كيف يوضح اتفاق سوناطراك وGNPC دور الذكاء الاصطناعي في تحسين المنبع—ودروس عملية لعُمان لخفض التوقف ورفع الاستخلاص.
شراكات الذكاء الاصطناعي: دروس لعُمان في النفط والغاز
في 08/01/2026، أعلنت سوناطراك والشركة الوطنية الغانية للبترول (GNPC) توقيع مذكرة تفاهم للبحث والتطوير تركّز على ما يُسمّى «ابتكار المنبع»؛ أي الاستكشاف والإنتاج وإدارة المكامن. الخبر يبدو أفريقيّاً بحتاً، لكن الرسالة التي يحملها خليجية بامتياز: الذكاء الاصطناعي لم يعد “مشروع تقنية معلومات” بل صار طريقة لإطالة عمر الأصول، وتقليل تكلفة البرميل، ورفع موثوقية التشغيل.
في سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، أحب أن أضع الأخبار العالمية في إطار عملي محلي: ماذا يعني هذا النوع من الشراكات لشركات الطاقة في عُمان؟ وأين تحديداً يصنع الذكاء الاصطناعي الفرق داخل المنبع—من تفسير السيزميك إلى مراقبة التآكل—وما الذي يجب أن يحدث تنظيمياً وتشغيلياً كي تتحول الأفكار إلى نتائج على الأرض؟
لماذا شراكات البحث والتطوير أصبحت مسألة تشغيل وليست رفاهية؟
الجواب المباشر: لأن تحديات المنبع أصبحت “بيانية” بقدر ما هي “جيولوجية”. المكامن الناضجة، والانحدار الطبيعي في الإنتاج، وتعقّد المكامن البحرية والبرية، والضغط المتزايد لخفض الانبعاثات—كلها مسائل تحتاج قرارات أسرع وأدق.
ما فعلته سوناطراك وGNPC مهم لأنه يوضح اتجاهاً يتكرر عالمياً: الشركات الوطنية (NOCs) لم تعد تشتري التقنية كمنتج جاهز فقط، بل تسعى إلى بناء قدرة بحثية مشتركة: تبادل بيانات، تقييم فرص R&D، وتطوير سير عمل رقمي موحد يربط بين الجيولوجيا والهندسة والتشغيل.
بالنسبة لعُمان، حيث يلعب قطاع النفط والغاز دوراً استراتيجياً في الاقتصاد، الفكرة ليست تقليد شراكة بعينها، بل تبني المنطق نفسه: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يكون أكثر فاعلية عندما يُدار كشراكة متعددة الأطراف (مشغّل + جامعات + مزودو تقنية + شركات خدمات حقول + جهات تنظيمية) بدل أن يبقى مبادرات متفرقة.
أين يربح المنبع فعلاً من الذكاء الاصطناعي؟ (خارطة استخدامات عملية)
وفق خبر الاتفاق، نطاق التعاون يشمل: السيزميك المتقدم (بري وبحري)، التحليل الرقمي لما تحت السطح، تفسير مدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيزميك رباعي الأبعاد 4D، النمذجة اللحظية للمكمن، تحسين الاستخلاص (EOR/IOR)، سلامة الآبار وإدارة التآكل، وإدارة الانبعاثات. هذه ليست قائمة “تقنية” فقط—بل قائمة نقاط ربح وخسارة.
1) تفسير السيزميك بالذكاء الاصطناعي: تقليل اللايقين قبل الحفر
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يسرّع تفسير البيانات السيزمية ويجعل المقارنة بين السيناريوهات أكثر صرامة.
عملياً، نماذج التعلم العميق تساعد في:
- التقاط الأنماط (Faults/Channels/Facies) عبر مجسمات سيزمية ضخمة.
- توحيد جودة التفسير بين الفرق المختلفة (تقليل “اختلاف الخبراء”).
- تحويل التفسير من نشاط يستغرق أسابيع إلى دورات أقصر تدعم قرار موقع البئر.
في سياق عُمان، حيث تتعدد البيئات الجيولوجية وتتباين جودة البيانات بين الأصول، القيمة الأكبر ليست السرعة وحدها، بل حوكمة التفسير: نفس القواعد، نفس مؤشرات الجودة، ونفس طريقة توثيق القرار.
2) 4D Seismic + نمذجة المكمن في الزمن الحقيقي: مراقبة ما لا يُرى
الجواب المباشر: الـ4D يراقب تغيّر المكمن عبر الزمن، والذكاء الاصطناعي يساعد على تفسير “لماذا تغيّر” وليس فقط “ماذا تغيّر”.
عندما تربط بيانات 4D مع بيانات الإنتاج والضغط وعمليات الحقن، يمكن:
- تحديد مناطق bypassed oil.
- تحسين مواقع آبار الإكمال أو إعادة التطوير.
- ضبط استراتيجيات الحقن لتقليل المياه المنتجة ورفع الاستخلاص.
النقطة الحاسمة: النجاح هنا يحتاج سلاسل بيانات مترابطة (سيزميك + إنتاج + اختبارات آبار + تاريخ عمليات). كثير من المشاريع تتعثر لأن البيانات موجودة لكن غير موحدة أو غير قابلة للاستخدام التحليلي.
3) تحسين الاستخلاص (EOR/IOR): من “وصفة ثابتة” إلى “تحكم تكيفي”
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة تحكم تكيفي لعمليات EOR/IOR عبر التنبؤ باستجابة المكمن وتعديل الجرعات والحقن.
بدلاً من تشغيل برنامج حقن (بوليمر/غاز/مياه) وفق خطة ثابتة، يمكن بناء نماذج تنبؤية تقرأ إشارات مبكرة مثل:
- تغير نسب المياه (Water cut)
- تغير الضغط
- تغير معدلات الإنتاج لكل بئر
ثم تقترح تعديلات تشغيلية ضمن حدود السلامة. هذا لا يلغي دور المهندس؛ لكنه يجعل قراراته مبنية على إنذار مبكر بدل انتظار “تدهور واضح” بعد فوات الأوان.
4) سلامة الآبار وإدارة التآكل: ذكاء اصطناعي يمنع التوقف قبل أن يحدث
الجواب المباشر: أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي عائداً ليست بالضرورة الأكثر تعقيداً، بل الأكثر التصاقاً بالمخاطر التشغيلية.
الاتفاق أشار إلى well integrity وcorrosion management. هنا المكسب يأتي من:
- نماذج كشف الشذوذ (Anomaly detection) لقراءات الضغط/الحرارة/الاهتزاز.
- توقع احتمالية الفشل لمكونات محددة (صمامات، أنابيب، معدات رفع اصطناعي).
- جدولة الصيانة بناءً على الحالة (Condition-based maintenance) بدلاً من الجداول الزمنية.
في عُمان، حيث يمتد التشغيل عبر بيئات مختلفة وقد تتباين حساسية الأصول للتآكل، النهج الواقعي هو البدء بـأصول ذات بيانات حساسات جيدة ثم توسيع النموذج تدريجياً.
5) إدارة الانبعاثات وبصمة الكربون: الذكاء الاصطناعي كأداة امتثال وربحية
الجواب المباشر: تقليل الانبعاثات لم يعد بند علاقات عامة؛ بل عنصر تكلفة ورخصة تشغيل.
الذكاء الاصطناعي يُستخدم في:
- اكتشاف تسربات الميثان عبر دمج حساسات أرضية/صور/بيانات تشغيل.
- تحسين استهلاك الطاقة في الضواغط والمضخات.
- قياس وتتبع الانبعاثات (MRV) بصورة أكثر انتظاماً.
وهنا درس مهم من الشراكة الأفريقية: جمع “المنبع + الانتقال الطاقي” في نفس برنامج R&D يمنع تضارب المبادرات ويجعل خفض الانبعاثات جزءاً من تحسين الأداء لا عبئاً منفصلاً.
ما الذي يمكن لعُمان أن تتعلمه من اتفاق سوناطراك وGNPC؟
الجواب المباشر: التركيز على بنية التعاون وسير العمل، لا على شراء أدوات منفردة.
هذه 5 دروس قابلة للتطبيق في بيئة عُمان:
-
اجعل الذكاء الاصطناعي برنامجاً للمنبع وليس مشروعاً تجريبياً
- حدّد 3 حالات استخدام مرتبطة مباشرة بمؤشرات أداء: زمن التفسير، وقت التوقف، تكلفة الصيانة، معدل الاسترجاع.
-
ابدأ بالبيانات قبل النماذج
- مستودع موحد، كتالوج بيانات، وقواعد جودة (Data quality rules). بدونها، أفضل نموذج لن يعيش.
-
ابنِ فريقاً مشتركاً “جيولوجيا + مكامن + تشغيل + بيانات”
- كثير من المبادرات تفشل لأن فريق البيانات يعمل بمعزل عن قرار البئر أو خطة الحقن.
-
قياس العائد يجب أن يكون على مستوى الأصل (Asset-level)
- لا تقنع الإدارة بأرقام عامة. قِس: ساعات توقف أقل، صيانة أقل، آبار أعلى إنتاجاً خلال 3–6 أشهر.
-
تعاون إقليمي يختصر سنوات
- الشراكات بين الشركات الوطنية والجامعات ومراكز الابتكار الإقليمية تخلق معياراً مشتركاً للبيانات والنماذج—وهذا يقلل تكاليف التوسع.
عبارة تلخّص الاتجاه: من يملك البيانات الموثوقة وسير العمل المنضبط، سيحصل على ذكاء اصطناعي مفيد. أما من يشتري الأدوات فقط، فسيحصل على عروض تقديمية جميلة.
خارطة طريق عملية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في منبع عُمان خلال 90 يوماً
الجواب المباشر: اختر حالة استخدام واحدة عالية العائد، وطبّقها بسرعة، ثم وسّع.
إليك خطة قصيرة المدى (واقعية وليست مثالية):
الأسبوع 1–2: اختيار “حالة استخدام” تربح بسرعة
أمثلة مناسبة:
- تنبؤ التوقف لمضخات/ضواغط في منشأة محددة.
- كشف شذوذ في ضغط الأنابيب/الآبار.
- تسريع تفسير سيزميك في مساحة محددة (Pilot).
الأسبوع 3–6: تجهيز البيانات وقياس خط الأساس
- حصر مصادر البيانات (SCADA, historians, well tests, production reports).
- تنظيف أولي + توثيق فجوات.
- تحديد KPI واضح وخط أساس (Baseline).
الأسبوع 7–10: بناء نموذج وتشغيله “في الظل”
- تشغيل توصيات النموذج دون تدخل في التشغيل (Shadow mode).
- مقارنة التنبؤات بما يحدث فعلاً.
الأسبوع 11–13: إدخال النموذج في القرار التشغيلي
- قواعد واضحة: متى نتصرف؟ من يوافق؟ كيف نوثق؟
- تدريب الفريق + تحديث الإجراءات.
إذا نجح هذا المسار مرة واحدة، يصبح التوسع أسهل لأنك بنيت: بيانات، حوكمة، وثقة تشغيلية.
أسئلة شائعة يسمعها قادة الطاقة في عُمان (وإجابات مختصرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب للأصول الناضجة؟
نعم. غالباً الأصول الناضجة تستفيد أكثر لأن لديك تاريخ بيانات أطول، والتحدي عادة هو إدارة الانحدار والتآكل والتوقف—وهي نقاط قوة للذكاء الاصطناعي.
هل نحتاج “بيانات مثالية” للبدء؟
لا. تحتاج بيانات كافية ومُعرّفة. الأفضل البدء بأصل بياناته جيدة نسبياً، ثم رفع النضج تدريجياً.
ما أكبر خطأ إداري؟
اعتبار الذكاء الاصطناعي “أداة قسم تقنية المعلومات”. الصحيح: ملكية أعمال (Asset owner) + فريق بيانات.
خطوة تالية لعُمان: الذكاء الاصطناعي كجسر بين الكفاءة والانتقال الطاقي
خبر سوناطراك وGNPC ليس مجرد تعاون بحثي؛ إنه إشارة واضحة أن المنبع يتغير: تفسير سيزميك مدعوم بالذكاء الاصطناعي، نمذجة مكمن لحظية، صيانة تنبؤية، وإدارة انبعاثات مدمجة في التشغيل. هذا بالضبط ما يجعل موضوع سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان» عملياً، لا نظرياً.
الخطوة الأذكى الآن لشركات الطاقة في عُمان هي بناء محفظة تطبيقات ذكاء اصطناعي مرتبطة مباشرة بأهداف 2026: إنتاج أكثر استقراراً، توقف أقل، سلامة أعلى، وانبعاثات أقل.
ما التطبيق الذي تعتقد أنه سيعطي أسرع عائد في أصول عُمان: تفسير السيزميك، أم الصيانة التنبؤية، أم تحسين برامج الحقن؟