تأمين زراعي مرن في عُمان: حين يقود الذكاء الاصطناعي إدارة المخاطر

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

دعوة غرفة تجارة وصناعة عُمان لتأمين زراعي مرن تفتح بابًا لحلول ذكية: تأمين مؤشري، تعويض أسرع، وتسعير عادل بالذكاء الاصطناعي.

الأمن الغذائيالتأمين الزراعيالذكاء الاصطناعيإدارة المخاطرالزراعة المستدامةقطاع النفط والغاز
Share:

Featured image for تأمين زراعي مرن في عُمان: حين يقود الذكاء الاصطناعي إدارة المخاطر

تأمين زراعي مرن في عُمان: حين يقود الذكاء الاصطناعي إدارة المخاطر

في 30/12/2025، خرجت رسالة واضحة من لجنة الأمن الغذائي بغرفة تجارة وصناعة عُمان: الزراعة في السلطنة تحتاج تأمينًا زراعيًا مرنًا—ليس كمنتج مالي “إضافي”، بل كأداة بقاء واستمرارية أمام تقلبات المناخ، الأوبئة، ومخاطر الإنتاج. هذه ليست قضية زراعية فقط. هي قصة “إدارة مخاطر” بامتياز… وهي نفس اللغة التي تتحدث بها شركات الطاقة والنفط والغاز يوميًا.

وهنا تأتي زاوية هذه المقالة ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان»: إذا كان قطاع الطاقة قد بنى تقدمه على التنبؤ بالمخاطر، الصيانة الاستباقية، وأنظمة السلامة القائمة على البيانات، فلماذا لا نطبق المنطق نفسه على الزراعة عبر تأمين زراعي ذكي، أكثر عدالة وأسرع تعويضًا وأقل كلفة تشغيلية؟

لماذا التأمين الزراعي المرن أصبح ضرورة اقتصادية؟

التأمين الزراعي المرن هو شبكة أمان للإنتاج الوطني. عندما يضرب حدث مناخي قاسٍ أو ينتشر مرض نباتي/حيواني، الخسارة لا تقع على المزارع وحده؛ تمتد إلى سلاسل التوريد، أسعار السوق، وثقة المستثمرين في الجدوى الاقتصادية للمشاريع الزراعية.

ما طرحته لجنة الأمن الغذائي في اجتماعها بمسقط هو لبّ المشكلة: غياب التغطية التأمينية الشاملة يترك المزارعين مكشوفين أمام خسائر قد لا تُعوض، خصوصًا أثناء الحالات القصوى. والنتيجة العملية غالبًا تكون واحدة من ثلاث:

  • تقليص الاستثمار في المواسم التالية (لأن المخاطرة “غير محسوبة”).
  • التحول إلى محاصيل أقل ربحية لكنها أقل مخاطرة.
  • خروج بعض المنتجين من السوق.

هذه الدائرة تضعف استدامة الإنتاج—ومعها يضعف مفهوم الأمن الغذائي الذي تراهن عليه الاقتصادات الحديثة كجزء من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

الفكرة التي تفيد الزراعة والطاقة معًا: المخاطر لا تُدار بالحدس

قطاع النفط والغاز لا ينتظر العطل ليصلحه. يعتمد على منهجيات مثل مراقبة الأصول، تحليل البيانات، ونماذج التنبؤ لتقليل التوقفات والحوادث. المنطق نفسه ينطبق على الزراعة، لكن بأدوات مختلفة.

هناك خيط مشترك بين المزرعة والحقل النفطي:

«عندما تُقاس المخاطر بالبيانات، يصبح التعويض أسرع، والاستثمار أجرأ، والاستدامة أقرب.»

التأمين الزراعي المرن ليس مجرد بوليصة؛ هو نظام إدارة مخاطر يخلق سلوكًا اقتصاديًا صحيًا:

  • المستثمر يشعر أن المشروع “قابل للتحمل” عند الصدمات.
  • المزارع يخطط على مدى أطول.
  • الدولة تستفيد من استقرار الإنتاج المحلي وتراجع ضغط الاستيراد في أوقات الأزمات.

ما الذي يجعل التأمين الزراعي “مرنًا” فعلًا؟

المرونة ليست شعارًا؛ هي تصميم المنتج التأميني حول واقع المزارع. كثير من منتجات التأمين تفشل لأنها تُبنى على نماذج عامة لا تعترف بالفروقات بين:

  • مزارع صغيرة مقابل مشاريع متوسطة/كبيرة
  • محاصيل موسمية مقابل زراعة دائمة
  • تباين المحافظات والظروف المناخية المحلية

1) تغطيات تُفصل حسب المخاطر الأكثر شيوعًا

بدل “تغطية عامة” غامضة، المرن يعني وحدات تغطية قابلة للاختيار مثل:

  • مخاطر الطقس القاسي (موجات حرارة، أمطار غزيرة، رياح)
  • تفشي الأمراض والآفات
  • انقطاع المياه أو تراجع الإنتاجية بشكل حاد

2) أقساط متدرجة مرتبطة بسلوك الوقاية

المرونة أيضًا تعني ألا يدفع من يستثمر في الوقاية نفس قسط من لا يفعل. مثال عملي:

  • مزرعة تستخدم شبكات حماية، حساسات رطوبة، وإدارة ري دقيقة تحصل على قسط أقل.

3) تعويضات أسرع وبآلية واضحة

زمن التعويض جزء من العدالة. المزارع لا يستطيع انتظار أشهر؛ الموسم لا ينتظر. المرونة تعني:

  • قواعد صرف واضحة
  • آلية تقييم شفافة
  • حد أدنى من الوثائق الورقية

وهنا تحديدًا تدخل التقنية بقوة.

كيف يصمم الذكاء الاصطناعي تأمينًا زراعيًا منصفًا وأسرع؟

الذكاء الاصطناعي لا يُقنع الناس بالتأمين؛ هو يجعل التأمين منطقيًا ومقبولًا. لأن أكبر اعتراضات المزارعين عادة تكون: “القسط مرتفع”، “التعويض يتأخر”، “التقييم غير منصف”.

1) تأمين مؤشري (Parametric) قائم على بيانات الطقس

بدل إرسال خبراء ميدانيين لكل حالة، يعتمد التأمين المؤشري على مؤشرات متفق عليها مسبقًا، مثل:

  • تجاوز درجات الحرارة حدًا معينًا لعدد أيام متتالية
  • هطول أمطار يتخطى مستوى محدد خلال فترة قصيرة

عند تحقق الشرط، يُصرف التعويض تلقائيًا. الذكاء الاصطناعي هنا يساعد في:

  • اختيار المؤشر الأنسب للمحصول والمنطقة
  • تقليل “الظلم الإحصائي” عبر معايرة النموذج محليًا

2) رؤية حاسوبية وصور أقمار صناعية لتقييم الأضرار

مع توفر صور دورية للأراضي، يمكن بناء نماذج تقارن “قبل/بعد” لتقدير:

  • تراجع الغطاء النباتي
  • تغيّر الرطوبة
  • مؤشرات الإجهاد الحراري للمحصول

هذا يقلل الاعتماد على التقييم اليدوي ويزيد السرعة، خصوصًا عند الكوارث واسعة النطاق.

3) تسعير ديناميكي وعادل عبر نماذج مخاطر محلية

بدل تسعير عام لكل السلطنة، تستطيع شركات التأمين—باستخدام التعلم الآلي—حساب المخاطر وفق:

  • سجل مناخي محلي
  • نوع المحصول ودورة الإنتاج
  • إجراءات الوقاية المتخذة

النتيجة: أقساط أقرب للواقع، وفرصة أعلى لانتشار التأمين بين المزارعين.

4) كشف الاحتيال وتحسين الثقة

نعم، هذا ملف حساس. لكن الحقيقة أن خفض الاحتيال يخفض الأقساط على الجميع. الذكاء الاصطناعي يستطيع رصد أنماط مطالبة غير طبيعية ومقارنتها بمؤشرات الطقس والبيانات الزراعية، مع الحفاظ على ضوابط الحوكمة والخصوصية.

ما علاقة ذلك بقطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان؟ علاقة مباشرة

إدارة المخاطر هي القاسم المشترك. قطاع النفط والغاز في عُمان اعتاد على:

  • نماذج تنبؤ بالحوادث
  • مراقبة أصول في الزمن شبه الحقيقي
  • تخطيط استمرارية الأعمال (BCP)

نفس العقلية تنقل إلى الزراعة عبر التأمين المرن المدعوم بالبيانات. وهناك فوائد إضافية تربط المسارين:

  1. تنويع الاقتصاد والاستقرار: زراعة أكثر استقرارًا تعني مخاطر أقل على سلاسل الإمداد والأسعار—وهذا يخدم الاستقرار الاقتصادي العام.
  2. الطاقة والاستدامة: الزراعة الحديثة تعتمد على إدارة المياه والطاقة (الضخ، التبريد، البيوت المحمية). عندما يصبح الإنتاج الزراعي أكثر قابلية للتنبؤ، يصبح الاستثمار في حلول كفاءة الطاقة أكثر جاذبية.
  3. نقل الخبرة التقنية: شركات الطاقة تمتلك خبرات في الحوكمة، البيانات، والعمليات. يمكن إعادة توظيفها في منصات تأمين زراعي ذكي، أو شراكات بيانات مع مزودي التأمين.

خارطة طريق عملية لتطبيق التأمين الزراعي الذكي في عُمان

ما أوصت به لجنة الأمن الغذائي—مثل ندوة متخصصة بالتعاون مع الجهات المعنية وجلسة حول ريادة الأعمال الزراعية—هو بداية ممتازة. لكن التنفيذ يحتاج خطوات واضحة، وهذه خارطة طريق واقعية من 5 مراحل:

  1. تحديد المخاطر ذات الأولوية حسب المناطق والمحاصيل (قائمة مختصرة وواضحة).
  2. برنامج تجريبي لمدة 6–12 شهرًا في محافظتين/ثلاث، مع منتج تأمين مؤشري بسيط.
  3. منصة مطالبات رقمية تقلل المستندات وتختصر الزمن، مع قناة دعم عبر الهاتف.
  4. حوافز للوقاية: خصومات لمن يطبق أنظمة ري ذكية، حساسات، أو إجراءات مكافحة معتمدة.
  5. حوكمة بيانات: من يملك البيانات؟ كيف تُستخدم؟ ما حدود مشاركة البيانات بين التأمين والجهات القطاعية؟ هذه أسئلة يجب حسمها مبكرًا.

رأيي الصريح: بدون حوكمة بيانات قوية، سيبقى “التأمين الذكي” فكرة جميلة على الورق فقط.

أسئلة يكررها الناس (وإجابات مباشرة)

هل التأمين الزراعي سيرفع كلفة الإنتاج؟

على المدى القصير قد يضيف بندًا جديدًا، لكن عمليًا يقلل الخسارة الكلية ويثبت الدخل. ومع نماذج تسعير عادلة، يمكن أن يصبح القسط “أقل من كلفة موسم ضائع”.

ما الفرق بين التأمين التقليدي والمؤشري؟

التقليدي يعتمد على تقييم أضرار ميداني لكل حالة. المؤشري يعتمد على تحقق مؤشر (حرارة/أمطار/جفاف) ويتم التعويض تلقائيًا عند تحقق الشرط.

هل الذكاء الاصطناعي يعني قرارات بلا بشر؟

لا. الأفضل أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة قرار مع مراجعة بشرية للحالات المعقدة، ومع قنوات تظلم واضحة.

خطوة تالية: من يربح إذا نُفذت هذه الفكرة؟ الجميع

التأمين الزراعي المرن الذي دعت له غرفة تجارة وصناعة عُمان ليس رفاهية. هو بنية تحتية اقتصادية مثلما هي معايير السلامة في النفط والغاز: لا تُرى دائمًا، لكن أثرها يظهر عند أول أزمة.

إذا أردنا أن تتقدم عُمان في مسار الاستدامة والتنويع—مع الحفاظ على قوة قطاع الطاقة—فربط الزراعة بمنطق البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر سيصنع فارقًا ملموسًا خلال مواسم قليلة، لا خلال عقود.

السؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحًا: هل ننتظر الأزمة التالية لتُثبت أهمية التأمين المرن… أم نبنيه الآن بينما لدينا مساحة للتجربة والتطوير؟