الذكاء الاصطناعي في نفط عمان: دروس من شراكات البحث

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

كيف تُحوّل شراكات البحث والتطوير الذكاء الاصطناعي إلى نتائج فعلية في المنبع؟ دروس عملية لعُمان من نموذج سوناطراك وGNPC.

الذكاء الاصطناعيالنفط والغازالمنبعالبحث والتطويرنمذجة المكامنالتحول الرقمي
Share:

الذكاء الاصطناعي في نفط عمان: دروس من شراكات البحث

في 08/01/2026 عند 10:21 م، نُشر خبرٌ لافت في صناعة النفط الإفريقية: سوناطراك الجزائرية والمؤسسة الوطنية الغانية للبترول (GNPC) وقّعتا مذكرة تفاهم للبحث والتطوير لتقوية قدرات المنبع (Upstream) عبر القارة، مع تركيز واضح على الذكاء الاصطناعي، وتحليل باطن الأرض الرقمي، والزلازل رباعية الأبعاد 4D، ونمذجة المكامن في الزمن الحقيقي، وإدارة الانبعاثات.

المغزى ليس إفريقيًا فقط. هذه الإشارة مهمة لعُمان تحديدًا لأن قطاع النفط والغاز العُماني يقف اليوم أمام معادلة صعبة: الحفاظ على الإنتاج وكفاءة رأس المال من جهة، ورفع معايير السلامة وخفض الانبعاثات من جهة أخرى. الواقع؟ الوصول لهذه المعادلة لا يتم بشراء “برنامج ذكاء اصطناعي” ثم انتظار النتائج. ما ينجح فعليًا هو الاستثمار المنهجي في البحث والتطوير وبناء شراكات تُحوّل البيانات إلى قرارات تشغيلية يومية.

هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، وهدفها عملي: ما الذي يمكن لعُمان أن تتعلّمه من نموذج سوناطراك–GNPC؟ وكيف تُترجم الدروس إلى خطوات قابلة للتنفيذ داخل عمليات الاستكشاف والإنتاج، وخدمات الحفر، وإدارة المكامن؟

لماذا تتجه شركات النفط إلى شراكات R&D بدل العمل منفردة؟

الجواب المباشر: لأن تكلفة التجربة في المنبع مرتفعة، والخطأ قد يعني بئرًا غير اقتصادية أو توقفًا تشغيليًا أو مخاطر سلامة. شراكات البحث والتطوير تقلل المخاطر عبر تقاسم المعرفة والبيانات وتجارب التطبيق الميداني.

في خبر سوناطراك وGNPC، الإطار واضح: تعاون تقني، تبادل خبرات، وتقييم مشترك لفرص R&D في الاستكشاف والإنتاج وإدارة المكامن. مثل هذه الشراكات تُسرّع ثلاثة أمور عادةً:

  • توحيد منهجيات العمل (Workflows): بدل أن يبني كل طرف “مدرسة” مختلفة في تفسير الزلازل أو اختيار مواقع الحفر.
  • اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي على بيانات متنوعة: تنوّع الجيولوجيا يحسّن تعميم النماذج ويقلل الانحياز.
  • نقل التقنية من المختبر إلى الحقل: النجاح ليس في دقة النموذج فقط، بل في دمجه مع قرارات الحفر والإكمال والإنتاج.

بالنسبة لعُمان، هذا المنطق ينسجم مع طبيعة الأصول المتنوعة (برية، حقول ناضجة، برامج تحسين استخلاص) ومع حاجة القطاع لرفع الإنتاجية من كل ريال استثماري.

أين يعمل الذكاء الاصطناعي فعليًا في المنبع؟ (من الزلازل إلى الإنتاج)

الجواب المختصر: الذكاء الاصطناعي يربح عندما تكون لديك بيانات كثيرة + قرار متكرر + أثر مالي واضح. مذكرة سوناطراك–GNPC لفتت النظر لأنها لم تتحدث عن “تحول رقمي” عام، بل ذكرت مجالات محددة جدًا.

1) تفسير البيانات الزلزالية: من عمل يدوي إلى نماذج قابلة للتحديث

في الاستكشاف والتقييم، تفسير الزلازل تقليديًا يستغرق وقتًا طويلًا ويعتمد على خبرة المفسّر. عندما ندخل الذكاء الاصطناعي في تفسير الزلازل (AI-enabled interpretation)، يمكن تسريع:

  • التقاط الفوالق والحدود الطبقية
  • تصنيف الواجهات الرسوبية
  • كشف الشذوذات المرتبطة بالسوائل

الأهم: عند دمج ذلك مع زلازل 4D (تتبّع تغيّر المكمن مع الزمن)، يصبح لديك “مؤشر حي” لتأثير الإنتاج والحقن. هذا النوع من الاستخدام مفيد جدًا في الحقول الناضجة—وهو ملف حاضر بقوة في عُمان.

2) التحليل الرقمي لباطن الأرض + النمذجة في الزمن الحقيقي

المذكور في الخبر: Digital subsurface analysis وReal-time reservoir modeling. المعنى العملي: نموذج مكمن يتم تحديثه باستمرار ببيانات إنتاج، وضغط، وتاريخ تشغيل، وأحيانًا بيانات حساسات.

ما الذي يغيره ذلك داخل غرفة العمليات؟

  • يقلل القرارات المبنية على “توقعات قديمة”
  • يرفع جودة خطط الحقن (ماء/غاز) عبر تتبع الاستجابة مبكرًا
  • يدعم قرارات التوسعة أو إعادة التطوير بناءً على سيناريوهات واضحة

في بيئة مثل عُمان، حيث تتطلب كفاءة رأس المال تركيزًا شديدًا، النمذجة في الزمن الحقيقي ليست رفاهية. هي طريقة لتجنب إنفاق كبير على مسار تطوير غير مثمر.

3) تحسين وزيادة الاستخلاص (EOR/IOR): الذكاء الاصطناعي كـ«منسق قرارات»

مذكرة التعاون شملت Enhanced and improved oil recovery. وهنا تحديدًا أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يُستخدم كبديل للمهندس، بل كمنظّم لآلاف الإشارات المتداخلة:

  • نسب الماء (Water cut)
  • تغيرات الضغط
  • أداء المضخات
  • استجابة المكمن للحقن

الذكاء الاصطناعي يمكنه اقتراح “أفضل إعدادات” ضمن قيود التشغيل، لكنه يحتاج قاعدة بيانات منظمة وإدارة تغيير (Change Management) قوية. معظم الشركات تتعثر هنا: لديها بيانات، لكنها لا تملك حوكمة بيانات تجعلها صالحة للتعلم الآلي.

4) سلامة الآبار والتآكل: مكاسب سريعة إذا رُتّبت البيانات

الخبر ذكر Well integrity and corrosion management. هذه منطقة عملية جدًا لأن البيانات عادة موجودة (تفتيش، سماكات، سجلات مواد، معدلات حقن مثبطات). ما ينقص غالبًا هو ربطها بنظام تنبؤ مبكر.

نموذج بسيط للتطبيق في عُمان:

  • بناء سجل موحد للحوادث والقراءات
  • إنشاء مؤشرات خطر لكل خط/بئر (Risk score)
  • جدولة التفتيش والصيانة بناءً على الخطر لا على التقويم

النتيجة المتوقعة: تقليل التسربات والتوقفات غير المخططة—وهذه وفورات مباشرة.

ماذا تعني شراكة سوناطراك–GNPC لعُمان تحديدًا؟

الجواب المباشر: هي تذكير بأن الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز مشروع “منظومة” وليس مشتريات تقنية. الشراكة ركزت على محورين متلازمين:

  1. منبع أقوى (استكشاف، إنتاج، إدارة مكامن)
  2. انتقال طاقي عملي داخل العمليات (خفض البصمة الكربونية وإدارة الانبعاثات)

وعُمان تحتاج الجمع بين الاثنين بالطريقة نفسها. لأن الضغط اليوم ليس فقط على البرميل المنتج، بل على البرميل المنتج بانبعاث أقل.

نموذج قابل للتطبيق: شراكات R&D متعددة المستويات

بدل “مشروع واحد كبير”، النهج الأكثر واقعية لعُمان هو بناء 3 مستويات من الشراكات:

  • شراكات تشغيلية مع مزودي خدمات وتقنيات (للربط بين النموذج والقرار الميداني)
  • شراكات بحثية مع جامعات ومراكز بحث (لابتكار نماذج تناسب الجيولوجيا المحلية)
  • شراكات إقليمية/دولية مع شركات وطنية أخرى (لتبادل الخبرات وتوحيد المعايير)

هذا بالضبط ما يلمح إليه إطار APPO في الخبر: مظلة تنسيق تساعد على توحيد الجهود بدل تكرارها.

خارطة طريق من 90 يومًا لبدء مشروع ذكاء اصطناعي ناجح في المنبع

الجواب المختصر: ابدأ بمشكلة تشغيلية واضحة، ثم نظّف البيانات، ثم أثبت القيمة في موقع واحد قبل التوسع.

إليك خطة عملية—وأنا أفضلها لأنها تقلل “الحماس غير المنتج” وتبني نتائج سريعة:

  1. اختر حالة استخدام واحدة عالية العائد
    • مثال: تنبؤ مبكر بتآكل خطوط الإنتاج، أو تحسين إعدادات الحقن في نمط محدد.
  2. عرّف مؤشر نجاح رقمي واضح (KPI)
    • مثل: خفض التوقفات غير المخططة بنسبة 10% خلال 6 أشهر، أو تقليل أعمال التفتيش غير الضرورية بنسبة 15%.
  3. اجمع البيانات من المصدر وحدد مالكًا لها
    • مالك البيانات ليس وظيفة تقنية فقط؛ يجب أن يكون هناك صاحب قرار.
  4. ابنِ نموذجًا أوليًا (Pilot) في أصل واحد
    • بئر/منشأة/حقل واحد. التوسع قبل النجاح هو أسرع طريق للفشل.
  5. خطط للدمج مع سير العمل
    • إذا كان النموذج يعطي توصية ولا أحد يراها داخل نظام العمل اليومي، فهو عمليًا غير موجود.

جملة أحب تكرارها في مشاريع النفط والغاز: النموذج الذي لا يغيّر قرارًا تشغيليًا هو نموذج للعرض فقط.

أسئلة شائعة يطرحها مسؤولو الطاقة في عُمان (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن خبرة الجيولوجيين والمهندسين؟

لا. الذكاء الاصطناعي يقلل الأعمال اليدوية المتكررة ويعطي احتمالات أسرع، لكن القرار النهائي يحتاج خبرة ميدانية، خاصة في تفسير الشذوذات وتقييم المخاطر.

ما أول مجال يحقق عائدًا أسرع في المنبع؟

عادةً: سلامة الآبار والتآكل والصيانة التنبؤية لأنها تعتمد على بيانات تشغيلية متوفرة ويمكن ربطها بخفض توقفات وتكاليف واضحة.

كيف نربط الذكاء الاصطناعي بخفض الانبعاثات؟

ببساطة عبر تحسين كفاءة التشغيل:

  • تقليل الحرق (Flaring) عبر ضبط العمليات والتنبؤ بالاختناقات
  • كشف التسربات مبكرًا
  • تحسين استهلاك الطاقة في الضواغط والمضخات

الخطوة التالية لعُمان: من “تجارب” إلى “قدرة مؤسسية”

ما فعلته سوناطراك وGNPC في 08/01/2026 ليس مجرد تعاون عابر؛ هو إعلان أن المنافسة القادمة في المنبع ستكون على البيانات، والنماذج، وسرعة تحويلهما إلى قرار. وعُمان تملك فرصة قوية إذا تعاملت مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قدرة مؤسسية تُبنى عبر الشراكات، والحوكمة، وتطوير المهارات، وليس عبر مبادرات منفصلة.

إذا كنت تعمل في شركة نفط وغاز أو مزود خدمات في عُمان، فابدأ بسؤال واحد عملي: أي قرار نتخذه أسبوعيًا ويمكن أن يصبح أدق وأسرع بفضل البيانات؟ عندما تجد الإجابة، يكون لديك مشروع ذكاء اصطناعي يستحق الاستثمار.