تحويل محطات التحلية في السعودية إلى منصات لإزالة الكربون بات أقرب للواقع. تعرّف كيف يدعم الذكاء الاصطناعي التوسع والقياس والربحية عبر نموذج Ebb.

الذكاء الاصطناعي وتحويل التحلية إلى إزالة كربون في السعودية
في 10/12/2025، أعلنت شركة Ebb عن اتفاقية شراء مسبق مع Google لإزالة 3,500 طن من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. الرقم بحد ذاته ليس هو القصة الأكبر. القصة الأكبر هي أين سيتم بناء القدرة على التوسع: في الجبيل، داخل بنية تحتية سعودية يعرفها العالم جيدًا—محطات التحلية.
إذا كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز أو سلاسل الإمداد الصناعية في المملكة، فهذه ليست “أخبار مناخ” بعيدة عنك. هذه إشارة واضحة: البنية التحتية الثقيلة (مثل التحلية) بدأت تتحول إلى منصة مزدوجة الغرض—إنتاج مياه وإدارة كربون—ومعها يصبح الذكاء الاصطناعي هو الطبقة التي تجعل التوسع اقتصاديًا وقابلًا للضبط والحوكمة.
ضمن سلسلة “كيف تُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في المملكة العربية السعودية”، هذا المقال يشرح ما الذي تعنيه شراكة Ebb–Google فعليًا، ولماذا تُعد محطات التحلية في السعودية فرصة عملية لإزالة الكربون، وأين يدخل الذكاء الاصطناعي ليُحوّل الفكرة من تجربة إلى أصل تشغيلي قابل للقياس والتمويل.
لماذا تُعد إزالة الكربون عبر المحيطات مهمة للسعودية الآن؟
الإجابة المختصرة: لأن المملكة تمتلك أكبر شبكة تحلية على مستوى العالم، ولأن إزالة الكربون “الموثوقة والورقية” أصبحت مطلبًا تجاريًا وتنظيميًا، ولأن المحيط بطبيعته قادر على تخزين الكربون بشكل طويل الأمد.
Ebb تعتمد على تسريع عملية طبيعية: تحويل ثاني أكسيد الكربون من الهواء إلى بيكربونات آمنة ومستقرة في مياه البحر. هذه ليست فكرة نظرية؛ فالمحيطات تاريخيًا خزّنت قرابة 30% من إجمالي انبعاثات CO2 منذ الثورة الصناعية عبر مسارات طبيعية مختلفة.
الزاوية السعودية هنا حاسمة. السعودية تُشغّل نحو 22% من القدرة العالمية للتحلية (وفق ما ورد في الخبر)، والخليج يمثل حوالي 60% من قدرة التحلية عالميًا. عندما تكون لديك هذه الكثافة من البنية التحتية، يصبح من المنطقي تحويلها إلى منصة لإزالة الكربون، خصوصًا عندما يكون جزء من العملية يعتمد على تيار “فاقد” أصلاً: الرجيع الملحي.
من التحلية إلى المناخ: تحويل “مخلفات” الرجيع إلى قيمة
محطات التحلية تنتج مياه عذبة، لكنها تنتج كذلك رجيعًا ملحيًا عالي الملوحة. ما تفعله Ebb هو اعتراض هذا التدفق قبل عودته للبحر، ومعالجته بنظام كيميائي-كهربائي لتحويله إلى محلول قلوي يُعاد للمحيط، فيساعد على سحب CO2 من الجو.
الجملة التي تستحق أن تُكتب على جدار أي مشروع من هذا النوع: “الكربون يُزال على نطاق واسع عندما يصبح ذلك نتيجة طبيعية لقرار تشغيلي ذكي.” وهذا بالضبط ما يحاول نموذج Ebb إثباته: ليس مجرد تعويضات كربونية، بل تحسينات تشغيلية + إزالة كربون.
ما الذي تضيفه شراكة Ebb–Google للاقتصاد السعودي؟
الإجابة المباشرة: تضيف “طلبًا مضمونًا” (prepurchase) يفتح باب التمويل والتوسع، وتضيف معيارًا عالميًا للقياس والتحقق، وتُحوّل الجبيل إلى مرجع تطبيقي يمكن نسخه عبر شبكة التحلية الوطنية.
الاتفاقية مع Google لإزالة 3,500 طن تُقرأ عادة كرقم صغير. لكن في عالم إزالة الكربون، الطلب المسبق هو الذي يثبت وجود مشترٍ، ويعطي المشروع القدرة على الاستثمار في التوسع. والأهم أن الشراكة أتت بعد اتفاقية نشر تجريبية مع هيئة المياه السعودية في منشأة متقدمة في الجبيل—وهي خطوة عملية وليست تسويقية.
المثير في الخبر هو الحديث عن إمكانية فتح قدرة تصل إلى 85 مليون طن سنويًا من إزالة CO2. حتى لو تعاملنا مع هذا الرقم كـ“سقف إمكانيات” وليس كواقع فوري، فهو يوضح حجم الفرصة عندما تلتقي التقنية بالبنية التحتية.
لماذا يهتم قطاع النفط والغاز بهذه القصة؟
لأن سلاسل القيمة في النفط والغاز في السعودية تتحرك في اتجاهين في الوقت نفسه:
- خفض كثافة الانبعاثات في العمليات (الكهرباء، الحرق، التسربات)
- بناء محافظ إدارة كربون قابلة للتحقق (CCUS، إزالة كربون، أرصدة عالية الجودة)
محطات التحلية ترتبط بالصناعة الثقيلة والطاقة. أي مكاسب في الطاقة، وأي تحسين في استرجاع المياه، وأي منتجات كيميائية ثانوية قابلة للبيع—كل ذلك يعني لغة مالية يفهمها مديرو الأصول والمشغلون.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي تحديدًا في إزالة الكربون عبر التحلية؟
الإجابة أولًا: الذكاء الاصطناعي هو ما يحوّل نظامًا كيميائيًا-كهربائيًا حساسًا إلى عملية مستقرة قابلة للتوسع، عبر التحكم، والتنبؤ، والقياس والتحقق (MRV)، وإدارة المخاطر التشغيلية.
عند ربط تقنية مثل Ebb بمحطة تحلية، أنت تتعامل مع بيانات عالية التردد: تدفقات، ملوحة، درجة حرارة، pH، أحمال كهربائية، أعطال مضخات، وتغيرات موسمية في مياه البحر. هنا تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي “ليست رفاهية”، بل شرطًا للربحية والاستمرارية.
1) تحسين الكفاءة: تحكم تنبؤي بدل الضبط اليدوي
بدل تشغيل النظام على إعدادات ثابتة، يمكن استخدام:
- نماذج تعلم آلي لتوقع تغيرات خصائص الرجيع الملحي حسب الوقت والظروف
- تحكم تنبؤي Model Predictive Control مدعّم بالبيانات لتقليل استهلاك الطاقة مع الحفاظ على نتائج الكيمياء
- توأم رقمي للمحطة يختبر سيناريوهات التشغيل قبل تطبيقها
هذا يهم لأن تكلفة إزالة الطن من CO2 في النهاية ليست شعارًا؛ إنها معادلة: كهرباء + صيانة + توقفات + مواد + قياس وتحقق.
2) الصيانة التنبؤية: تقليل التوقفات ورفع الاعتمادية
الأنظمة الكهروكيميائية حساسة للتراكمات والتآكل وتغيرات التوصيلية. الذكاء الاصطناعي يمكنه:
- رصد انحرافات الأداء قبل تحولها إلى عطل
- توقع عمر المكونات (مثل الأقطاب) وتحسين دورة الاستبدال
- تقليل التوقفات غير المخططة التي تقتل اقتصاديات المشاريع
في مشاريع “إزالة الكربون”، الاعتمادية ليست تفصيلًا؛ هي ما يحدد إن كان بإمكانك تسليم ما وعدت به للمشتري (مثل Google).
3) القياس والتحقق والإبلاغ (MRV): قلب الثقة التجارية
أكبر نقطة ضعف في سوق إزالة الكربون عالميًا هي الثقة: هل أزيل الكربون فعلًا؟ وكم؟ وأين ذهب؟
الذكاء الاصطناعي يساعد في بناء نظام MRV قوي عبر:
- دمج بيانات التشغيل مع بيانات بيئية (تيارات بحرية، حرارة، تشتت)
- اكتشاف الشذوذات وتصفية البيانات غير الموثوقة
- إنتاج تقارير تدقيق قابلة للتتبع (Audit-ready) للشركات والجهات التنظيمية
عبارة عملية: “من دون MRV قوي، إزالة الكربون تتحول إلى تكلفة علاقات عامة.”
4) الأتمتة والحوكمة: تشغيل متعدد المواقع على شبكة وطنية
إذا كان الهدف هو التوسع عبر شبكة التحلية في المملكة، فأنت تحتاج منصة تشغيل وإدارة موحدة:
- لوحات مراقبة تشغيلية في الزمن الحقيقي
- سياسات صلاحيات وامتثال
- إنذارات ذكية مرتبطة بأهداف الأداء (CO2/ك.و.س، توقفات، جودة مياه)
وهذه بالضبط هي المنطقة التي تلتقي فيها تقنيات المناخ مع ما اعتادت عليه شركات الطاقة والنفط والغاز: التشغيل على نطاق واسع، وبإجراءات صارمة.
ما الذي يجعل الجبيل “موقع اختبار مثالي” لاقتصاد إزالة الكربون؟
الإجابة: لأنها تجمع بين بنية تحتية متقدمة، وقدرة تشغيلية ضخمة، ومجاورة لمنظومة صناعية تستطيع تحويل “المنتجات الثانوية” إلى قيمة.
Ebb تشير إلى أن تقنيتها قد تدعم شركاء التحلية عبر:
- استرجاع إضافي للمياه العذبة
- توفير في الطاقة
- منتجات كيميائية ثانوية ذات قيمة
هذه النقطة مهمة لسبب بسيط: عندما يملك المشروع مصادر قيمة متعددة، يصبح أقل اعتمادًا على سعر “الطن الكربوني” وحده. والذكاء الاصطناعي هنا يساعد على تعظيم القيمة عبر التحسين المستمر، وتسعير داخلي أدق للتكاليف، وربط الأداء بالمخرجات المالية.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون قبل الاستثمار
هل هذا بديل عن التقاط الكربون وتخزينه (CCUS)؟
ليس بديلًا مباشرًا. الأفضل التفكير به كـمحفظة: CCUS ممتاز للانبعاثات النقطية الكبيرة، بينما إزالة الكربون عبر المحيطات قد تخدم أهداف “الانبعاثات الصفرية” عبر إزالة كربون من الغلاف الجوي، خصوصًا حين تكون الجودة والتحقق قويين.
هل التوسع يعتمد على بناء بنية تحتية جديدة؟
الميزة الأساسية في نموذج Ebb أنه يتكئ على بنية قائمة: محطات التحلية التي تعالج “مئات ملايين الأطنان من مياه البحر يوميًا” عالميًا وفق الخبر. هذا يقلل التعقيد الرأسمالي، بشرط أن تتم هندسة الدمج بشكل صحيح.
أين المخاطر؟
المخاطر عادة في ثلاثة أماكن:
- تكلفة الطاقة وحساسيتها للتذبذب
- التحقق البيئي وMRV وكيف تُدار الشفافية
- التشغيل طويل الأمد في بيئة بحرية قاسية
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تخفيض مخاطر، لا مجرد “ميزة إضافية”.
خطوات عملية للشركات السعودية: كيف تبدأ خلال 90 يومًا؟
الإجابة: ابدأ بتحديد موقع مناسب، وبناء إطار MRV، وتجهيز طبقة بيانات، ثم نفّذ تجربة محدودة تُقاس بالمال والكربون معًا.
إذا كنت في شركة طاقة/نفط وغاز، أو مزود خدمات صناعية، هذه خريطة طريق سريعة:
- اختيار حالة استخدام واضحة: محطة تحلية مرتبطة بحمل صناعي، أو موقع لديه بيانات تشغيل جيدة.
- تجهيز البيانات: توحيد بيانات التدفق والملوحة والطاقة والأعطال في منصة واحدة (حتى لو كانت بسيطة في البداية).
- تصميم MRV من اليوم الأول: ما الذي سنقيسه؟ كيف؟ ومن سيُدقق؟
- نموذج تحسين بالذكاء الاصطناعي: هدف واحد قابل للقياس مثل خفض
kWh/ton CO2أو رفع التوافر التشغيلي. - نموذج شراكة تجارية: مشتري مسبق، أو اتفاق تشغيل-مشاركة قيمة، أو ربط بمبادرات الاستدامة المؤسسية.
الخطأ الشائع هو البدء من التقنية فقط. الصحيح هو البدء من اقتصاديات التشغيل + البيانات + التحقق.
ماذا تعني هذه القصة لسلسلة “الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز”؟
شراكة Ebb–Google وتطبيقها في الجبيل تؤكد اتجاهًا واضحًا: الذكاء الاصطناعي لم يعد محصورًا في تحسين إنتاجية الآبار أو صيانة المعدات فقط. هو يدخل الآن في “طبقة الكربون” نفسها: كيف نقيسه، كيف نديره، وكيف نحوله إلى قرار تشغيلي واقتصادي.
الفرصة أمام السعودية فريدة لأنها تجمع بين عنصرين نادرين عالميًا: شبكة تحلية ضخمة، واستعداد متزايد لدمج الابتكار مع أهداف الاستدامة ضمن رؤية 2030. إذا تم بناء المشاريع بعقلية تشغيلية صارمة، وبـMRV شفاف، وبذكاء اصطناعي يضغط التكاليف ويرفع الاعتمادية—ستتحول محطات التحلية من تكلفة بيئية محتملة إلى أصل من أصول إزالة الكربون.
السؤال الذي يستحق أن يُطرح داخل كل شركة كبيرة في المملكة مع بداية 2026: هل نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين العمليات فقط، أم كطبقة تمكّن بناء أعمال جديدة في إدارة الكربون؟