ارتفاع الشمس في الصين إلى 22 جيجاواط لا يعني طفرة بقدر ما يعكس انضباطاً. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي شركات الطاقة السعودية على نمو متوازن.

انضباط الشمس في الصين: كيف يوجّه الذكاء الاصطناعي نمو الطاقة بالسعودية
وصلت تركيبات الطاقة الشمسية في الصين خلال شهر نوفمبر إلى أعلى مستوى لها خلال ستة أشهر، بإضافة تقارب 22 جيجاواط من السعة الجديدة وفق بيانات هيئة الطاقة الوطنية. الرقم كبير، لكن الرسالة الأهم ليست “عودة طفرة” بقدر ما هي إشارة إلى انضباط في الإيقاع بعد سنة 2025 القاسية التي تميّزت بتقلبات سياسات، ورسوم، ووفرة قدرات إنتاجية ضغطت على السوق.
هذا النوع من “الارتفاع المنضبط” يهم السعودية أكثر مما يبدو. لأننا في سلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية» لا نبحث عن زيادة السعات فقط، بل عن كيفية بناء نمو يمكن تمويله وتشغيله وربطه بالشبكة وبيعه بثقة. الواقع؟ معظم خطط الطاقة تتعثر ليس بسبب نقص المشاريع، بل بسبب سوء توقيت التنفيذ وضعف دقة التنبؤ.
الصين أعطت مثالاً واضحاً: عندما تتغير السياسة، يندفع المطورون لتقديم المشاريع قبل الموعد النهائي، فتظهر “قمم تركيب” غير طبيعية، ثم يليها هدوء. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي: ليس لتلميع التقارير، بل لتقليل التذبذب، وخفض تكلفة القرار، وحماية الاستثمار من الوقوع في فخ “الزيادة غير القابلة للاستيعاب”.
لماذا لا تعني زيادة 22 جيجاواط «طفرة»؟
الإجابة المباشرة: لأن الزيادة قد تكون ناتجة عن تسابق تنظيمي (Policy Deadline Rush) أكثر من كونها طلباً مستداماً، وهذا يخلق قمماً مؤقتة لا تعكس صحة السوق على المدى الطويل.
في ملخص الخبر، يظهر أن 2025 كانت سنة صعبة: “اندفاعات سياسية” ورسوم جمركية وتخمة طاقة إنتاجية. هذه الثلاثية غالباً ما تقود إلى سلوك واحد: المطورون يقدّمون التنفيذ عندما تلوح نافذة تنظيمية، ثم يتباطؤون عندما تغلق.
ما الذي يحدث عادةً عند «تقديم المشاريع قبل الموعد»؟
عندما يصبح الموعد التنظيمي أهم من جاهزية الشبكة أو التمويل أو سلاسل الإمداد، تظهر آثار جانبية معروفة في أسواق الطاقة المتجددة:
- تكدّس طلبات الربط بالشبكة ثم تأخير تشغيل الأصول فعلياً.
- ضغط على المقاولين والمعدات يرفع التكاليف في الذروة ويخفض الجودة.
- سعات مركّبة على الورق لا تُترجم إلى طاقة مُباعة بسبب قيود الشبكة أو التخزين.
جملة قابلة للاقتباس: السعة المركّبة ليست قيمة بحد ذاتها؛ القيمة الحقيقية هي السعة التي يمكن ربطها وتشغيلها وتسويقها دون اختناق.
بالنسبة للسعودية، هذا الدرس ثمين لأن نمو المتجددة يتقاطع مع متطلبات الاستقرار الشبكي، ومع تحولات الطلب الصناعي، ومع مشاريع الهيدروجين الأخضر، ومع أهداف الاستدامة ضمن برامج وطنية.
درس الصين الذي يهم السعودية: النمو المنضبط يتفوق على “القمم”
الإجابة المباشرة: النمو المنضبط يعني مواءمة التنفيذ مع قدرة الشبكة وسلاسل الإمداد والتمويل، لتقليل المخاطر وتثبيت العوائد؛ وهذه مهمة مثالية للذكاء الاصطناعي.
التوسع السريع قد يبدو جذاباً في العناوين، لكنه قد يخلق ما لا تراه في الجداول: مخاطر مالية وتشغيلية وتنظيمية. وفي سوق مثل السعودية—حيث المشاريع كبيرة، وحساسية الموثوقية عالية، والربط الشبكي أولوية—الانضباط ليس ترفاً.
تشابه المشهد: السياسة تقود الإيقاع… ثم يدفع السوق الثمن
الصين تُظهر كيف أن تغيّر السياسة أو الرسوم يمكن أن يحرك السوق فجأة. والسعودية، بحكم طبيعة القطاع، تعرف هذه الديناميكية أيضاً ولكن بأشكال مختلفة: تغييرات متطلبات المحتوى المحلي، تعديلات التعرفة، تسلسل طرح المناقصات، وتطورات المواصفات الفنية.
الفرق الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي هنا ليس “التنبؤ بالمستقبل” بشكل سحري، بل بناء نظام قرار يقرأ الإشارات مبكراً، ويحوّلها إلى خطط تشغيل وشراء وتنفيذ أكثر اتزاناً.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي في الطاقة السعودية؟ ثلاث استخدامات عملية تُقلل التذبذب
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يقلل التذبذب عبر التنبؤ، وتحسين الجدولة، وكشف الاختناقات قبل حدوثها—في المتجددة وكذلك في النفط والغاز.
هذه النقطة تربط مباشرة بين خبر الصين وموضوع السلسلة. لأن ما نحتاجه ليس “نمو أكثر” فقط، بل نمو أذكى.
1) التحليلات التنبؤية لتفادي فائض السعة أو نقصها
عندما تتوسع الطاقة الشمسية بسرعة، تظهر أسئلة مزعجة: هل ستستوعب الشبكة؟ هل الطلب الصناعي سيتزامن؟ هل التخزين متاح؟
الذكاء الاصطناعي يمكنه دمج بيانات متعددة لبناء توقعات تشغيلية قابلة للاستخدام:
- توقع إنتاج الشمس والرياح على مستوى المواقع (قصير ومتوسط المدى)
- توقع الأحمال حسب القطاعات (صناعة، سكني، تجاري)
- تقدير أثر الصيانة المجدولة أو الطارئة على الشبكة
- سيناريوهات السياسة (تغيرات تعرفة، حوافز، متطلبات ربط)
رأيي الواضح: الشركة التي ما زالت تبني خطتها على جداول ثابتة ومعدلات نمو خطية ستُفاجأ—إما بفائض غير مُستغل أو بعجز مكلف.
2) تحسين جدولة المشاريع (Project Scheduling) لتخفيف “قمم التنفيذ”
القمم التي تصنعها المواعيد التنظيمية ترفع تكلفة كل شيء. الذكاء الاصطناعي هنا يعمل كـ“منسق حركة” بين الفرق والمقاولين والموردين.
أمثلة مباشرة على ما يمكن تحسينه:
- جدولة التوريد حسب مخاطر التأخير وأسعار المواد وتقلبات الشحن.
- تسلسل التنفيذ وفق جاهزية الربط بالشبكة، لا وفق أسبقية توقيع العقد فقط.
- تخطيط الموارد (فرق التركيب، الاختبارات، السلامة) لتقليل ساعات التعطل.
النتيجة العملية: تنفيذ أكثر سلاسة، ومفاجآت أقل، وفاتورة أقل عند الإغلاق المالي.
3) إدارة الاختناقات الشبكية والتخزين قبل أن تصبح أزمة
توسع المتجددة قد يخلق “ازدحاماً” في الشبكة في أوقات الذروة الشمسية، مع حاجة لقدرات مرنة (تخزين، استجابة طلب، أو محطات مرنة). الذكاء الاصطناعي يستطيع:
- التنبؤ بالاختناقات على مستوى المحطات/المحولات/المغذيات
- اقتراح إجراءات تشغيلية (إعادة توزيع أحمال، تشغيل تخزين، جدولة صيانة)
- تحسين قرارات الاستثمار: أين نضع بطاريات؟ أين نعزز الشبكة أولاً؟
جملة قابلة للاقتباس: كل ريال يُصرف على تخفيف الاختناق قبل حدوثه، يوفر أضعافه من تكلفة المعالجة بعد أن يصبح واقعاً.
ماذا يعني ذلك لقطاع النفط والغاز في السعودية؟ نفس المنطق… لكن بيانات أكثر
الإجابة المباشرة: الانضباط الذي نراه في المتجددة ينطبق على النفط والغاز عبر تحسين التخطيط، وتقليل فواقد التوقف، ورفع كفاءة الصيانة والإمداد باستخدام الذكاء الاصطناعي.
قد يبدو خبرٌ عن الشمس بعيداً عن النفط والغاز، لكنه ليس كذلك. لأن “التذبذب” و“الإفراط في السعة” و“قيود سلاسل الإمداد” ليست مشاكل خاصة بالمتجددة.
تطبيقات مباشرة داخل النفط والغاز (ومتداخلة مع التحول الطاقي)
- الصيانة التنبؤية للمعدات الدوّارة والضواغط وخطوط الأنابيب لتقليل التوقف غير المخطط.
- تحسين الطاقة في المصافي عبر نماذج تعلم آلي تضبط التشغيل لتقليل الاستهلاك والانبعاثات.
- التخطيط المتكامل للمحافظ: مواءمة استثمارات التقليدي والمتجدد والتخزين ضمن “محفظة واحدة” بدل جزر منفصلة.
وهنا نقطة عملية: عندما تكون قرارات المتجددة منفصلة عن قرارات الغاز (كمصدر مرونة)، تزيد المخاطر. الذكاء الاصطناعي يساعد على رؤية النظام كاملاً وليس مشروعاً منفرداً.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مختصرة)
الإجابة المباشرة: نعم يمكن البدء سريعاً، لكن النجاح يتطلب بيانات جيدة وحوكمة واضحة وحالات استخدام مرتبطة بمؤشرات أداء.
هل نحتاج “بيانات مثالية” قبل البدء؟
لا. ابدأوا بأفضل ما لديكم، لكن ضعوا خطة لرفع الجودة خلال 90 يوماً: توحيد مصادر البيانات، إزالة التكرار، وتعريف “مصدر الحقيقة” لكل مؤشر.
ما أول حالة استخدام تعطي عائداً سريعاً؟
عادةً: التنبؤ بالأحمال والإنتاج أو الصيانة التنبؤية. لأنها ترتبط مباشرة بخفض تكلفة التشغيل وتقليل الانقطاعات.
كيف نتجنب أن يصبح الذكاء الاصطناعي مشروعاً تجريبياً بلا أثر؟
اربطوا كل نموذج بـ KPI واضح (مثل خفض ساعات التوقف، أو تقليل كلفة التوريد، أو تقليل القيود الشبكية)، وعيّنوا مالك عمل (Business Owner) مسؤولاً عن النتائج.
خطوات عملية لشركات الطاقة السعودية خلال 60 يوماً
الإجابة المباشرة: حدّدوا أين يحدث التذبذب، ابنوا لوحة قيادة مشتركة، وابدأوا نموذجاً تنبؤياً واحداً يخدم قراراً واحداً.
إذا كنت تقرأ هذا وأنت في شركة كهرباء، أو مطور متجددة، أو شركة نفط وغاز، فهذه خطة واقعية لا تحتاج ميزانيات ضخمة لتبدأ:
- رسم خريطة التذبذب: أين تظهر القمم؟ في التوريد؟ الربط؟ الموافقات؟ الصيانة؟
- تجميع البيانات التشغيلية في طبقة واحدة: SCADA/EMS، جداول المشاريع، التوريد، الصيانة، الطقس.
- بناء نموذج تنبؤ واحد: اختناق الشبكة، أو إنتاج شمسي، أو احتمالية فشل أصل.
- تفعيل قرار تشغيلي مرتبط بالنموذج: إعادة جدولة، أو شراء مخزون، أو توجيه فرق صيانة.
- مراجعة شهرية: ما الذي تحسن؟ ما الذي لم يتحسن؟ ولماذا؟
هذه ليست رفاهية تقنية. هذا أسلوب عمل.
ما الذي تخبرنا به الصين… وما الذي يمكن للسعودية فعله الآن؟
زيادة تركيبات الشمس في الصين إلى 22 جيجاواط في نوفمبر تبدو كعودة قوية، لكنها في العمق رسالة عن إدارة الإيقاع في سوق تعرّض لهزات. الدرس واضح: عندما تتدخل السياسة والرسوم والقدرات الفائضة، يصبح التخطيط التقليدي أضعف من أن يحمي العائد.
بالنسبة لموضوع سلسلتنا حول تحويل قطاع الطاقة والنفط والغاز في السعودية بالذكاء الاصطناعي، أنا أرى أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي الآن هو: تحويل النمو إلى عملية قابلة للضبط—تنبؤات أدق، وجدولة أهدأ، وشبكة أكثر استعداداً.
إذا كانت الصين تُظهر كيف يصنع الموعد التنظيمي “قمة”، فالسؤال الذي يستحق التفكير في 28/12/2025 هو: هل نريد نمواً سريعاً يربك التشغيل… أم نمواً منضبطاً ترفعه البيانات ويثبته الذكاء الاصطناعي؟