تحديث «هيا» يقدّم درسًا عمليًا: المنصات الرقمية وقت الذروة تمنع التأخير. هكذا تُطبّق الفكرة في الطاقة السعودية عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

من «هيا» إلى الحقول: أتمتة الطاقة السعودية بالذكاء
في 30/11/2025 قررت قطر أن تختصر على زوارها من المقيمين في دول الخليج خطوات الدخول والتكرار، فحدّثت مزايا تأشيرة المقيمين عبر منصة «هيا» لتمنح إقامة حتى شهرين مع دخول متعدد خلال موسم مزدحم بالمباريات والفعاليات. هذا خبر سياحي في ظاهره… لكن رسالته أعمق: عندما يكون الضغط عاليًا، فإن المنصات الرقمية هي التي تمنع الطوابير من التحوّل إلى خسائر.
وهنا يهمّنا كمهتمين بسلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية»: نفس المنطق الذي يجعل منصة تأشيرات تعمل بكفاءة خلال ذروة الطلب، هو ذاته الذي يحتاجه قطاع الطاقة عند ذروة التشغيل—في المشاريع الكبرى، وعقود المقاولين، وتصاريح الدخول للمواقع، وإدارة آلاف الموردين، ومراجعات السلامة، وصولًا إلى تقارير الإنتاج. الفرق أن تكلفة التأخير في الطاقة ليست انزعاج زائر… بل توقف معدات، وغرامات، ومخاطر سلامة.
ما الذي تعلمنا إياه منصة «هيا» عن التحول الرقمي؟
الدرس المباشر: توحيد رحلة المستخدم في بوابة واحدة يقلّل الاحتكاك ويزيد الانسيابية. «هيا» ليست نموذجًا لتأشيرة إلكترونية فقط؛ هي بوابة تجمع معالجة الطلبات، ودعم متعدد اللغات، وتجربة دخول عبر نقاط وصول مختلفة، مع قابلية التوسع في مواسم الذروة.
وهذا يترجم إلى معادلة عملية يمكن لأي شركة طاقة في السعودية الاستفادة منها:
- بوابة واحدة بدل خمس بوابات: طلبات وتصاريح، مدفوعات، مرفقات، موافقات، تذاكر دعم.
- قواعد أهلية واضحة: من يحق له الدخول؟ ما المستند المطلوب؟ ما مدة الصلاحية؟
- دخول متعدد محسوب: ليس فتحًا بلا ضوابط؛ بل صلاحيات مبنية على الدور والاحتياج.
- جاهزية تشغيلية وقت الذروة: زيادة السعة، ومراقبة الأعطال، وتجربة مستخدم لا تنهار عند الضغط.
جملة تلخص الفكرة: إذا لم تستطع أن تدير “موسم الذروة” رقميًا، فأنت تدفع فاتورته في التشغيل.
أين يشبه قطاع الطاقة التأشيرات؟ (أكثر مما تتوقع)
الجواب المختصر: لأن الطاقة تُدار عبر “حركة أشخاص ووثائق وقرارات” بقدر ما تُدار عبر أنابيب ومضخات.
1) إدارة أصحاب المصلحة مثل إدارة الزوار
في مشاريع النفط والغاز، لا تتعامل مع جهة واحدة. هناك جهات تنظيمية، ومقاولون، وموردون، وفرق سلامة، ومختبرات فحص، وشركاء عبر الحدود. كل طرف لديه مستندات وموافقات ومواعيد. إذا كانت هذه الرحلة مفككة، يحدث الآتي:
- تأخر دخول فرق الصيانة للمواقع بسبب تصاريح غير مكتملة
- تكرار إدخال البيانات في أكثر من نظام
- صعوبة معرفة “من عالق؟ ولماذا؟”
حلّها يشبه «هيا»: منصة موحدة تُظهر الحالة لحظيًا وتُقلّل التكرار.
2) “الدخول المتعدد” في الطاقة = صلاحيات عمل متجددة
ميزة الدخول المتعدد في التأشيرات تقابلها في الطاقة صلاحيات مثل:
- تصاريح دخول مواقع (On-site Access)
- تصاريح العمل الساخن/البارد (Work Permits)
- تصاريح المركبات والمعدات
- اعتماد الموردين والفنيين
الذكاء الاصطناعي هنا لا يختصر “خطوة واحدة”، بل يختصر سلسلة كاملة عبر تحقق ذكي من الأهلية، وتنبيه قبل انتهاء الصلاحية، واقتراح المستندات الناقصة.
3) موسم الفعاليات = موسم المشاريع
قطر تستعد لكأس العرب 2025 وفعاليات مزدحمة، فتحتاج مرونة رقمية. وفي السعودية، مواسم الذروة تتكرر في:
- تشغيل المصافي خلال دورات الصيانة المجدولة (Turnaround)
- إطلاق مشاريع توسعة حقول أو خطوط نقل
- أعمال تكامل الأنظمة في مواقع متعددة
في هذه الحالات، “الضغط” ليس في عدد المسافرين، بل في عدد الطلبات التشغيلية والتصاريح والتذاكر والبلاغات. وما لم تكن البيانات مركزية، يصبح القرار متأخرًا دائمًا.
كيف يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة فعلية؟ 5 تطبيقات عملية قابلة للتنفيذ
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يُحوّل المنصة من «نموذج إلكتروني» إلى نظام يتوقع ويمنع التأخير.
1) أتمتة فرز الطلبات والتحقق من المستندات
بدل أن يراجع الموظف كل ملف يدويًا، يمكن لنماذج الرؤية الحاسوبية ومعالجة اللغة:
- استخراج بيانات الهوية والتراخيص تلقائيًا
- مطابقة المستندات مع القوائم المطلوبة حسب نوع العمل
- اكتشاف الأخطاء الشائعة (تاريخ منتهي، توقيع ناقص، نسخة غير واضحة)
النتيجة: تقليل زمن “الذهاب والإياب” بين مقدم الطلب وفريق الاعتماد.
2) مساعد ذكي للمقاولين والموردين (مثل مركز الاتصال متعدد اللغات)
منصة «هيا» تدعم عدة لغات على مدار الساعة. في الطاقة، الفكرة نفسها تخفف ضغط الفرق الإدارية عبر:
- بوت محادثة داخلي يجيب عن: متطلبات تصريح العمل، خطوات رفع المستندات، سياسات السلامة
- توجيه تلقائي للتذاكر حسب الأولوية والموقع
- تلخيص التذاكر الطويلة وتحويلها إلى نقاط عمل
أنا أميل إلى هذا النهج لأن “سوء الفهم” وحده يصنع تأخيرًا مكلفًا في المشاريع متعددة الأطراف.
3) التنبؤ بالاختناقات قبل وقوعها
إذا جمعت بيانات الطلبات والتذاكر ومواعيد المشاريع، تستطيع خوارزميات التنبؤ تحديد:
- أي موقع سيواجه ضغطًا أعلى الأسبوع القادم
- أي نوع تصاريح يتأخر عادة ولماذا
- من هم المقاولون الأعلى تسببًا في إعادة العمل الإداري
هذا النوع من التحليل يحوّل الإدارة من رد فعل إلى تخطيط.
4) إدارة الدخول للمواقع عبر “هوية رقمية” مرتبطة بالمخاطر
الدخول المتعدد في «هيا» يسهّل الحركة. في الطاقة، التسهيل يجب أن يكون مشروطًا بالمخاطر:
- ربط بطاقة العامل الرقمية بسجله التدريبي (HSE)
- منع إصدار تصريح حساس إذا كانت الشهادة منتهية
- رفع مستوى التدقيق تلقائيًا عند أعمال عالية الخطورة
هذه ليست رفاهية تقنية؛ هي طريقة عملية لخفض الحوادث الناتجة عن ثغرات إدارية.
5) قياس أثر التحول بلغة الإدارة: وقت وتكلفة ومخاطر
لكي يتحول مشروع المنصة إلى قرار مستمر، يجب أن يُقاس بوضوح. مؤشرات مثل:
- متوسط زمن إصدار تصريح عمل
- نسبة الطلبات التي تعاد بسبب نقص مستندات
- عدد التذاكر لكل 1000 عامل/مقاول
- الالتزام بمواعيد الحشد (Mobilization) للمشاريع
هذه مؤشرات “أقرب” لواقع التشغيل من مؤشرات عامة مثل “تحسن التجربة”.
خارطة طريق قصيرة لشركات الطاقة في السعودية: من بوابة رقمية إلى منصة ذكية
الجواب المباشر: ابدأ بتوحيد الرحلة، ثم أدخل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا في نقاط الاختناق.
المرحلة 1: توحيد القنوات (0–3 أشهر)
- بوابة واحدة لتصاريح المقاولين والدخول للمواقع ورفع المستندات
- نماذج موحدة وتقليل الحقول المتكررة
- لوحة متابعة لحظية للحالات (Submitted / In Review / Approved / Rejected)
المرحلة 2: أتمتة “الأكثر تكرارًا” (3–6 أشهر)
- استخراج بيانات المستندات تلقائيًا
- قواعد أهلية ورفض مبرر آليًا عند نقص واضح
- مركز دعم رقمي (بوت + تصعيد للموظف عند الحاجة)
المرحلة 3: ذكاء تنبؤي وحوكمة (6–12 شهرًا)
- تنبؤ بالاختناقات والأحمال التشغيلية
- حوكمة بيانات وهوية رقمية وصلاحيات دقيقة
- ربط المنصة بأنظمة الموارد البشرية والشراء والسلامة والعمليات
موقف واضح: كثير من المشاريع تفشل لأنها تبدأ بـ“ذكاء اصطناعي” قبل أن ترتّب البيانات والرحلة. المنصة أولًا، ثم الذكاء.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)
هل هذا ينفع في مواقع نائية وضعف الاتصال؟
نعم، بشرط تصميم وضع عدم الاتصال لبعض العمليات (تجميع الطلبات محليًا ثم المزامنة)، مع تبسيط المرفقات وتقليل الاعتماد على رفع ملفات كبيرة.
هل سيزيد المخاطر الأمنية؟
سيزيدها إذا كانت الهوية والصلاحيات مرتجلة. لكنه يقللها عادةً عندما تُطبق إدارة هوية مركزية، ومراجعات صلاحيات دورية، وتسجيل تدقيق (Audit Logs) لكل إجراء.
ما أول عملية يجب أتمتتها؟
أقترح البدء بـ التحقق من المستندات المتكررة وتصنيف الطلبات. هذا يعطي أثرًا سريعًا ويقلل الضغط عن الفرق البشرية.
لماذا هذا مهم الآن في السعودية؟
نهاية 2025 ليست وقتًا “عاديًا”؛ المنطقة كلها تعيش مواسم فعاليات ومشاريع متزامنة، ومعها حركة أكبر للكوادر والمقاولين وسلاسل الإمداد. ومن واقع ما أراه في التحول الرقمي، أصعب ما في الذروة ليس زيادة الطلب… بل أن أنظمتك لا ترى الصورة كاملة.
قصة «هيا» تذكير عملي: بوابة رقمية متقنة + جاهزية تشغيلية تُحوّل التعقيد إلى تجربة بسيطة. وقطاع الطاقة السعودي يملك الفرصة نفسها—لكن على نطاق أكبر، وبعائد أعلى، ومخاطر لا تحتمل الترقيع.
إذا كنت تقود التشغيل أو التحول الرقمي في شركة طاقة أو نفط وغاز، فالسؤال الذي يستحق النقاش الآن: أي رحلة “تصاريح/موردين/مقاولين” لو تم توحيدها في منصة واحدة ستوفر عليكم أسبوعًا كاملًا في كل دورة مشروع؟