كيف تربط عُمان التوأم الرقمي بالذكاء الاصطناعي لخفض المخاطر وتسريع قرارات التشغيل في النفط والغاز. خطوات عملية وحالات استخدام قابلة للقياس.

التوأم الرقمي والذكاء الاصطناعي: فرصة لعُمان في النفط
في 07/01/2026 أعلنت «سيمنس» على هامش CES 2026 عن توسّع واضح في منصات التوأم الرقمي والذكاء الاصطناعي الصناعي الموجّهة لمشغّلي الطاقة—ومن ضمنهم قطاع النفط والغاز في المنبع. الخبر قد يبدو عالميًا بحتًا، لكن أثره عملي جدًا على عُمان: لأن ما تطرحه سيمنس (تشغيل الذكاء الاصطناعي عبر دورة حياة الأصول + توأم رقمي عالي الدقة + “مساعدين” صناعيين) يلمس ثلاث نقاط موجعة نسمعها في المشاريع النفطية محليًا: ضغط التكاليف، تعقّد الامتثال، وتذبذب أداء الأصول.
مع بداية 2026، شركات الطاقة في عُمان أمام معادلة دقيقة: المحافظة على موثوقية الإنتاج، تسريع إنجاز المشاريع، ورفع مستويات السلامة—وفي الوقت نفسه الاستجابة لمتطلبات الاستدامة والحوكمة والإفصاح. رأيي؟ الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بكمّ النماذج التي نجرّبها، بل بقدرتنا على ربطها بالأصل التشغيلي الحقيقي (معدات، عمليات، قيود، وقرارات). وهنا بالضبط تظهر قيمة التوأم الرقمي كـ”جسر” بين الهندسة والواقع.
ماذا تعني إعلانات سيمنس عمليًا لقطاع الطاقة؟
الخلاصة المباشرة: سيمنس تتجه إلى جعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من “نظام تشغيل” صناعي يرافق الأصل من التصميم حتى الصيانة، بدل أن يبقى الذكاء الاصطناعي مشروعًا جانبيًا.
في إعلانها، ركّزت سيمنس على ثلاثة محاور مترابطة:
- شراكة موسّعة مع NVIDIA لبناء ما وصفته سيمنس بـ Industrial AI Operating System: فكرة “منصة تشغيل” تُدخل الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة—التصميم، المحاكاة، التشغيل، الصيانة—عبر دمج البيانات الآنية مع المحاكاة ونماذج الذكاء الاصطناعي.
- إطلاق Digital Twin Composer (متوقع منتصف 2026): توأم رقمي عالي الدقة يتغذّى على بيانات هندسية وتشغيلية لحظية، ويُستخدم لاختبار تغييرات المنشأة والسيناريوهات قبل التنفيذ.
- تقديم مساعدين صناعيين (copilots) لدعم فرق الهندسة والامتثال والتشغيل: أدوات تُبسّط البحث داخل بيانات معقّدة، وتدعم التحقق من التصاميم، وإدارة متطلبات الجهات التنظيمية، وتحسين القرارات التشغيلية.
هذه ليست “ميزات تقنية” بقدر ما هي إعادة ترتيب لطريقة العمل: من قرارات تُتخذ بناءً على خبرة أفراد وتقارير متفرقة، إلى قرارات مدعومة بنموذج تشغيلي حيّ يتنبأ ويقارن ويقترح.
لماذا يهم هذا تحديدًا لعُمان؟
الإجابة المختصرة: لأن طبيعة الأصول النفطية والغازية في عُمان—كأصول كثيفة رأس المال ومتعددة الأطراف—تستفيد أكثر من غيرها من تقنيات تقلّل المخاطر قبل وقوعها.
1) تقليل المخاطر قبل بدء المشروع (وليس بعد ظهور المشكلة)
في مشاريع النفط والغاز، جزء كبير من الخسائر لا يأتي من “خطأ واحد كبير”، بل من تراكم قرارات صغيرة: تغيير في نطاق العمل، تأخير توريد، تعديل تصميم، تعارض بين الأنظمة، أو سوء تقدير لظروف التشغيل. التوأم الرقمي يعالج هذه الفجوة عبر:
- محاكاة التعديلات على مرافق الإنتاج أو محطات الضغط قبل لمس أي معدّة.
- اختبار سيناريوهات مثل: تغير درجات الحرارة، تذبذب الإمداد الكهربائي، تغيّر خصائص الغاز/السوائل، أو قيود السلامة.
- تقييم أثر أي تعديل على السلامة والاعتمادية والطاقة المستهلكة.
الجملة التي أحب تكرارها للفرق التشغيلية: أفضل وقت لاكتشاف الخطأ هو حين يكون “افتراضيًا” ورخيصًا.
2) تسريع القرارات في بيئة بياناتها متشعبة
القطاع النفطي لا يعاني نقص البيانات؛ يعاني تشتتها: DCS/SCADA، سجلات الصيانة، بيانات الاهتزاز، تقارير التفتيش، وثائق هندسية، إجراءات تشغيل… إلخ. “المساعد الصناعي” الحقيقي قيمته في أنه:
- يُجيب بسرعة: ما سبب تكرر إنذار معين؟ ما الإجراءات المرتبطة؟ ما آخر صيانة؟ ما التغيير الهندسي الذي تم؟
- يُقلّل الاعتماد على “ذاكرة الأشخاص” عندما يتغير الفريق أو المقاول.
- يرفع جودة الامتثال لأن الوصول للأدلة يصبح أسرع وأكثر قابلية للتدقيق.
3) دعم أهداف الكفاءة والطاقة والانبعاثات
حتى دون الدخول في أرقام مبالغ فيها، هناك حقيقة تشغيلية معروفة: تحسين الضبط والتحكم وتقليل التوقفات غير المخطط لها يخفّض استهلاك الوقود والطاقة ويقلل الانبعاثات المرتبطة بالتشغيل (مثل تشغيل معدات احتياطية أو عمليات التفريغ/الحرق المرتبطة بالتعطل). وعُمان—كغيرها—أمام ضغط متزايد لتحسين مؤشرات الكفاءة والإفصاح.
التوأم الرقمي: من نموذج هندسي إلى “نسخة تشغيلية حيّة”
الجواب المباشر: التوأم الرقمي المفيد في النفط والغاز ليس رسمة ثلاثية الأبعاد؛ هو نموذج يجمع بين الهندسة والبيانات الحية ويقيس “ماذا سيحدث لو…؟”.
كيف يبدو التوأم الرقمي في منشأة نفطية بعُمان؟
لنأخذ مثالًا واقعيًا في شكله (عام ومبسّط): محطة معالجة/فصل أو محطة ضغط غاز. توأم رقمي فعّال عادة يتكون من:
- توأم هندسي: P&ID، بيانات المعدات (مضخات/ضواغط/مبادلات)، حدود التشغيل.
- توأم فيزيائي/نمذجة عمليات: سلوك التدفق والضغط والحرارة، منحنيات الأداء.
- توأم بيانات: ربط لحظي مع مؤشرات التشغيل (ضغط، اهتزاز، درجات حرارة، صمامات… إلخ).
- توأم تشغيلي: إجراءات، حدود سلامة، إنذارات، وخطط صيانة.
عندها يصبح السؤال عمليًا: إذا عدّلنا نقطة تشغيل الضاغط أو بدّلنا نوع صمام أو غيّرنا منطق التحكم، هل سنكسب استقرارًا أم سنخلق تذبذبًا؟ هذا النوع من الأسئلة يختصر أيامًا من الأخذ والرد.
أين يتفوق على “التحليل التقليدي”؟
- التحليل التقليدي يشرح ما حدث.
- التوأم الرقمي يشرح ما حدث و يختبر ما قد يحدث.
وهذا فرق جوهري عندما تكون تكلفة الساعة الواحدة من التوقف أو سوء التشغيل عالية.
“نظام تشغيل للذكاء الاصطناعي الصناعي”: ما الذي يتغير في طريقة التنفيذ؟
الخلاصة: بدل تطوير نماذج متناثرة لكل مشكلة، المنصات الجديدة تحاول توحيد البيانات والمحاكاة والحوكمة في بيئة واحدة يمكن إدارتها.
من خبرتي في مشاريع التحول الرقمي، أكثر سبب يفشل المبادرات ليس ضعف النموذج، بل:
- عدم وضوح مالك البيانات (Data Owner)
- ضعف جودة البيانات/الوسوم (Tagging)
- صعوبة دمج OT مع IT
- غياب الحوكمة (من يوافق؟ من يراجع؟ من يتحمل المسؤولية؟)
عندما تتحدث سيمنس عن Industrial AI Operating System فهي تلمح إلى “منصة” تتعامل مع هذه الفوضى، بحيث تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي قابلة للتشغيل والمتابعة والتدقيق عبر دورة حياة الأصل.
عبارة تصلح كقاعدة: الذكاء الاصطناعي في الصناعة ليس تطبيقًا واحدًا؛ هو ممارسة تشغيلية لها حوكمة مثل السلامة والجودة.
أين تبدأ شركات النفط والغاز في عُمان؟ خارطة طريق من 90 يومًا
الإجابة العملية: ابدأوا بحالتين استخدام واضحتين، وابنوا الحد الأدنى من التوأم الرقمي، ثم وسّعوا تدريجيًا وفق نتائج قابلة للقياس.
1) اختَر حالات استخدام ذات عائد واضح
أفضل ثلاث بدايات عادة في المنبع:
- الصيانة التنبؤية للأصول الدوّارة (مضخات/ضواغط): تقليل الأعطال المفاجئة.
- تحسين التشغيل والطاقة: ضبط نقاط التشغيل لتقليل الاستهلاك والاهتزاز.
- تقليل وقت تحليل الأعطال (RCA) عبر مساعد صناعي يبحث في السجلات والوثائق.
ضع مؤشرات قياس من البداية (KPIs) مثل:
- خفض التوقف غير المخطط (ساعات/ربع سنوي)
- خفض وقت تشخيص العطل (من أيام إلى ساعات)
- تقليل استهلاك الطاقة لكل وحدة إنتاج
2) ابنِ “توأمًا رقميًا بحد أدنى” (MVDT)
لا تحتاج نموذجًا كاملًا لكل منشأة من اليوم الأول. ابدأ بـ:
- نظام/وحدة واحدة (Train) ذات أثر كبير
- ربط بيانات تشغيل أساسية + وثائق هندسية محدثة
- نموذج محاكاة مخصص لسيناريوهين أو ثلاثة فقط (مثل تغيير معدل التدفق أو تعطل معدة)
3) احسم أسئلة البيانات والحوكمة مبكرًا
قبل شراء أي منصة:
- من يملك البيانات؟ التشغيل أم الهندسة أم تقنية المعلومات؟
- ما سياسة مشاركة البيانات مع المقاولين؟
- كيف ستتم مراجعة توصيات الذكاء الاصطناعي قبل تطبيقها؟
- كيف نوثق القرار لأغراض الامتثال والتدقيق؟
4) جهّز الفريق… لا تنتظر “حلًا سحريًا”
التحدي ليس ندرة المواهب فقط، بل توزيعها. أنصح بنموذج فريق صغير متعدد التخصصات:
- مهندس عمليات (Process)
- مهندس تحكم/أتمتة (OT)
- مهندس موثوقية/صيانة
- مختص بيانات/تكامل (Data/Integration)
- مسؤول أمن سيبراني صناعي
أسئلة شائعة في عُمان: إجابات سريعة وواضحة
هل التوأم الرقمي مناسب فقط للمشاريع الجديدة؟
لا. قيمته كبيرة في الأصول القائمة إذا كانت الوثائق محدثة ويمكن ربط بيانات التشغيل الأساسية. الأصول القديمة قد تحتاج جهد “تنظيف بيانات” أكبر، لكنه ليس مانعًا.
هل “المساعد الصناعي” سيستبدل المهندسين؟
لن يفعل. سيقلل وقت الأعمال المتكررة (بحث، تلخيص، تتبع متطلبات)، ويجعل المهندس يركز على القرار الهندسي نفسه.
ما أكبر مخاطرة؟
أكبر مخاطرة هي إطلاق مشروع ذكاء اصطناعي دون حوكمة بيانات وأمن OT. في الصناعة، خطأ واحد في الوصول أو التكامل قد يصبح حادثة تشغيلية أو أمنية.
ماذا يعني هذا لسلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”؟
هذا الخبر يعطي مثالًا عالميًا واضحًا على الاتجاه الذي يسير إليه السوق: دمج التوأم الرقمي مع الذكاء الاصطناعي التشغيلي بدل الاكتفاء بلوحات مؤشرات أو نماذج منعزلة. وعُمان أمام فرصة واقعية لتبنّي نفس الفكرة بأسلوب يناسب بيئتها: البدء بحالات استخدام مؤثرة، ثم توسيعها إلى مستوى “منصة” تدريجيًا.
إذا كان لديّ طلب واحد من أي قيادة تشغيلية في 2026 فهو: لا تعتبروا التوأم الرقمي مشروع تقنية معلومات. اعتبروه أصلًا تشغيليًا جديدًا له مالك، ميزانية، ومؤشرات أداء.
الخطوة التالية المنطقية: اختيار موقع/وحدة تجريبية، تحديد 2–3 حالات استخدام، وبناء توأم رقمي صغير يخدم قرارًا واحدًا مهمًا بوضوح. بعدها ستصبح الأسئلة أسهل: أين نتوسع؟ ما الذي نربطه؟ وما الذي نؤتمته؟
وأتركك مع سؤال عملي يصلح لاجتماع الأسبوع القادم: أي قرار تشغيلي “مكلف” تتخذه منشأتكم اليوم بناءً على حدس أو خبرة غير موثقة—ويمكن للتوأم الرقمي أن يجعله قرارًا محسوبًا؟