كيف يدعم الذكاء الاصطناعي تجربة العميل تحول الطاقة والنفط والغاز في السعودية؟ قراءة عملية لخبر Genesys وخطوات تطبيقية خلال 90 يومًا.

الذكاء الاصطناعي وتجربة العميل في الطاقة بالسعودية
55% نموًا سنويًا في إيرادات الاشتراكات السحابية داخل السعودية—هذا الرقم وحده يشرح لماذا تتسابق منصات تجربة العميل المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوطين بنيتها السحابية في المملكة. وفي 24/12/2025 عند 03:42 م، تحدثت Genesys من الرياض عن خطتها لإطلاق منطقة سحابية كاملة الخدمات داخل السعودية بحلول نهاية 2026، مع رسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي لا ينجح عندما يعمل وحده، بل عندما يعمل «كتفًا بكتف» مع البشر لتقديم تجربة شخصية متعاطفة.
قد يبدو هذا الخبر بعيدًا عن قطاع الطاقة والنفط والغاز، لكنه في الواقع قريب جدًا. لأن التحول في المملكة لم يعد مقتصرًا على رقمنة العمليات التشغيلية داخل الحقول والمصافي. التحول الحقيقي يصل الآن إلى الواجهة: كيف تتواصل شركات الطاقة مع العملاء الصناعيين، ومع الموردين، ومع المقاولين، ومع الجهات المنظمة، وحتى مع الموظفين على خطوط التشغيل. هنا بالضبط تظهر فكرة «اقتصاد التجربة»—ولماذا تُعد منصة تجربة عميل مدعومة بالذكاء الاصطناعي عنصرًا حاسمًا في تحديث قطاع الطاقة بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
لماذا أصبح «اقتصاد التجربة» مهمًا لقطاع الطاقة؟
الجواب المختصر: لأن الثقة والوضوح وسرعة الاستجابة أصبحت جزءًا من قيمة المنتج نفسه، حتى في القطاعات الثقيلة مثل النفط والغاز.
قطاع الطاقة تقليديًا يُقاس بالأمان والاعتمادية والتكلفة. هذا ما زال صحيحًا، لكن الواقع تغيّر:
- شركات البتروكيماويات والمصانع تريد تواصلًا لحظيًا حول توفر الإمدادات، وجدولة التسليم، ونوافذ الصيانة.
- الجهات الحكومية تتوقع قنوات خدمة رقمية متكاملة، قابلة للتتبع والتدقيق.
- المقاولون والموردون يريدون عمليات موافقات أسرع، ومعلومات دقيقة، وتقليل تبادل الإيميلات غير المنتهي.
في «اقتصاد التجربة» لا يكفي أن تكون الخدمة صحيحة؛ يجب أن تكون مريحة، شخصية، ومتناسقة عبر القنوات. وهذه نقطة أشار لها توني بيتس عندما تحدث عن مشكلات شائعة مثل تشتت رحلة العميل وضعف تسليم الحالات بين الفرق وخدمة غير شخصية. في الطاقة، هذه المشكلات تتسبب في شيء مكلف جدًا: توقفات، تأخيرات، ونزاعات تعاقدية.
التجربة ليست رفاهية… بل إدارة مخاطر
عندما تكون لديك سلسلة إمداد تمتد بين منشآت، وموانئ، وشبكات توزيع، وأطراف متعددة، فإن تجربة العميل/الشريك ليست «واجهة جميلة». إنها نظام يقلل:
- أخطاء الطلبات والشحن
- الازدواجية في البلاغات
- الوقت الضائع في التصعيد
- المخاطر التنظيمية عند غياب سجل موحد للتفاعل
توطين السحابة: لماذا يهم إطلاق منطقة Genesys Cloud داخل السعودية؟
الجواب المختصر: لأنه يختصر «فجوة الامتثال والحوكمة» التي تُبطئ كثيرًا من مبادرات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة.
عندما تُفكر شركة طاقة سعودية في منصة لإدارة التفاعلات (مراكز الاتصال، القنوات الرقمية، الدردشة، البريد، تطبيقات الخدمة الذاتية)، يظهر سؤالان فورًا: أين ستُعالج البيانات؟ وكيف ستُدار الحوكمة؟ وجود منطقة سحابية محلية كاملة الخدمات يرفع مستوى الاطمئنان للقطاعات المنظمة، ويسهل تصميم حلول متوافقة مع سياسات البيانات والخصوصية ومتطلبات التدقيق.
الأهم لقطاع النفط والغاز: توطين المنصة لا يعني فقط «مكان الاستضافة»، بل يعني القدرة على بناء تجارب ذكاء اصطناعي أقرب للواقع التشغيلي في المملكة: العربية بلهجاتها، المصطلحات الصناعية، والإجراءات المحلية.
من مركز تكلفة إلى محرك نمو… حتى في الطاقة
بيتس وصف انتقال نظرة القيادات لمراكز خدمة العملاء من «مركز تكلفة» إلى «محرك نمو وولاء». في الطاقة، ترجمة ذلك عملية جدًا:
- تحسين الاحتفاظ بالعملاء الصناعيين عبر دعم استباقي يقلل الأعطال والتأخيرات.
- زيادة فرص البيع الإضافي (مثل عقود صيانة، خدمات مراقبة، حلول كفاءة الطاقة) عبر فهم سياق العميل.
- تقليل تكلفة الخدمة عبر أتمتة الطلبات المتكررة دون تقليل جودة التجربة.
وهنا تظهر قيمة القياس الحديث: بدل أن ينحصر الأداء في «زمن المكالمة»، يصبح المعيار: هل قلّ زمن حل المشكلة؟ هل ارتفعت دقة الحل من أول تواصل؟ هل زاد الالتزام باتفاقيات مستوى الخدمة (SLA)؟
الذكاء الاصطناعي كزميل عمل: ما الذي يعنيه ذلك على أرض الواقع؟
الجواب المختصر: يعني أتمتة الأعمال المتكررة، ورفع جودة قرارات الموظف، وتوجيه التفاعل لمن يستحق التدخل البشري.
النقاش الأكثر حساسية دائمًا: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي البشر؟ ما طرحته Genesys واقعي: لا توجد اليوم موجة تخفيضات كبيرة بسبب الذكاء الاصطناعي في مراكز الخدمة، بل هناك إعادة توزيع للعمل—الآلة تتولى المتكرر، والإنسان يتولى المعقد.
في شركات الطاقة، «المعقد» ليس قليلًا: شكوى مرتبطة بسلامة، إشعار حادث، طلب عاجل لموقع حرج، اعتراض على فاتورة ضخمة، تعثر في سلسلة التوريد. هذه الحالات تحتاج تعاطفًا وحكمًا بشريًا، لكن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يجعل الموظف أسرع وأدق.
أمثلة تطبيقية في النفط والغاز
- تصنيف البلاغات تلقائيًا وربطها بأصل تشغيلي أو عقد محدد.
- ملخص فوري للتاريخ السابق قبل تحويل الحالة لمهندس أو مسؤول حساب.
- اقتراح ردود وإجراءات متوافقة مع السياسات الداخلية (Safety/Compliance).
- تنبؤ التصعيد: رصد مؤشرات الغضب/الإلحاح وتوجيهها لموظف خبير فورًا.
عبارة مناسبة لمدير عمليات: الذكاء الاصطناعي لا يُقلل عدد الناس بقدر ما يُقلل عدد «الخطوات المهدرة».
الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) في تجربة الطاقة
المرحلة التالية التي أشار لها بيتس هي الذكاء الاصطناعي الوكيلي: أنظمة تتعلم وتتخذ قرارات لحظية. في قطاع الطاقة، هذا يعني مثلًا:
- إذا كان العميل الصناعي يطلب تغيير جدول تسليم، يقوم النظام بفحص القيود، والتحقق من السعة، واقتراح بدائل، ثم يطلب موافقة بشرية عند النقاط الحساسة.
- إذا كان البلاغ مرتبطًا بمخاطر سلامة، يتم تعطيل الأتمتة فورًا وتوجيه الحالة لمسار طوارئ بشري.
الفكرة ليست «أتمتة كل شيء». الفكرة: فعل الشيء الصحيح في الوقت الصحيح وبالدرجة المناسبة من الدعم البشري.
تقليل التعقيد: لماذا الشراكات والمنصات المتكاملة تهم الشركات الصناعية؟
الجواب المختصر: لأن أكبر عدو لتجربة العميل هو الأنظمة المتفرقة التي لا تتحدث مع بعضها.
Genesys تحدثت عن شراكات عميقة مع منصات مثل Salesforce وServiceNow بهدف توحيد التجربة عبر الواجهة الأمامية والوسطى والخلفية. في قطاع الطاقة، هذه النقطة جوهرية؛ لأن رحلة «طلب خدمة» قد تمر عبر:
- فريق خدمة العملاء
- فريق العقود
- فريق المالية
- فريق العمليات الميدانية
- فريق سلسلة الإمداد
إذا كانت هذه الرحلة تتنقل بين أنظمة منفصلة، ستتضاعف الأخطاء ويضيع السياق. الحل الأكثر واقعية هو تبني منصة «تنسيق تجربة» قادرة على ربط القنوات الرقمية بسير العمل الداخلي.
نموذج عملي: رحلة بلاغ توقف إمداد
لتخيل الفرق، قارن بين سيناريوهين:
- السيناريو التقليدي: العميل يرفع بلاغًا، ثم يُطلب منه تكرار المعلومات، ثم ينتظر الرد، ثم يكتشف أن الطلب وصل لفريق غير مختص.
- سيناريو التنسيق بالذكاء الاصطناعي: البلاغ يُلتقط من القناة المناسبة، يُصنّف، يُربط بالعقد والموقع، يُتحقق من البيانات، تُرسل تحديثات استباقية، ويُسلَّم للفريق الصحيح مع ملخص.
النتيجة: وقت أقل، ضغط أقل على الفرق، وثقة أعلى لدى العميل.
كيف تبدأ شركات الطاقة في السعودية؟ خطة 90 يومًا واقعية
الجواب المختصر: ابدأ بحالتين استخدام واضحتين، وضع قياسًا دقيقًا، ثم وسّع تدريجيًا.
في عملي مع فرق التحول الرقمي، أكثر ما يُفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي هو البدء بمشروع ضخم بلا حدود. الأفضل اتباع نهج صغير لكنه محسوب.
الخطوة 1: اختر حالتين استخدام ذات أثر واضح
أمثلة مناسبة لقطاع النفط والغاز:
- أتمتة الاستفسارات المتكررة حول الفواتير/أوامر الشراء/حالة الشحنة
- مركز موحد لبلاغات المقاولين مع تصنيف ذكي وتوجيه فوري
الخطوة 2: جهّز بياناتك التشغيلية للخدمة لا للتحليل فقط
الذكاء الاصطناعي في تجربة العميل يحتاج:
- قاموس مصطلحات صناعية عربي/إنجليزي
- سياسات ردود معتمدة (Compliance)
- ربط واضح بين العميل–العقد–الموقع–الأصل التشغيلي
الخطوة 3: صمّم «نقاط تسليم» واضحة بين الآلة والإنسان
ضع قواعد مثل:
- ما الحالات التي تُدار ذاتيًا؟
- ما الحالات التي تتطلب تدخلًا بشريًا من البداية؟
- ما الحالات التي تبدأ آليًا ثم تتحول لبشر عند تجاوز عتبة معينة؟
الخطوة 4: قِس ما يهم الإدارة التنفيذية
بدل مؤشرات شكلية، ركّز على:
- زمن الحل من أول تواصل (First Contact Resolution)
- الالتزام بـ SLA
- خفض زمن التعطّل المرتبط بالتواصل (Communication-Driven Downtime)
- رضا العملاء الصناعيين والمقاولين
أسئلة شائعة يطرحها قادة الطاقة حول منصات تجربة العميل بالذكاء الاصطناعي
هل تصلح منصات تجربة العميل لقطاع B2B الصناعي؟
نعم، وغالبًا أثرها أعلى من B2C لأن كل حالة قد تكون مرتبطة بعقد كبير أو تشغيل حرج.
هل الأتمتة تعني فقدان اللمسة الإنسانية؟
إذا صُممت صح، العكس هو الصحيح: الأتمتة تُفرغ وقت الموظف للحالات التي تحتاج تعاطفًا وخبرة. المشكلة ليست في الأتمتة، بل في الأتمتة «العمياء».
أين تكمن المخاطر الأكبر؟
في الحوكمة: من يوافق على ردود الذكاء الاصطناعي؟ كيف تُسجل القرارات؟ ما حدود البيانات التي يُسمح للنموذج برؤيتها؟ هذه الأسئلة يجب أن تُحسم قبل التوسع.
ما الذي يعنيه هذا ضمن سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة”؟
الدرس الأهم من خبر Genesys ليس أن منصة معينة ستفتح منطقة سحابية محلية. الدرس أن الذكاء الاصطناعي في السعودية ينتقل من مشاريع داخلية معزولة إلى قدرات مؤسسية قابلة للتوسع والامتثال—وهذا بالضبط ما يحتاجه قطاع الطاقة والنفط والغاز.
إذا كانت رؤية 2030 تدفع نحو خدمات رقمية أسهل، ومهارات أعلى، وتجارب أكثر سلاسة للجهات والأفراد، فشركات الطاقة ليست على الهامش. هي في قلب هذا التحول. والفرق بين شركة تتبنى الذكاء الاصطناعي كـ«أداة» وشركة تتبناه كـ«نظام تجربة متكامل» سيظهر في مكان واحد: ثقة العملاء والشركاء عندما يحدث الضغط.
الخطوة التالية التي أنصح بها: اختر نقطة احتكاك واحدة تؤلم العملاء اليوم—بلاغات المقاولين، متابعة الشحنات، أو مركز الخدمة الصناعي—وابنِ لها تجربة منسقة بالذكاء الاصطناعي خلال ربع سنة. بعدها فقط، فكّر في التوسع.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح داخل كل شركة طاقة الآن: هل نعامل تجربة العميل كواجهة خدمة… أم كجزء من استمرارية التشغيل وإدارة المخاطر؟