقيقية.
من المصارف إلى النفط والغاز: التميز التشغيلي يبدأ من “القياس”
أفضل ما في قصة SAB أنها تُظهر نضجًا إداريًا: قبل أن تقول “نحن ممتازون”، دع جهة مستقلة تقيسك وفق معيار واضح. في الطاقة، كثير من المبادرات الرقمية تفشل لأنها تبدأ من لوحة قيادة جميلة، وتنتهي عند أول انقطاع بيانات أو اختلاف بين مواقع التشغيل.
أين يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع التميز التشغيلي؟
الذكاء الاصطناعي ينجح عندما يُستخدم لحل مشاكل محددة قابلة للقياس، مثل:
- تقليل التوقفات غير المخطط لها عبر الصيانة التنبؤية
- رفع كفاءة استهلاك الطاقة في المضخات والضواغط والأفران
- تحسين الاعتمادية في الشبكات ومحطات التوليد
- تسريع الالتزام والمتطلبات التنظيمية عبر أتمتة التقارير وجودة البيانات
لكن القاسم المشترك: يجب أن تكون هناك منظومة قياس (KPIs + تدقيق بيانات + حوكمة) مشابهة لفكرة “المعيار” في ICXS-2019.
مثال عملي قريب من الواقع السعودي
تخيل منشأة معالجة غاز لديها 3 مصادر بيانات:
- حساسات اهتزاز للمضخات
- نظام أوامر عمل للصيانة (CMMS)
- سجلات تشغيل يومية يكتبها المناوب
إذا طبّقت نموذج ذكاء اصطناعي للتنبؤ بالأعطال دون توحيد التعاريف (ما معنى “عطل”؟ ما زمن التوقف؟ كيف نُسجّل السبب الجذري؟)، ستظهر نتائج متضاربة. أما إذا بدأت بمعيار داخلي يشبه روح ICXS-2019—يوحّد التعاريف، ويوثق رحلة “الخدمة” (من اكتشاف الخلل إلى إغلاق أمر العمل)—ستحصل على نموذج يمكن تحسينه وتدقيقه.
كيف تُترجم “تجربة العميل” في الطاقة إلى نتائج ملموسة؟
في قطاع الطاقة، التجربة ليست رفاهية. هي تكلفة ومخاطر. أنا أرى أن “تجربة العميل” في الطاقة تتلخص في 4 وعود يجب أن تُقاس:
- اعتمادية الإمداد: كم مرة حدثت انقطاعات؟ وكم مدتها؟
- جودة الخدمة التشغيلية: زمن الاستجابة، جودة الصيانة، دقة البيانات
- السلامة والامتثال: انخفاض الحوادث، جودة الإبلاغ، سرعة إغلاق الملاحظات
- الشفافية: تقارير واضحة وقابلة للتدقيق داخليًا وخارجيًا
أين يأتي الذكاء الاصطناعي هنا؟
الذكاء الاصطناعي يساعد في “تثبيت” هذه الوعود عبر:
- نماذج توقع الأحمال والطلب لتحسين التخطيط وتقليل الضغط على الشبكات
- الرؤية الحاسوبية لمراقبة الالتزام بمعدات السلامة في المواقع
- تحليل النصوص لاستخراج أنماط الأعطال من تقارير المناوبات وأوامر العمل
- مساعدات ذكية للمهندسين تلخص سجلات المعدات وتقترح خطوات فحص قياسية
والنقطة الحساسة: هذه الاستخدامات تحتاج بيانات موثوقة وسياق تشغيلي، تمامًا كما احتاج SAB لتنسيق عابر للإدارات حتى تصبح تجربة العميل قابلة للتقييم.
خارطة طريق: “شهادة” داخلية للذكاء الاصطناعي في الطاقة خلال 90 يومًا
الفكرة ليست الحصول على شهادة حرفيًا (رغم أن المعايير موجودة في السلامة والجودة وأمن المعلومات). المقصود: بناء نموذج عمل يشبه عقلية الشهادات—واضح، مدقق، قابل للتكرار.
الأسبوع 1–2: تحديد الخدمة ومسارها
ابدأ بخدمة واحدة عالية الأثر. مثال: الصيانة التنبؤية للضواغط أو إدارة إنذارات نظام التحكم.
عرّف المسار من البداية للنهاية:
- ما الحدث الذي يبدأ العملية؟
- من يستلم الإجراء؟
- ما المخرجات المتوقعة؟
- ما زمن الاستجابة المقبول؟
الأسبوع 3–6: حوكمة البيانات قبل النماذج
ضع قواعد بسيطة لكن صارمة:
- قاموس بيانات (Data Dictionary)
- تعريف موحد للأعطال والتوقفات
- آلية لتتبع جودة البيانات (نسب القيم المفقودة، التأخيرات، التكرارات)
إذا سألتني: هذه المرحلة مملة. نعم. لكنها هي التي تمنع فشل 80% من مشاريع الذكاء الاصطناعي التشغيلية.
الأسبوع 7–10: نموذج أولي + قياس أثر واضح
ابنِ نموذجًا أوليًا (Pilot) بحدود واضحة:
- نطاق معدات محدد
- مدة اختبار محددة
- 3 مؤشرات نجاح فقط
أمثلة مؤشرات (اختر ما يناسبك):
- انخفاض التوقفات غير المخطط لها في المعدة المستهدفة
- انخفاض الإنذارات الكاذبة
- تقليل زمن التشخيص
الأسبوع 11–13: تحويل النموذج إلى “ممارسة”
هنا الفرق بين تجربة ناجحة ومشروع ينتهي بعرض تقديمي:
- دمج المخرجات داخل نظام أوامر العمل
- تدريب المناوبين والمهندسين على تفسير توصيات النموذج
- سياسة واضحة للمساءلة: من يقرر؟ ومن يوثق؟ ومن يراجع؟
جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي الذي لا يدخل سير العمل اليومي يظل حبيس المختبر مهما كان دقيقًا.
أسئلة شائعة يطرحها قادة الطاقة في السعودية (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال الفرق التشغيلية؟
لا. القيمة الأكبر عادة تأتي من رفع إنتاجية الخبراء وتقليل الوقت الضائع في الفرز والبحث، لا من استبدال المهندس أو المراقب.
ما أول مجال يحقق عائدًا أسرع في النفط والغاز؟
غالبًا: الصيانة التنبؤية وتحسين الطاقة في المعدات الدوّارة وتحليل الإنذارات—لأن بياناتها متاحة نسبيًا وأثرها مالي واضح.
كيف نضمن الامتثال والموثوقية عند استخدام نماذج تعلم آلي؟
بثلاث نقاط عملية:
- توثيق النماذج (Model Cards) ومصادر البيانات
- مراقبة الانحراف (Model Drift) شهريًا
- وجود “مسار قرار” واضح: توصية النموذج ليست قرارًا نهائيًا بدون ضوابط
ماذا نتعلم من SAB كقادة في الطاقة والنفط والغاز؟
قصة SAB مع ICXS-2019 تعطي درسًا قابلًا للنقل: الريادة تُبنى عندما تجعل الجودة قابلة للتدقيق. البنك ربط التجربة بممارسات تشغيلية، وأثبتها بمعيار دولي، ومواءمتها مع رؤية السعودية 2030.
في قطاع الطاقة، الفرصة أكبر لأن أثر التحسين يتضاعف عبر الشبكات وسلاسل الإمداد والمنشآت. لكن الشرط واحد: تعاملوا مع الذكاء الاصطناعي كجزء من نظام تشغيل—لا كمبادرة تقنية.
إذا كنت تقود تحولًا رقميًا في شركة طاقة أو نفط وغاز داخل المملكة، جرّب سؤالًا واحدًا في اجتماعك القادم: ما “المعيار” الذي سنقيس به نجاح الذكاء الاصطناعي في هذه الخدمة؟ إذا لم تجد جوابًا واضحًا، فالمشروع يحتاج إعادة ضبط قبل أن يبدأ.