كيف يكشف Big 5 Construct Saudi مسار تبنّي الذكاء الاصطناعي في البناء—وما الدروس العملية القابلة للنقل إلى الطاقة والنفط والغاز ضمن رؤية 2030.

الذكاء الاصطناعي يعيد تصميم البناء… ودروسه لقطاع الطاقة
قبل سنوات قليلة، كانت عبارة “الذكاء الاصطناعي في التصميم” تبدو كترفٍ تجريبي داخل مكاتب معمارية محدودة. اليوم، صارت جزءًا من برنامج محتوى رئيسي في أحد أكبر تجمعات قطاع البناء بالمملكة. هذا التحول ليس تفصيلاً صغيرًا؛ لأنه يعكس نمطًا أوسع يحدث تحت مظلة رؤية 2030: القطاعات التي تعمل على مشاريع عملاقة تتجه تلقائيًا نحو البيانات والأتمتة—والبناء ليس استثناءً، تمامًا كما هو الحال في الطاقة والنفط والغاز.
في يناير 2026 (18–21/01/2026)، تأتي نسخة يناير من معرض Big 5 Construct Saudi في “واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات” بمحتوى موسّع: Architects Leaders Forum Saudi وBig 5 Talks وCIAAD Masterclasses. الملفت هنا ليس الأسماء، بل الموضوعات: الذكاء الاصطناعي، سير العمل الرقمي، الاستدامة القابلة للقياس، وابتكار الواجهات. إذا كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز، فهذه ليست “أخبار عمارة” بعيدة عنك؛ بل مرآة لما يحدث في قطاعك—وبعض الدروس جاهزة للنقل.
الجملة التي تلخّص المشهد: عندما تصبح المشاريع أعقد وأكبر، يصبح الذكاء الاصطناعي خيار تشغيل لا خيار تجميل.
لماذا يهم قطاع البناء لخبراء الطاقة والنفط والغاز؟
الجواب المباشر: لأن البناء حاليًا يختبر على أرض الواقع ما يحتاجه قطاع الطاقة غدًا—وبسرعة. في المشاريع العملاقة، تتكرر نفس التحديات عبر القطاعات:
- تضخم نطاق المشروع وتداخل أصحاب المصلحة
- جداول زمنية ضاغطة وتغيرات تصميم متتابعة
- مخاطر سلامة وجودة مرتفعة
- أهداف استدامة تحتاج أرقامًا لا شعارات
- فجوة مهارات رقمية بين الفرق والمقاولين
هذه هي نفس “لغة العمليات” في المنشآت النفطية، محطات الطاقة، شبكات الغاز، ومشاريع الهيدروجين. الفرق فقط في نوع الأصل (Asset)؛ أما المنطق التشغيلي فمتشابه.
ما يعجبني في برامج مثل Big 5 Talks وCIAAD Masterclasses أنها تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة عمل يومية: جدولة، تنبؤ بالمخاطر، تخطيط تنفيذي، وتحسين أداء—وهي نفس قائمة الاستخدامات الأكثر واقعية في الطاقة.
من “الفكرة” إلى “المعيار”: ما الذي يقدمه Big 5 Construct Saudi فعليًا؟
الجواب المباشر: البرنامج يركّز على حلول قابلة للتطبيق بدل العروض العامة. هذا مهم لأن كثيرًا من مبادرات الذكاء الاصطناعي تفشل عندما تبقى “استراتيجية” دون مسار تشغيلي.
1) Architects Leaders Forum Saudi: قيادة التصميم ببيانات لا بانطباعات
المنتدى (18–19/01/2026) يضع الذكاء الاصطناعي داخل سياق القيادة: كيف يقود المعماريون والمخططون التحول الحضري مع الحفاظ على الهوية الثقافية والملاءمة المناخية.
الأهم من ذلك هو محور التصميم المدفوع بالبيانات. في العادة، التحدي ليس توفر الأدوات، بل الإجابة عن سؤالين عمليين:
- ما البيانات التي نثق بها لاتخاذ قرار تصميمي أو هندسي؟
- كيف نربط قرار اليوم بتكلفة التشغيل والصيانة بعد 10 سنوات؟
في الطاقة، هذه هي قصة التوأم الرقمي والصيانة التنبؤية. وفي البناء، تتحول إلى نماذج أداء تتنبأ باستهلاك الطاقة الحرارية، وسلوك الواجهات، ونتائج الخيارات المادية مبكرًا.
درس قابل للنقل لقطاع النفط والغاز: لا تبدأ الذكاء الاصطناعي من “اختيار منصة”، بل من قرار متكرر مكلف تريد تحسينه. القرار هو وحدة العمل.
2) Big 5 Talks: الذكاء الاصطناعي كسير عمل (Workflow) لا كمنتج
Big 5 Talks ممتدة طوال أيام المعرض الأربعة، وبحسب المحتوى المنشور، تناقش موضوعات مثل:
- اعتماد سير عمل رقمي قائم على النماذج (Model-based workflows)
- استخدام الذكاء الاصطناعي في الجدولة وإدارة المخاطر والتخطيط التنبؤي
- تحسين الواجهات لتحقيق الراحة الحرارية مع الالتزام بمعايير السلامة
- استراتيجيات دائرية في الاستدامة (تقليل هدر المواد وإعادة الاستخدام)
هذه النقطة هي “الذهب” لأي مدير مشروع في الطاقة: الذكاء الاصطناعي يصبح مفيدًا عندما يدخل في سير عمل الفريق الحالي (التخطيط، المشتريات، مراقبة التقدم، إدارة التغيير)، وليس عندما يُطلب من الفريق أن “يعمل بطريقة جديدة بالكامل”.
مثال عملي (منطقي ومألوف للطاقة):
- في مشروع محطة أو وحدة معالجة، يتغير نطاق الأعمال ويتأخر توريد معدات.
- خوارزمية تخطيط تنبؤي تربط تغييرات التصميم بسلسلة الإمداد والموارد على الموقع.
- النتيجة التي نبحث عنها ليست لوحة جميلة، بل إعادة جدولة تقلل التعارضات وتكشف اختناقات قبل أن تصبح أزمة.
3) CIAAD Masterclasses: تدريب مُعتمد على الذكاء الاصطناعي والاستدامة
إدخال CIAAD Masterclasses لأول مرة هذا العام ليس حركة تسويقية فقط؛ بل اعتراف بأن الفجوة الأساسية هي الكفاءة المهنية. في الطاقة والنفط والغاز، نرى نفس المشكلة: الأدوات متاحة، لكن تبنّيها يحتاج لغة مشتركة بين الهندسة، والعمليات، وتقنية المعلومات، والاستدامة.
الماستر كلاس الأولى: “الذكاء الاصطناعي كمحفز لعمارة واستجابة تصميمية” تركّز على:
- منهجيات توليدية وتنبؤية (Generative & Predictive)
- حالات واقعية وأبعاد أخلاقية
- تحسين الموارد وأداء المبنى
الماستر كلاس الثانية: “من الرؤية إلى الواقع: تصميم الاستدامة للتحول المجتمعي” تركّز على:
- تحويل مبادئ الاستدامة إلى أثر قابل للقياس
- منهجيات دائرية وتجديدية
- تعاون متعدد القطاعات
الربط مع سلسلة مقالاتنا عن الطاقة: نفس المنطق ينطبق على منشآت الطاقة—النجاح ليس في إعلان “نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي”، بل في بناء قدرة مؤسسية: تدريب، حوكمة بيانات، وأخلاقيات استخدام، ومقاييس أداء.
ما الذي تتعلمه الطاقة والنفط والغاز من “ذكاء” قطاع البناء؟
الجواب المباشر: ثلاثة أنماط تطبيق تتكرر، ويمكن تبنّيها بسرعة في أصول الطاقة.
1) ابدأ من التخطيط التنبؤي للمشاريع (وليس من التشغيل فقط)
كثير من شركات الطاقة تركز على الذكاء الاصطناعي في التشغيل (Operations) وتنسى أن أكبر نزيف تكلفة يحدث أثناء التنفيذ: تغييرات، تأخير، تباين جودة.
ما يطرحه Big 5 Talks حول الجدولة والمخاطر يشير لاتجاه عملي:
- نماذج تتعلم من مشاريع سابقة
- تربط الأنشطة بالمخاطر والتوريد والموارد
- وتنتج سيناريوهات “ماذا لو” بشكل سريع
إجراء بسيط يمكنك البدء به خلال 30 يومًا:
- اختر نوع مشروع متكرر (مثلاً: توسعة، خطوط أنابيب قصيرة، محطات فرعية)
- اجمع بيانات 10–20 مشروعًا سابقًا: مدة الأنشطة، أسباب التأخير، تغييرات النطاق
- ابنِ نموذجًا أوليًا للتنبؤ بأكبر 3 مصادر تأخير
2) وحّد اللغة بين الفرق عبر نموذج بيانات واحد
في البناء، الحديث عن “سير عمل قائم على النماذج” يعني تقليل سوء الفهم بين التصميم والتنفيذ. في الطاقة، نفس الفكرة تظهر كالتالي:
- توحيد تعريفات الأصول (Asset taxonomy)
- ربط بيانات الهندسة ببيانات الصيانة والسلامة
- التخلص من الجزر المعلوماتية
قاعدة واضحة: إذا كانت فرقك تختلف على تعريف “التوقف غير المخطط” أو “سبب العطل”، فلن ينقذك أي نموذج تعلم آلي.
3) الاستدامة تحتاج قياسًا مبكرًا وليس تقريرًا متأخرًا
الاستدامة في سياق المعرض ليست ديكورًا؛ بل مرتبطة بقرارات المواد والواجهات والحرارة. في الطاقة، الاستدامة تعني:
- تقليل الحرق والانبعاثات
- كفاءة الطاقة في المرافق
- تحسين إدارة المياه
- تقارير ESG دقيقة
الدرس: اربط أهداف الاستدامة بقرارات هندسية مبكرة (اختيار معدات، تصميم عمليات، عزل، استرداد حرارة)، ثم استخدم الذكاء الاصطناعي لقياس أثر القرارات قبل أن تتصلّب الخيارات.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون: هل الذكاء الاصطناعي “جاهز”؟
الجواب المباشر: نعم للمهام المتكررة القابلة للقياس، ولا للقرارات التي تفتقد بيانات موثوقة.
متى ينجح الذكاء الاصطناعي بسرعة؟
- عندما يكون لديك بيانات تاريخية كافية (حتى لو كانت غير مثالية)
- عندما تكون النتيجة قابلة للقياس: مدة، تكلفة، سلامة، هدر
- عندما يوجد مالك عمل (Business owner) واضح وليس “مشروع IT” فقط
أين يتعثر غالبًا؟
- غياب حوكمة البيانات (من يملك البيانات؟ من يصادق عليها؟)
- توقع نتائج فورية دون إعادة تصميم سير العمل
- الاعتماد على نموذج واحد دون خطة تحسين مستمر
خطوة عملية: كيف تستفيد شركتك من هذا الزخم في 2026؟
الجواب المباشر: حوّل “المحتوى والتعلم” إلى خطة تجريب (Pilot) قابلة للتوسع.
اقترح هذه الخريطة المختصرة لفرق الطاقة والنفط والغاز في المملكة:
- حدد حالة استخدام واحدة مرتبطة بألم واضح: جدولة، مخاطر، صيانة، جودة
- اختر بياناتك الدنيا اللازمة (Minimum viable data)
- عرّف مؤشرات نجاح رقمية: خفض تأخير بنسبة X، تقليل إعادة العمل بنسبة Y
- نفّذ تجربة 8–12 أسبوعًا مع فريق صغير متعدد التخصصات
- وثّق الدروس وقرر: توسع/تعديل/إيقاف
هذه ليست “وصفة مثالية”، لكنها أفضل بكثير من مشاريع ذكاء اصطناعي تمتد 18 شهرًا دون نتائج تشغيلية.
أين يلتقي “المدينة الذكية” مع “الطاقة الذكية” في السعودية؟
الجواب المباشر: في نفس العمود الفقري: البيانات، النماذج، والحوكمة.
ما نراه في Big 5 Construct Saudi من تركيز على الذكاء الاصطناعي وسير العمل الرقمي يوضح حقيقة بسيطة: مشاريع المدن لا تنجح بدون طاقة موثوقة وذكية، ومشاريع الطاقة لا تحقق أثرها بدون بنية مبنية تُدار ببيانات. رؤية 2030 تجمع الطرفين في نفس الساحة، وبنفس التحدي: تحويل الطموح إلى تشغيل يومي منضبط.
إذا كانت هذه المقالة جزءًا من سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”، فهذه هي الرسالة التي أريد تثبيتها: راقب كيف يتبنى قطاع آخر الأدوات نفسها، ستختصر سنوات من التجربة والخطأ.
السؤال الذي يستحق أن تطرحه على فريقك الآن: ما قرار المشروع أو التشغيل الذي نكرره كل أسبوع… ونقبل تكلفته كأنه قدر؟ عندما تجيب بوضوح، ستعرف أين تبدأ بالذكاء الاصطناعي.