الذكاء الاصطناعي والطاقة: دروس الدرعية لقطاع النفط والغاز

كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعوديةBy 3L3C

كيف تحوّل الدرعية التشغيل الذكي إلى وفورات طاقة ومياه قابلة للقياس—وما الذي يمكن لقطاع النفط والغاز في السعودية نسخه عبر الذكاء الاصطناعي.

AI في الطاقةالتحول الرقميمدن ذكيةنفط وغازاستدامةIT/OTتشغيل المرافق
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي والطاقة: دروس الدرعية لقطاع النفط والغاز

الذكاء الاصطناعي والطاقة: دروس الدرعية لقطاع النفط والغاز

قبل أن نتحدث عن النفط والغاز، خلّنا نبدأ من مكان قد يبدو بعيدًا عن الحقول والمنصّات: الدرعية. هناك، تم ربط أنظمة الطاقة والمياه والإنارة والأمن والنقل في لوحة تحكّم واحدة تُدار بالبيانات لحظة بلحظة. النتيجة ليست “مدينة أجمل” فقط—بل تشغيل أكثر كفاءة بأرقام واضحة: خفض استهلاك الطاقة بنسبة 10–20%، وتقليل فاقد المياه حتى 25%، وتحسين كفاءة المباني بنسبة 30% مقارنة بالمتوسطات.

هذا النوع من “التشغيل الذكي” هو نفس الفكرة التي يطاردها قطاع الطاقة في السعودية الآن: كيف نحصل على كفاءة أعلى، انبعاثات أقل، واستجابة أسرع للحوادث—من دون تعقيد تشغيلي يبتلع الميزانيات. قصة شراكة الدرعية مع شنايدر إلكتريك تقدّم لنا نموذجًا عمليًا يمكن إسقاطه مباشرة على المصافي، محطات المعالجة، شبكات الكهرباء، ومرافق الحقول.

في هذه الحلقة من سلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية»، سأتعامل مع مشروع الدرعية كـ دراسة حالة: ما الذي نجح؟ وما الذي يمكن لمديري الطاقة والعمليات وفرق السلامة والاستدامة تعلّمه وتطبيقه خلال 2026؟

الدرعية ليست “مدينة ذكية” فقط… هي نموذج تشغيل بياناتي

الإجابة المباشرة: ما يجعل الدرعية مهمّة لقطاع الطاقة ليس الطابع التراثي، بل فكرة توحيد التشغيل عبر منصة واحدة تقرأ الواقع التشغيلي لحظيًا وتحوّله إلى قرارات.

في المشروع، تم تطبيق مركز عمليات موحّد AVEVA Unified Operations Center لإدارة منظومة متعددة التخصصات: طاقة، مياه، إنارة، أمن، حركة مرور، نفايات. هذا التوحيد يخلق قيمة فورية لأن المشكلة الأكبر في التشغيل ليست نقص الأجهزة، بل تشتّت البيانات بين أنظمة لا تتحدث مع بعضها.

ماذا تعني “منصة موحّدة” عمليًا؟

في بيئات النفط والغاز والطاقة، البيانات غالبًا موزعة بين:

  • SCADA للتحكم والمراقبة
  • BMS لإدارة المباني والمرافق
  • CCTV للأمن
  • أنظمة صيانة وإدارة أصول (مثل أنظمة أوامر العمل)

عندما تُجمع هذه المصادر في “صورة تشغيلية واحدة”، تصبح الأسئلة اليومية أبسط:

  • أين يرتفع الاستهلاك خارج النطاق الطبيعي؟
  • ما أصل المشكلة: حمل كهربائي زائد، تسرب مياه، عطل في مضخّة، أم إعدادات تشغيل؟
  • هل هذا الإنذار حقيقي أم ضوضاء؟ ومن يجب أن يتحرك الآن؟

الدرعية قدّمت نتيجة رقمية مهمّة: تقليل التعقيد التشغيلي بنسبة 40% عبر دمج الأنظمة، مع قابلية توسّع تصل إلى 50% دون إعادة تصميم جذري. هذه أرقام يعرفها أي مدير عمليات: التعقيد هو كلفة صامتة تتضخم مع الوقت.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من “عرض البيانات” إلى “التنبؤ والقرار”

الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي لا يبدأ بالنماذج، بل يبدأ حين يصبح لديك بيانات موحّدة موثوقة. بعدها فقط يصبح التنبؤ والتحسين ممكنين.

المقال يصف الدرعية كمدينة “تتحدث لغة الذكاء الاصطناعي” عبر منصة رقمية تعمل كنبض خفي. حتى لو لم يُسَمِّ كل استخدام على أنه “نموذج ذكاء اصطناعي”، فالفكرة الأساسية هي نفسها: مراقبة، تحليل لحظي، وتحسين تشغيلي مستمر.

3 تطبيقات AI يمكن إسقاطها مباشرة على الطاقة والنفط والغاز

  1. الصيانة التنبؤية للأصول الحرجة
  • المضخات، الضواغط، المحولات، وحدات التبريد…
  • بدل جدول صيانة ثابت، يتم التنبؤ بالخلل عبر أنماط الاهتزاز والحرارة والضغط واستهلاك الطاقة.
  • العائد: تقليل التوقفات غير المخطط لها، ورفع التوافر التشغيلي.
  1. تحسين الطاقة في المرافق (Energy Optimization)
  • أحيانًا “ترشيد الطاقة” ليس مشروع استبدال معدات؛ بل إعادة ضبط إعدادات التشغيل.
  • في الدرعية نتحدث عن خفض 10–20%. في منشآت الطاقة، يمكن أن تأتي وفورات مشابهة من:
    • ضبط أوقات التشغيل
    • اكتشاف الأحمال الوهمية
    • تحسين كفاءة أنظمة الهواء المضغوط والتبريد
  1. التحكم بالانبعاثات وجودة الهواء عبر الاستشعار والتحليل
  • الدرعية سجّلت انخفاضًا 20% في ملوثات الهواء خلال السنة الأولى.
  • في النفط والغاز، المنطق نفسه ينطبق على:
    • الانبعاثات من المداخن
    • مراقبة التسربات
    • تحسين الاحتراق

الفكرة هنا واضحة ومقتبسة عمليًا: “ما لا تقيسه لن تديره.” والذكاء الاصطناعي يجعل القياس يتحول إلى قرار.

الاستدامة ليست شعارًا… هي كفاءة قابلة للقياس

الإجابة المباشرة: أرقام الدرعية تُظهر أن الاستدامة يمكن أن تُدار كتشغيل يومي، لا كحملة علاقات عامة.

المشروع يدعم أهداف المملكة للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2060 عبر تقليل الاستهلاك والهدر وتحسين الكفاءة. ما يعجبني في هذه القصة أن الاستدامة هنا ليست “لوحة خضراء” في نهاية التقرير؛ بل مدمجة داخل إدارة المدينة.

ما الذي يمكن أن ينسخه قطاع النفط والغاز من هذا النهج؟

بدل الحديث العام عن “خفض الانبعاثات”، يمكن بناء برنامج تشغيلي يعتمد على مؤشرات يومية قابلة للمساءلة، مثل:

  • كثافة الطاقة لكل وحدة إنتاج
  • نسبة فاقد المياه في المرافق
  • عدد الإنذارات الحرجة المعالجة خلال زمن استجابة محدد
  • انحرافات الاستهلاك عن خط الأساس (Baseline)

وفي بيئات الحقول والمصافي، وجود لوحة موحّدة للعمليات يساعد فرق الاستدامة على ترك “لغة التقارير” لصالح لغة التشغيل: من أين يأتي الهدر بالضبط؟ وما الإجراء الذي يوقفه؟

من الدرعية إلى الحقول: خارطة طريق تطبيقية خلال 90 يومًا

الإجابة المباشرة: أفضل طريقة لبدء التحول بالذكاء الاصطناعي في الطاقة هي مشروع صغير، محدد، ببيانات متاحة—ثم التوسع.

إذا كنت تعمل في شركة نفط وغاز أو مرافق طاقة بالسعودية وتفكر: “جميل… لكن من أين أبدأ؟” فهذه خطة عملية رأيتها تنجح لأنها تتجنب مشروعًا ضخمًا يعلق في مرحلة الشراء والتكامل.

1) حدّد “حالة استخدام” واحدة لها أثر مالي واضح

اختر سيناريو واحدًا فقط، مثل:

  • خفض استهلاك الطاقة في محطة معالجة
  • تقليل فاقد المياه في مرافق سكنية/تشغيلية
  • تقليل التوقفات غير المخطط لها لمعدة حرجة

2) اجمع البيانات و”نظّفها” قبل أي ذكاء اصطناعي

أكثر المشاريع فشلًا تبدأ بالنماذج قبل البيانات. المطلوب خلال أول 30 يومًا:

  • قائمة مصادر البيانات (SCADA/عدادات/سجلات صيانة)
  • تعريف موحّد للمؤشرات
  • معالجة الفجوات (قراءات مفقودة، اختلاف وحدات، تكرار)

3) ابنِ لوحة تشغيل موحّدة ثم أضف التحليلات

اللوحة الموحدة ليست “ديكورًا”. هي نقطة التقاء بين IT وOT.

  • الدرعية دمجت SCADA وBMS وCCTV في منظومة واحدة.
  • في النفط والغاز، يمكن البدء بدمج القياسات التشغيلية مع الصيانة، ثم الأمن والسلامة لاحقًا.

4) ضع قواعد للأمن السيبراني من اليوم الأول

وفق ما ورد في التجربة، تحسين الحماية ساهم في تقليل المخاطر 30%. وفي قطاع الطاقة تحديدًا، الهجمات ليست احتمالًا نظريًا.

  • فصل الصلاحيات
  • سجل تدقيق
  • سياسات تحديثات واضحة
  • مراقبة سلوك الشبكة والأنظمة

5) خطط للتوسع دون إعادة بناء كل شيء

ميزة التوسع التي وصلت إلى 50% دون إعادة تصميم تعني أنك تبني منصة تُنمّي نفسها.

  • ابدأ بمرفق واحد
  • ثم توسّع إلى منطقة
  • ثم إلى شبكة كاملة

أسئلة شائعة يسمعها أي مدير طاقة (وإجابات واضحة)

هل الذكاء الاصطناعي مناسب لكل منشأة؟

نعم إذا كان لديك بيانات تشغيلية مستمرة وقرار تشغيلي يمكن تحسينه. إذا كانت البيانات متقطعة أو بلا مالك واضح، ابدأ أولًا بإصلاح الحوكمة.

هل الأفضل السحابة أم تشغيل داخلي؟

المنطق الواقعي في 2025/2026 هو حل هجين: بيانات حساسة تبقى داخل الموقع، وتحليلات وتقارير تعمل في بيئة سحابية مُدارة. في تجربة المشروع، الحلول السحابية/الهجينة ساعدت على خفض التكاليف 20–25% وتسريع الاستجابة التشغيلية.

أين يقع أكبر فخ؟

أن تشتري “منصة ذكاء اصطناعي” قبل أن تمتلك قصة تشغيل: من سيستخدم النتائج؟ ما القرار الذي سيتغير؟ وكيف ستقيس النجاح أسبوعيًا؟

لماذا تهم هذه القصة لقطاع الطاقة السعودي الآن؟

نهاية 2025 وبداية 2026 هي فترة تتكاثف فيها مشاريع البنية التحتية والتحول الرقمي في المملكة، ومعها يرتفع الضغط على فرق الطاقة والنفط والغاز لتحقيق ثلاثة أشياء في وقت واحد: استمرارية تشغيل، كفاءة أعلى، ومسار واضح للاستدامة.

الدرعية تقدم “برهان عمل” بأن التحول الرقمي لا يتعارض مع الهوية—وبنفس المنطق، التحول بالذكاء الاصطناعي في منشآت النفط والغاز لا يتعارض مع الانضباط والسلامة. العكس هو الصحيح: عندما تتوحّد البيانات ويُختصر التعقيد، يصبح التشغيل أكثر انضباطًا.

إذا كنت تبحث عن خطوة عملية تقود إلى نتائج خلال ربع سنة، فابدأ من السؤال التشغيلي الأكثر إلحاحًا لديك—واجمع له البيانات—وابنِ لوحة موحدة—ثم اجعل الذكاء الاصطناعي يعمل كطبقة قرار فوقها.

الآن السؤال الذي يستحق أن يوجّه ميزانية 2026: أي جزء من منظومتك الطاقية ما زال يُدار بالحدس، بينما يمكن إدارته بالبيانات؟

🇸🇦 الذكاء الاصطناعي والطاقة: دروس الدرعية لقطاع النفط والغاز - Saudi Arabia | 3L3C