كيف حققت الدرعية خفضاً في الطاقة 10–20% وتقليل فاقد المياه حتى 25% عبر منصة موحّدة؟ درس عملي لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الطاقة.

الذكاء الاصطناعي وكفاءة الطاقة: درس من الدرعية
رقم واحد يلخّص الفكرة: عندما تُدار المدينة عبر منصة رقمية موحّدة تراقب الطاقة والمياه والإنارة والأمن والمرور في الوقت الحقيقي، يمكن خفض استهلاك الطاقة بنسبة 10–20% وتقليل فاقد المياه حتى 25%. هذه ليست وعوداً تسويقية؛ إنها نتائج معلنة من تجربة الدرعية مع حلول رقمية متقدمة لإدارة البنية التحتية.
هذا النوع من التحسّن لا يخص المدن فقط. في قطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية، نفس المنطق يعمل: بيانات لحظية + تنبؤات + أتمتة قرارات = كفاءة أعلى، انبعاثات أقل، واستجابة أسرع للأعطال. لهذا السبب تُعد الدرعية نموذجاً عملياً مهمّاً ضمن سلسلة "كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية"—لأن ما نجح في مدينة تراثية يمكن ترجمته إلى مصفاة، محطة توليد، شبكة توزيع، أو حتى حقل غاز.
لماذا تُعد الدرعية “مختبراً” لكفاءة الطاقة بالذكاء الاصطناعي؟
الجواب المباشر: لأن الدرعية جمعت بين ثلاثة عناصر نادراً ما تجتمع بهذا الوضوح: موقع حساس تراثياً، مشروع حضري ضخم، ومنصة تشغيل موحّدة تدير الأنظمة الحيوية.
في المشاريع العملاقة، أغلب الهدر لا يأتي من نقص المعدات، بل من تشتت الأنظمة: نظام مراقبة للطاقة، وآخر للمباني، وثالث للأمن، ورابع للمياه… وكل فريق يرى جزءاً صغيراً من الصورة. النتيجة؟ قرارات بطيئة، صيانة متأخرة، واستهلاك أعلى من اللازم.
ما يلفتني في تجربة الدرعية هو أنها تعاملت مع التشغيل كـ"نظام عصبي" للمدينة، لا كمجموعة أجهزة. منصة تشغيل موحّدة تعني أن البيانات تُقرأ في سياقها: ارتفاع استهلاك الطاقة قد يرتبط بذروة زيارة، أو بعطل في نظام تكييف، أو بإضاءة تعمل خارج الجدول. عندما ترى العلاقات بين هذه العوامل، تبدأ وفورات الكفاءة بالظهور بسرعة.
مؤشرات قابلة للقياس… وليست شعارات
النتائج التي تم الإشارة إليها في تجربة الدرعية تتضمن:
- خفض الطاقة 10–20% عبر المراقبة والتحسين التشغيلي.
- تقليل فاقد المياه حتى 25% عبر تتبع الشبكات والتنبيه المبكر.
- خفض الملوّثات الهوائية 20% في السنة الأولى عبر إدارة أفضل للعمليات.
- تحسين كفاءة المباني 30% مقارنةً بخطوط أساس في القطاع.
هذه الأرقام مهمة لأنها تعطي مديري الطاقة في المنشآت الصناعية نقطة بداية: إذا كانت مدينة كاملة استطاعت ضبط الاستهلاك بهذا الشكل، فمن الممكن—وغالباً أسهل—تحقيق مكاسب مماثلة في منشآت أكثر تحكماً مثل المصانع والمصافي ومحطات المعالجة.
المنصة الموحدة: من “لوحات كثيرة” إلى “صورة واحدة”
الجواب المباشر: قيمة المنصة الموحدة أنها تُقلّص التعقيد التشغيلي وتفتح الباب للذكاء الاصطناعي ليتعلم من البيانات المتكاملة.
في الدرعية، جرى توحيد أنظمة مثل SCADA وBMS وCCTV داخل منظومة تشغيل واحدة. هذا النوع من الدمج لا يسهّل المتابعة فقط؛ بل يصنع قاعدة بيانات تشغيلية موحّدة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبني عليها تنبؤاته.
عندما تُوحد الأنظمة:
- تقلّ "المناطق العمياء" بين الفرق.
- تصبح مؤشرات الأداء موحّدة (الطاقة لكل مبنى/منطقة/فعالية).
- تتحسن سرعة اتخاذ القرار لأن مركز العمليات يرى كل شيء في شاشة واحدة.
ووفق ما ورد عن التجربة، هذا الدمج ساعد على تقليل التعقيد التشغيلي بنسبة 40%، مع قابلية توسع مستقبلية قد تصل إلى 50% دون إعادة تصميم جذرية للأنظمة. في عالم الطاقة، هذه النقطة وحدها تستحق التوقف: التوسع دون إعادة بناء الأنظمة يعني أن الاستثمار الرقمي لا يتبخر عند أول توسعة أو تعديل.
أين “الذكاء الاصطناعي” هنا بالضبط؟
ليس شرطاً أن ترى كلمة “AI” على واجهة النظام لكي يكون الذكاء الاصطناعي حاضراً. الواقع أن أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطاقة تعمل في الخلفية:
- التنبؤ بالأحمال: توقّع ذروة الاستهلاك وفق الموسم، الحضور، والرطوبة.
- الصيانة التنبؤية: اكتشاف أنماط اهتزاز/حرارة غير طبيعية قبل حدوث العطل.
- تحسين الجداول: تشغيل التكييف والإنارة وفق إشغال فعلي وليس وفق تقديرات.
- كشف التسربات: رصد فاقد المياه عبر مقارنة التدفقات والضغط بين المقاطع.
الدرس: المنصة الموحدة ليست “بديل” للذكاء الاصطناعي؛ هي الشرط الذي يجعل الذكاء الاصطناعي فعالاً.
ما علاقة الدرعية بالنفط والغاز؟ نفس المعادلة… موقع مختلف
الجواب المباشر: لأن منشآت النفط والغاز تعاني من نفس التحدي: أنظمة تشغيل كثيرة وبيانات كبيرة وقرارات يجب أن تكون أسرع وأدق.
في السعودية، الضغط على قطاع الطاقة يتجه في مسارين متوازيين: رفع الكفاءة وخفض الانبعاثات من جهة، والحفاظ على الاعتمادية والسلامة من جهة أخرى. الذكاء الاصطناعي يدخل هنا كأداة عملية وليست نظرية، خاصة في:
1) كفاءة الطاقة داخل المرافق الصناعية
أي منشأة نفط وغاز لديها "مدن صغيرة" داخلها: محطات طاقة، مياه، تكييف صناعي، إنارة، أنظمة أمان. عندما تُدار عبر مركز عمليات موحّد مع تحليلات لحظية، تصبح فرص التوفير واضحة:
- تقليل تشغيل المعدات الاحتياطية غير الضروري.
- تحسين معامل القدرة وتقليل الفواقد في الشبكات الداخلية.
- اكتشاف الأحمال الشاذة (مثل مضخة تعمل خارج نطاقها المثالي).
2) تقليل فاقد المياه وإدارة الشبكات
في المشاريع الصناعية، فاقد المياه لا يعني تكلفة تشغيلية فقط؛ يعني أيضاً مخاطر بيئية وتشغيلية. النهج الذي خفّض فاقد المياه في الدرعية حتى 25% يمكن تطبيقه عبر:
- تقسيم الشبكة إلى مناطق قياس (District Metering) وربطها بمنصة مراقبة.
- نماذج تنبؤية تُميّز التسرب عن تغيرات التشغيل الطبيعية.
3) السلامة والاستجابة للطوارئ
توحيد الرؤية بين أنظمة المراقبة والأمن والتشغيل يرفع جودة الاستجابة. عندما يحدث إنذار، لا تريد فريق الأمن أن يعمل بمعزل عن فريق التشغيل. تريد “حقيقة واحدة” للحدث: أين حدث؟ ما تأثيره؟ ما الأنظمة المتأثرة؟ ما أول إجراء آمن؟
الاستدامة ليست بنداً إضافياً… هي طريقة تشغيل
الجواب المباشر: الاستدامة في الطاقة تتحقق عندما تصبح قرارات التشغيل اليومية مبنية على بيانات، لا على افتراضات.
تجربة الدرعية مرتبطة بهدف أوسع في المملكة يتعلق بالوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2060. لكن ما يعجبني هنا أن الحديث لم يكن عن زرع الأشجار أو حملات توعوية؛ بل عن أرقام تشغيلية: طاقة أقل، مياه أقل هدراً، ملوثات أقل.
هذه النقطة مهمة لقيادات النفط والغاز: برامج الاستدامة التي تنجح هي التي تُترجم إلى:
- مؤشرات أداء واضحة (kWh/برميل مكافئ، أو m³ ماء/وحدة إنتاج).
- أنظمة قياس موثوقة.
- أتمتة للتصحيح، وليس مراقبة فقط.
الأمن السيبراني: شرط نجاح التحول الرقمي
أي مشروع يوحّد أنظمة IT/OT يزيد من سطح الهجوم إن لم يكن الأمن السيبراني جزءاً من التصميم. في التجربة المشار إليها، ذُكر أن ميزات الأمن السيبراني ساعدت في تقليل المخاطر بنسبة 30%. في قطاع النفط والغاز، هذه ليست رفاهية: توقف ساعة واحدة قد يعني خسائر كبيرة ومخاطر سلامة.
خطوات عملية لتطبيق الدرس داخل شركات الطاقة (خلال 90 يوماً)
الجواب المباشر: ابدأ بتوحيد البيانات ومؤشرات الأداء قبل شراء حلول ضخمة، ثم وسّع الذكاء الاصطناعي تدريجياً.
إطار عملي جرّبته فرق كثيرة (ويعمل جيداً) يمكن تلخيصه كالتالي:
-
اختر حالة استخدام واحدة ذات أثر مالي واضح
- مثال: تحسين استهلاك الطاقة في مبنى التحكم/المعسكرات، أو تقليل فاقد المياه في شبكة داخلية.
-
وحّد مصادر البيانات الأساسية
- عدادات الطاقة، قراءات الضغط/التدفق، سجلات الأعطال، جداول التشغيل.
-
أنشئ “لوحة حقيقة واحدة”
- لا تحتاج مئة شاشة. تحتاج شاشة تُجيب: أين الهدر؟ متى؟ ولماذا؟
-
طبّق تنبيهات ذكية قبل الأتمتة الكاملة
- البداية الجيدة هي توصيات (Advisory) للمشغلين، ثم تنتقل للأتمتة بعد بناء الثقة.
-
قِس النتائج أسبوعياً
- وفر الطاقة/المياه، وقت الاستجابة للأعطال، عدد الإنذارات الكاذبة.
جملة تصلح كقاعدة عمل: “ما لا يُقاس بدقة، لن يُدار بكفاءة—والذكاء الاصطناعي لا يتنبأ من فراغ.”
أين يأخذنا هذا ضمن سلسلة “الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز”؟
الجواب المباشر: الدرعية تُظهر أن الذكاء الاصطناعي يبدأ من التشغيل، ثم يمتد إلى التخطيط والتواصل وأتمتة الأعمال.
ضمن سياق السلسلة، كثيرون يربطون الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بتطبيقات كبرى مثل تحسين الإنتاج أو نمذجة المكامن. هذا صحيح، لكنه ليس البداية الأسهل. البداية الأسرع غالباً هي التشغيل وإدارة المرافق: طاقة، مياه، مبانٍ، أمن، صيانة. هناك مكاسب فورية، وفوقها تبني أساس بيانات يسمح لاحقاً بتطبيقات أعمق.
إذا كنت تقود تحولاً رقمياً في شركة طاقة، فالسؤال العملي الذي يستحق وقتك الآن هو: هل لدينا منصة تشغيل موحّدة تُظهر العلاقات بين الطاقة والمياه والمعدات والأمن؟ أم أننا ما زلنا ندير كل جزء على حدة؟
الخطوة التالية واضحة: ابدأ بمشروع تجريبي صغير، لكن صمّمه كأنه نواة لمنظومة أكبر. لأن الدرس الذي تقدمه الدرعية بسيط: يمكن للتقنية أن تحمي الهوية… وفي نفس الوقت تخفّض الاستهلاك وتزيد الاعتمادية.