من قمة الاستثمار إلى طاقة أذكى: الذكاء الاصطناعي يقود السعودية

كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعوديةBy 3L3C

قمة «سهم» في الرياض تكشف كيف تقود البيانات والذكاء الاصطناعي الاستثمار—وتمهّد لتطبيقه في الطاقة والنفط والغاز ضمن رؤية 2030.

رؤية 2030الذكاء الاصطناعيالنفط والغازقطاع الطاقةأسواق المالتحول رقمي
Share:

Featured image for من قمة الاستثمار إلى طاقة أذكى: الذكاء الاصطناعي يقود السعودية

من قمة الاستثمار إلى طاقة أذكى: الذكاء الاصطناعي يقود السعودية

في 16/12/2025، اجتمع أكثر من 200 مستثمر وصانع قرار وخبير سوق في الرياض ضمن قمة «سهم للاستراتيجية الاستثمارية» الأولى. الرقم بحد ذاته مهم، لكن الأهم هو نوع الحديث الذي يدور الآن في السعودية: بيانات أكثر، قرارات أسرع، ومشاركة أوسع من المستثمرين الأفراد… وكل ذلك تحت مظلة رؤية 2030.

الذي لفت انتباهي ليس كونها فعالية مالية فحسب، بل لأنها تعكس شيئًا أكبر: الاقتصاد السعودي يبني «طبقة رقمية» مشتركة بين الأسواق المالية وقطاعات التشغيل الثقيلة مثل الطاقة والنفط والغاز. عندما تتغير طريقة اتخاذ القرار في سوق المال لتصبح مبنية على التحليلات والذكاء الاصطناعي، فهذا يسرّع انتقال الفكرة نفسها إلى غرف التحكم، وسلاسل الإمداد، وأعمال الصيانة، وإدارة المخاطر في قطاع الطاقة.

هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية». سنأخذ قمة «سهم» كنقطة انطلاق لفهم كيف يصنع الاستثمار المدفوع بالبيانات بيئة جاهزة لتبنّي الذكاء الاصطناعي في الطاقة، وما الذي يجب على القادة والمهنيين فعله الآن للاستفادة من هذا التحول.

لماذا قمة «سهم» ليست خبرًا ماليًا فقط؟

الجواب المباشر: لأنها تعرض كيف تتحول الثقة في القرارات من “الحدس والخبرة فقط” إلى “البيانات + النماذج + الحوكمة”. وهذا هو نفس التحول الذي تحتاجه شركات الطاقة كي تستفيد من الذكاء الاصطناعي بدون مخاطر تشغيلية أو تنظيمية.

القمة جمعت جهات تنظيمية ومؤسسات سوقية وأطرافًا تقنية (مثل حديثهم عن البلوك تشين والترميز والذكاء الاصطناعي والاستراتيجيات الكمية). هذا التنوع يشبه تمامًا ما يحدث في الطاقة: التحول لا ينجح بقرار من قسم التقنية وحده، بل يحتاج منظومة تشمل الامتثال، والأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، والبيانات، والعمليات.

وإذا كان تطبيقات التداول المتقدمة تعيد تشكيل علاقة المستثمر الفرد بالسوق، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل علاقة المهندس والمشغل ببيانات الحقول والمصافي والشبكات. الفكرة واحدة: تمكين المستخدم النهائي بأدوات ذكية، مع قواعد واضحة.

إشارات رقمية لا يمكن تجاهلها

من أبرز ما ورد في القمة على لسان المدير المالي لشركة سهم محمد العسيري:

  • تجاوزت «سهم» مليون مستخدم خلال أول سنة من الإطلاق.
  • وحققت قرابة 70% نموًا سنويًا في المستخدمين خلال السنة الثانية.

هذه الأرقام لا تعني “نجاح تطبيق” فقط. بل تعني أن شريحة ضخمة من المجتمع أصبحت مرتاحة للتعامل مع المنتجات المالية الرقمية، وقراءة البيانات، واتخاذ قرار سريع. وهذه الثقافة الرقمية عندما تنتشر، تصير بيئة العمل (والتوظيف والشراء والتعاقد) أكثر استعدادًا لتبنّي حلول الذكاء الاصطناعي في قطاعات مثل النفط والغاز والطاقة المتجددة.

الأسواق العالمية نحو 2026: ماذا يعني ذلك لقطاع الطاقة السعودي؟

الجواب المباشر: مزيج (التضخم/الفائدة/التوترات الجيوسياسية) سيزيد قيمة الأدوات التي تختصر الزمن بين «الإشارة» و«القرار»—وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي.

ضمن نظرة الأسواق العالمية التي طرحها رامي الدوكاني (الأمين العام لاتحاد أسواق المال العربية)، برزت عوامل كلية مثل تراجع التضخم الأمريكي وتوقع خفض الفائدة، مع ارتفاع التوترات التجارية الجيوسياسية، وتسارع أثر الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية.

بالنسبة لقطاع الطاقة في السعودية، هذه المتغيرات ليست نظرية:

  • تغير أسعار الفائدة يؤثر على تمويل المشاريع الرأسمالية (محطات، توسعة مصافٍ، شبكات، مشاريع هيدروجين، طاقة شمسية).
  • التوترات الجيوسياسية ترفع حساسية سلاسل الإمداد والمخاطر التشغيلية، ما يزيد الحاجة لنماذج تنبؤ ومرونة.
  • الذكاء الاصطناعي والإنتاجية يخلق معيارًا جديدًا للأداء: من لا يطبق التحليلات المتقدمة سيبدو أبطأ وأغلى.

أربع “أفكار استثمار” تقابلها أربع “فرص تشغيل” في الطاقة

الدوكاني تحدث عن ركائز مثل التنويع نحو الأسواق الناشئة، وزيادة التعرض للدخل الثابت، ورفع مخصصات الذهب، والتموضع المبكر في قطاعات نمو يقودها الذكاء الاصطناعي. ترجمة ذلك إلى عالم الطاقة تعطيك منظورًا عمليًا:

  1. التنويع ⇠ تنويع مزيج الطاقة والموردين وطرق النقل.
  2. الدخل الثابت ⇠ البحث عن مشاريع طاقة ذات تدفقات نقدية مستقرة بعقود طويلة.
  3. الذهب ⇠ التحوط من المخاطر عبر سيناريوهات متعددة وإدارة مخزون استراتيجية.
  4. قطاعات نمو يقودها الذكاء الاصطناعي ⇠ الاستثمار في منصات البيانات الصناعية، والتوأم الرقمي، والصيانة التنبؤية، وتحسين الإنتاج.

رؤية 2030: التحول الرقمي كمنظومة واحدة (مالية + طاقة)

الجواب المباشر: رؤية 2030 لا تبني “جزرًا رقمية” منفصلة، بل تربط قطاعات متعددة ضمن منظومة بيانات وبنية تحتية وتشريعات ومهارات.

في القمة، تحدثت الرؤى المحلية عن تسارع الزخم الاقتصادي وتطور قطاعات مثل السياحة والترفيه والتقنية والطاقة المتجددة واللوجستيات والبنية الرقمية كـ«أنظمة مترابطة». هذه نقطة جوهرية: الذكاء الاصطناعي لا ينجح في قطاع واحد إذا بقيت بقية المنظومة تعمل بعقلية قديمة.

في الطاقة تحديدًا، نرى هذا الترابط في ثلاثة مستويات:

1) البيانات: الوقود الحقيقي للذكاء الاصطناعي

أنظمة التداول الحديثة تعتمد على تدفقات بيانات، جودة، وتوقيت. في الطاقة، هذا يعادل:

  • بيانات الحساسات (ضغط/حرارة/اهتزاز)
  • بيانات الصيانة وقطع الغيار
  • بيانات السلامة والحوادث القريبة من الوقوع
  • بيانات السوق والطلب والطقس

الفرق؟ في الطاقة، أي خطأ في البيانات ليس “قرار استثماري سيئ” فقط، بل قد يتحول إلى مخاطر سلامة وتعطل. لذلك نجاح الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز يبدأ قبل النماذج: يبدأ من حوكمة البيانات.

2) الحوكمة والتنظيم: من السوق المالي إلى بيئة صناعية

وجود جهات مثل هيئة السوق المالية ومجموعة تداول والأكاديمية المالية ضمن القمة يرسل رسالة واضحة: الابتكار يتقدم حين تكون القواعد واضحة.

وفي قطاع الطاقة، الحوكمة تعني:

  • من يملك حق تشغيل نموذج تنبؤ؟ ومن يوافق عليه؟
  • كيف تُوثَّق النماذج (Model Cards) ومتى تُراجع؟
  • ما ضوابط الأمن السيبراني للوصول إلى بيانات الأصول الحيوية؟

3) الإنسان: تمكين المستخدم النهائي لا استبداله

التداول الاجتماعي والأدوات المتقدمة تعطي المستثمر “قدرة” لا “ضمان نتيجة”. نفس الشيء في الطاقة: الذكاء الاصطناعي يعطي المشغل توصية—لكن المسؤولية والقرار النهائي يجب أن يبقيا ضمن إطار واضح.

قاعدة عملية: الذكاء الاصطناعي في العمليات الصناعية ناجح عندما يقلل الضوضاء ويبرز الإشارات، لا عندما يحاول أن يكون “طيارًا آليًا” لكل شيء.

كيف يطبق قطاع النفط والغاز الذكاء الاصطناعي عمليًا؟ (أمثلة قابلة للتنفيذ)

الجواب المباشر: ابدأ بحالات استخدام تربط وفورات واضحة ببيانات متاحة، ثم وسّع تدريجيًا.

إليك حالات استخدام منتشرة عالميًا وقابلة للتكييف في السعودية، مع طريقة قياس العائد:

1) الصيانة التنبؤية للمعدات الدوارة

  • الفكرة: نموذج يتنبأ باحتمال تعطل مضخات/ضواغط بناءً على الاهتزاز والحرارة وأنماط التحميل.
  • النتيجة المتوقعة: تقليل الأعطال المفاجئة ووقت التوقف.
  • مؤشر قياس: انخفاض ساعات التوقف غير المخطط، وتحسن MTBF (متوسط الزمن بين الأعطال).

2) تحسين استهلاك الطاقة في المصافي ومحطات المعالجة

  • الفكرة: نماذج تحسين (Optimization) تقترح إعدادات تشغيل تقلل الوقود/الكهرباء مع الحفاظ على جودة المنتج.
  • النتيجة المتوقعة: خفض تكلفة الطاقة وتقليل الانبعاثات.
  • مؤشر قياس: انخفاض استهلاك الطاقة لكل برميل/وحدة إنتاج.

3) اكتشاف الشذوذ في الشبكات والأنابيب

  • الفكرة: كشف مبكر لتغيرات ضغط/تدفق غير طبيعية تشير لتسرب أو تلاعب.
  • النتيجة المتوقعة: رفع السلامة وتقليل خسائر المنتج.
  • مؤشر قياس: تقليل وقت الاكتشاف من ساعات إلى دقائق، وتقليل الحوادث.

4) ذكاء اصطناعي للمعرفة الداخلية (للإنتاجية المكتبية)

  • الفكرة: مساعد معرفي داخلي يجيب من وثائق السلامة والإجراءات والمواصفات، ويُنشئ مسودات تقارير.
  • النتيجة المتوقعة: تسريع إعداد التقارير وتوحيد الصياغات وتقليل الأخطاء.
  • مؤشر قياس: وقت إعداد التقرير/إغلاق البلاغات.

ما علاقة أدوات التداول المتقدمة بذكاء الطاقة؟ ثلاث دروس عملية

الجواب المباشر: ما ينجح في “ديمقراطية البيانات” في الأسواق المالية يمكن نسخه—بحذر—في الطاقة.

1) واجهات بسيطة فوق تعقيد كبير

المستثمر لا يريد قراءة 100 متغير؛ يريد إشارة واضحة وحدود مخاطرة. المشغل كذلك. صمّم لوحات قيادة تُظهر:

  • ما الذي تغيّر؟
  • لماذا يهم؟
  • ما الإجراء المقترح؟
  • ما مستوى الثقة؟

2) تعليم مستمر بدل “دورة واحدة”

كما راهنت «سهم» على تحويل البيانات والتعليم إلى فرص للمستثمرين، تحتاج شركات الطاقة إلى برامج تمكين مستمرة:

  • تدريب قصير متكرر (Microlearning)
  • محاكاة سيناريوهات حقيقية
  • «مترجمون» بين العمليات والبيانات (Analytics Translators)

3) دمج التحليل مع القرار، لا وضعه في تقرير منفصل

أسوأ تطبيق للذكاء الاصطناعي هو أن ينتج تقريرًا جميلًا لا يغير شيئًا في التشغيل. الأفضل هو إدخال المخرجات داخل سير العمل اليومي: طلب صيانة، تصريح عمل، جدول مناوبة، أو خطة إنتاج.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)

هل البدء بالذكاء الاصطناعي يعني استثمارًا ضخمًا منذ اليوم الأول؟

لا. البداية الذكية تكون بمشروعين أو ثلاثة ذات بيانات جاهزة وعائد واضح خلال 8–12 أسبوعًا، ثم توسعة تدريجية.

أين يفشل معظم التنفيذ؟

يفشل عندما تُبنى النماذج قبل الاتفاق على تعريفات البيانات، ومسؤوليات الاعتماد، وكيف ستُستخدم المخرجات في قرارات التشغيل.

ما أسرع مكسب يمكن تحقيقه في النفط والغاز؟

غالبًا: الصيانة التنبؤية + تحسين الطاقة في العمليات. لأنهما يرتبطان مباشرة بالتكلفة والتوقفات.

الخطوة التالية: استثمر في “الطبقة الذكية” قبل أن تستثمر في النموذج

ما حدث في قمة «سهم» يُظهر أن السعودية تتجه إلى اقتصاد تُقاس فيه الثقة بالشفافية، وتُبنى فيه القرارات على البيانات، وتُدار فيه المخاطر بمنهجية. هذا بالضبط ما يحتاجه قطاع الطاقة والنفط والغاز كي ينتقل من تجارب ذكاء اصطناعي متفرقة إلى تشغيل يعتمد على التحليلات بشكل يومي.

إذا كنت تعمل في الطاقة، فابدأ بثلاثة أسئلة عملية هذا الأسبوع:

  1. ما أهم قرار تشغيلي نتخذه يوميًا ويمكن اختصاره ببيانات أفضل؟
  2. هل نملك بيانات موثوقة له، أم نحتاج تنظيفًا وحوكمة أولًا؟
  3. من هو “مالك القرار” الذي سيستخدم مخرجات الذكاء الاصطناعي فعليًا؟

الذكاء الاصطناعي ليس مشروع تقنية. هو طريقة جديدة لإدارة الوقت والمخاطر والموثوقية. والسؤال الذي سيظل مفتوحًا مع دخول 2026: هل ستقود شركات الطاقة في السعودية هذه الطريقة—أم ستنتظر حتى تصبح معيارًا مفروضًا من المنافسة والسوق؟