صفقة OpenAI وAmazon تؤكد أن الحوسبة هي وقود الذكاء الاصطناعي. تعرّف كيف يستفيد قطاع الطاقة السعودي من البنية التحتية والشراكات لتطبيقات عملية.

قوة الحوسبة للذكاء الاصطناعي: ما تعنيه لطاقة السعودية
استثمار بقيمة 38 مليار دولار في «قوة الحوسبة» ليس خبراً تقنياً عابراً. عندما توقّع شركة بحجم OpenAI اتفاقاً بهذا الرقم لتشغيل نماذجها على مراكز بيانات Amazon (AWS)، فهذه إشارة واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة—بل بنية تحتية. ومن يملك البنية التحتية يملك سرعة الابتكار، وتكلفة التشغيل، وقدرة التوسع.
في سلسلة «كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية»، هذه الحلقة تحديداً مهمة لأنها تضع يدها على نقطة غالباً ما تُفهم بشكل خاطئ: كثير من المبادرات تفشل ليس لأن النموذج ضعيف، بل لأن الحوسبة والبيانات والتشغيل لم تُبْنَ كمنظومة متماسكة.
الخبر العالمي هنا (اتفاق OpenAI–Amazon المعلن بتاريخ 04/11/2025) يقدّم نموذجاً عملياً يمكن لقطاع الطاقة السعودي أن يستلهمه: شراكات كبيرة، سعة حوسبة ضخمة، وخطة نشر تمتد حتى نهاية 2026 مع قابلية التوسع إلى 2027 وما بعدها. والسؤال الحقيقي للشركات في السعودية ليس “هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل: هل لدينا قدرة حوسبة وحوكمة وتشغيل تجعل الذكاء الاصطناعي يعمل في الميدان لا في العروض التقديمية؟
لماذا أصبحت «قوة الحوسبة» هي أصل الذكاء الاصطناعي الأغلى؟
الجواب المباشر: لأن النماذج الحديثة تحتاج شرائح متخصصة وطاقة كهربائية وتبريداً وشبكات وعمليات تشغيل على مدار الساعة—وأي نقص في هذه السلسلة يرفع التكلفة ويبطئ النتائج.
الخبر يذكر أن OpenAI ستستخدم “مئات الآلاف” من شرائح Nvidia المتخصصة عبر AWS. هذا الرقم وحده يوضح أن السباق لم يعد على الأفكار فقط، بل على السعة والتوفر والمرونة. في قطاع الطاقة والنفط والغاز، هذا يترجم إلى نقطة بسيطة: إذا أردت نماذج تتنبأ بأعطال المضخات، وتحسن تخطيط الحفر، وتقرأ آلاف تقارير الصيانة… فأنت تحتاج منصة قادرة على تشغيل ذلك بثبات، وبأمان، وبميزانية معقولة.
الحوسبة ليست «سيرفرات» فقط
في الشركات الصناعية، سوء الفهم الشائع هو اختزال الموضوع في شراء عتاد. الواقع أن «قوة الحوسبة» تعني:
- معالجة (Compute): CPU/GPU/شرائح متخصصة
- تخزين (Storage): سريع وآمن وقابل للتوسع
- شبكات (Networking): نقل بيانات ضخم بزمن تأخير منخفض
- MLOps/AIOps: تشغيل النماذج، مراقبتها، تحديثها، وتدقيقها
- أمن سيبراني وحوكمة: سياسات وصول، تسجيل، تدقيق، امتثال
هذه المنظومة هي ما تشتريه الشركات فعلياً عندما تتجه إلى السحابة أو تبني مراكز بيانات محلية.
ماذا يمكن أن يتعلم قطاع الطاقة السعودي من صفقة OpenAI–Amazon؟
الجواب المباشر: أن الشراكة التقنية يجب أن تُبنى على هدف تشغيلي قابل للقياس، وخطة سعة واضحة، وآلية تمويل واقعية، وليس على “تجربة نموذج” منعزلة.
الخبر يلمّح إلى سبب جوهري وراء التحول: OpenAI غيّرت ترتيباتها السابقة مع شريك سحابي حصري، لتفتح باباً لسعات أكبر وخيارات أوسع. هذا الدرس ينطبق على شركات الطاقة: قفل نفسك على مزود واحد دون استراتيجية مرنة قد يقيّد قدرتك على التوسع، أو يرفع التكلفة عندما تتغير احتياجاتك.
1) الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز يحتاج سعة مرنة لا ثابتة
بعض حالات الاستخدام تكون موسمية أو مرتبطة بمشاريع محددة:
- تحليل بيانات زلزالية لمشروع استكشاف لمدة 6 أشهر
- تدريب نموذج للتنبؤ بالتآكل في خطوط الأنابيب مع موجات بيانات جديدة
- أتمتة تقارير الامتثال البيئي في نهاية كل ربع سنة
هنا تظهر قيمة المرونة: تزيد السعة ثم تخفّضها بدون بناء كل شيء داخل الشركة.
2) الاتفاقيات الكبيرة تعني التزاماً بالتشغيل—لا “بوابة تجريبية”
الحديث عن نشر السعة قبل نهاية 2026 يوضح أن الموضوع خطة تشغيل متعددة السنوات. في السعودية، كثير من المبادرات تتوقف عند إثبات مفهوم (PoC). الأفضل هو الانتقال إلى “منتج تشغيلي” (Operational Product) عبر:
- حالة استخدام واحدة عالية العائد خلال 90 يوماً
- توسيعها إلى موقعين أو ثلاثة خلال 6 أشهر
- تعميمها مع حوكمة ومقاييس جودة خلال 12 شهراً
3) الطاقة والذكاء الاصطناعي: العلاقة ليست نظرية
الخبر يقرّ بأن تطوير الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة كبيرة. وهذه مفارقة جميلة لقطاع الطاقة: القطاع الذي يوفّر الطاقة يمكنه أيضاً أن يكون الأكثر استفادة من تحسين استهلاكها داخل عملياته.
أمثلة مباشرة:
- تحسين استهلاك الكهرباء في مرافق المعالجة عبر نماذج تحكم تنبؤية
- خفض حرق الغاز (flaring) عبر تنبؤ اختناقات التشغيل مبكراً
- تحسين إدارة الأحمال والتبريد في مراكز البيانات الصناعية نفسها
حالات استخدام عالية العائد في شركات الطاقة السعودية (عملية ومباشرة)
الجواب المباشر: ابدأ بما يقلل التوقفات ويزيد الاعتمادية ويختصر دورة القرار—ثم انتقل للأتمتة المعرفية والتواصل.
1) الصيانة التنبؤية للمعدات الدوّارة (Rotating Equipment)
المضخات والضواغط والتوربينات ليست مجرد أصول؛ هي نقطة اختناق للإنتاج. نموذج تنبؤ أعطال يعتمد على:
- اهتزازات (Vibration)
- حرارة وضغط
- تاريخ صيانة
- ظروف تشغيل
المؤشر الذي تبحث عنه: تقليل التوقف غير المخطط وتحسين توافر المعدات. حتى تحسن صغير في التوافر ينعكس على الإنتاج والإيرادات بسرعة.
2) اكتشاف التسربات وإدارة سلامة خطوط الأنابيب
الذكاء الاصطناعي يبرع في دمج مصادر متعددة:
- حساسات ضغط وتدفق
- صور حرارية أو أقمار صناعية (عند توفرها)
- سجلات أعمال الحفر القريبة
والنتيجة المتوقعة: تقليل زمن اكتشاف الحادث، وخفض الخسائر، ورفع مستويات السلامة والامتثال.
3) «مساعد معرفي» للمهندسين والفنيين داخل الشركة
هذا ليس روبوت دردشة للتسويق. المقصود مساعد داخلي يقرأ:
- إجراءات التشغيل القياسية (SOPs)
- تقارير الحوادث السابقة
- كتيبات المعدات
- سجلات الصيانة
ثم يجيب بدقة، مع الاستشهاد بمصدر داخلي. القيمة هنا كبيرة في الورديات الليلية، والمواقع البعيدة، ومع تسارع تدوير الفرق.
4) أتمتة التقارير والمحتوى لأصحاب المصلحة
ضمن موضوع السلسلة (إنشاء المحتوى وتحسين التواصل)، الذكاء الاصطناعي يساعد في:
- تلخيص تقارير HSE الطويلة إلى ملخصات تنفيذية
- إعداد مسودات تقارير الاستدامة وفق قوالب الشركة
- إنتاج نشرات داخلية للعاملين عن مؤشرات السلامة
الشرط: حوكمة قوية حتى لا تتحول الأتمتة إلى مخاطر سمعة أو معلومات.
البنية التحتية أولاً: كيف تُخطط للحوسبة والبيانات بدون مبالغة؟
الجواب المباشر: لا تبنِ «أكبر منصة»—ابنِ منصة تناسب 3 حالات استخدام واضحة، ثم وسّعها بناءً على أرقام فعلية.
من واقع ما أراه ينجح عادةً في الشركات الصناعية، هذا إطار عملي من 5 خطوات:
1) حدّد “حالات استخدام سيدة” وليس قائمة أمنيات
اختر 2–3 حالات استخدام بأثر مالي أو تشغيلي واضح، مثل الصيانة التنبؤية أو تقليل الفاقد. لو لم تستطع قياس العائد، ستضيع الميزانية في تجارب متفرقة.
2) قيّم جاهزية البيانات في المواقع
اسأل أسئلة مزعجة لكن ضرورية:
- هل البيانات زمنية ومُوحّدة الوحدات؟
- هل هناك فجوات كبيرة؟
- هل توجد “حقيقة واحدة” للبيانات أم نسخ متعددة متضاربة؟
3) اختر نموذج تشغيل للحوسبة: سحابة، محلي، أو هجين
في الطاقة، النموذج الهجين غالباً منطقي:
- معالجة فورية قرب الموقع (Edge) للسلامة والسرعة
- تدريب وتحليلات واسعة في السحابة أو مركز بيانات مركزي
4) ضع حوكمة واضحة للنماذج والقرارات
أكثر نقطة يتجاهلها الناس: من يملك قرار إيقاف نموذج أو تعديله عندما ينحرف؟ ما سياسة السجلات والتدقيق؟ كيف تُحمى البيانات الحساسة؟
5) اتفق على مقاييس نجاح قبل البدء
أمثلة لمقاييس قابلة للقياس:
- خفض التوقف غير المخطط بنسبة محددة
- تقليل زمن إعداد التقارير من أيام إلى ساعات
- رفع دقة اكتشاف إنذارات معينة وتقليل الإنذارات الكاذبة
جملة أحب تكرارها داخلياً: «الذكاء الاصطناعي الذي لا يُقاس، لا يُدار—والذي لا يُدار، لا يستمر».
أسئلة شائعة داخل شركات النفط والغاز (وإجابات عملية)
هل نحتاج فعلاً إلى «مئات الآلاف من الشرائح» مثل شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى؟
لا. تلك الأرقام تخص تدريب نماذج عامة ضخمة وتشغيلها لمئات الملايين من المستخدمين. شركات الطاقة غالباً تحتاج نماذج موجهة، لكن ما تزال تحتاج سعة محترمة وموثوقة—وخاصة عند التوسع لعدة مواقع وتطبيقات.
ما الفرق بين بناء مركز بيانات داخلي وبين الاعتماد على مزود سحابي؟
المركز الداخلي يعطي تحكماً أعلى، لكنه يرفع عبء الصيانة والتحديث والتوسع. السحابة تعطي مرونة وسرعة، لكن تحتاج حوكمة صارمة وتخطيطاً للتكلفة. في بيئات الطاقة، المزج بينهما عادةً يعطي أفضل توازن.
أين نبدأ إذا كانت فرقنا مشغولة بالعمليات اليومية؟
ابدأ بفريق صغير متعدد التخصصات لمدة 8–12 أسبوعاً، مع هدف واحد واضح. اجعل الفريق قريباً من الموقع والعمليات، وليس معزولاً في مكتب بعيد.
أين تتجه السعودية في 2026؟ خطوة ذكية الآن توفر سنة لاحقاً
الخبر العالمي يقول إن سعات الحوسبة الضخمة سيتم نشرها قبل نهاية 2026. هذا التوقيت يهم السعودية لأن المنافسة على السعة والشرائح والخبرات ستشتد، والتأخير سنة يعني الدخول بسعر أعلى وخيارات أقل.
إذا كنت تعمل في شركة طاقة أو نفط وغاز داخل المملكة، فهذه “الخطوة الذكية” التي أنصح بها الآن: حوّل الذكاء الاصطناعي من مشروع تقنية معلومات إلى برنامج تشغيلي له مالك من الأعمال، وميزانية تشغيل، وخريطة طريق للحوسبة والبيانات.
الفرق بين من ينجح ومن يتعثر؟ الأول يعامل الذكاء الاصطناعي كأصل تشغيلي مثل أي أصل حرج. الثاني يعامله كحملة تجريبية تنتهي بانتهاء العرض.
السؤال الذي يستحق أن تطرحه على فريقك هذا الأسبوع: إذا تضاعفت احتياجاتنا من نماذج الذكاء الاصطناعي خلال 12 شهراً، هل بنيتنا التحتية وخيارات الشراكة جاهزة… أم سنبدأ من الصفر؟
دعوة للتواصل (لتحقيق هدف LEADS): إذا رغبت، أستطيع مساعدتك في إعداد خارطة طريق 90 يوماً لحالة استخدام واحدة في منشأة طاقة داخل السعودية (البيانات المطلوبة، البنية التحتية، الحوكمة، ومقاييس العائد)، بحيث تتحول الفكرة إلى تشغيل فعلي قابل للتوسع.