الذكاء الاصطناعي يسرّع وقود الطيران المستدام في عمان

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

شراكة BP وCorteva لإنتاج مدخلات وقود حيوي تكشف كيف يصنع الذكاء الاصطناعي فرقًا في SAF وRD—وما الفرص العملية لعمان خلال عامين.

وقود الطيران المستداموقود حيويذكاء اصطناعيسلاسل الإمدادمصافياستدامة
Share:

الذكاء الاصطناعي يسرّع وقود الطيران المستدام في عمان

بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن، تخطط شراكة جديدة بين BP وCorteva لإنتاج مليون طن متري سنويًا من مدخلات الوقود الحيوي (Feedstock)، وهي كمية قد تتحول إلى أكثر من 800 ألف طن من الوقود الحيوي. الرقم ليس تفصيلاً ثانوياً؛ لأنه يكشف حجم التحول الذي تقوده شركات النفط نفسها نحو مصادر طاقة أقل انبعاثًا—ولكن التحول الحقيقي لا يحدث في المزرعة أو المصفاة فقط. يحدث في البيانات.

أنا مقتنع أن معركة الوقود الحيوي لن تُحسم بالقدرة الإنتاجية وحدها، بل بقدرة الشركات على تشغيل سلاسل الإمداد المعقدة بكفاءة، وضمان الاستدامة، وتخفيض الكلفة… وكل ذلك بسرعة. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي كعامل حاسم. وهذا بالضبط ما يجعل خبر الشراكة مهمًا لعُمان ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”: لأن ما يجري عالميًا في وقود الطيران المستدام والديزل المتجدد يرسم ملامح فرص مباشرة أمام السلطنة—من المصافي إلى الموانئ، ومن الزراعة إلى اللوجستيات.

ماذا تقول شراكة BP وCorteva عن اتجاه السوق؟

الاتجاه واضح: شركات النفط تتحول من “إنتاج برميل” إلى “إدارة مزيج وقود”. الشراكة (50/50) التي أُطلقت تحت اسم Etlas تستهدف إنتاج مدخلات الوقود الحيوي من محاصيل مثل الكانولا والخردل وعباد الشمس، على أن يبدأ التوريد الأولي في 2027 لاستخدامه في المعالجة المشتركة داخل المصافي (Co-processing) أو في مصانع وقود حيوي متخصصة.

وفق ما ورد في الخبر، تقديرات الصناعة تتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على وقود الطيران المستدام SAF إلى 10 ملايين طن بحلول 2030 مقارنة بحوالي مليون طن في 2024. كذلك قد يرتفع الطلب على الديزل المتجدد RD إلى 35 مليون طن بحلول 2030 من نحو 17 مليون طن في 2024. هذه القفزات تعني شيئًا واحدًا: سلاسل الإمداد ستصبح عنق الزجاجة.

لماذا “المدخلات” أهم من الوقود نفسه؟

في الوقود الحيوي، المنتج النهائي ليس المشكلة دائمًا—المشكلة في: أين ستزرع، كيف ستُحصد، كيف ستُنقل، وكيف ستُوثّق الاستدامة. Etlas تتحدث عن زراعة “محاصيل وسيطة” بين مواسم الغذاء، على أراضٍ زراعية قائمة، لتجنب ضغط إضافي على الأراضي. هذه نقطة ذكية تسويقيًا وتنظيميًا، لكنها عمليًا تتطلب إدارة دقيقة جدًا للمواعيد والمخاطر المناخية وجودة المحصول.

بالنسبة لعُمان، الفكرة ليست نسخ المحاصيل نفسها حرفيًا، بل فهم القاعدة: أي مشروع SAF/RD كبير يحتاج منصة بيانات تحكم الزراعة واللوجستيات والامتثال.

أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية في الوقود الحيوي؟

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يخلق قيمة عندما يحول سلسلة معقدة إلى سلسلة قابلة للتنبؤ. في الوقود الحيوي، عدم اليقين عالي: إنتاجية المحاصيل، توقيت الحصاد، تذبذب الأسعار، جودة المدخلات، والقيود التنظيمية على الاستدامة.

1) التنبؤ بالإنتاج الزراعي قبل الحصاد

نماذج التعلم الآلي التي تجمع بيانات الطقس، وصور الأقمار الصناعية، واستشعار التربة، تستطيع تقدير الإنتاجية مبكرًا. هذا يغير قواعد التعاقد:

  • المصافي ومصانع الوقود تستطيع التخطيط للخلط والإنتاج.
  • المشتريات تستطيع تثبيت أسعار أو بناء عقود مرنة.
  • إدارة المخزون تقلل الهدر الناتج عن تذبذب الجودة والكميات.

في سياق عُمان، حتى لو لم تكن الزراعة هي المصدر الأكبر للمدخلات، فإن نفس الفكرة تنطبق على استيراد المدخلات: الذكاء الاصطناعي يتنبأ بتأخيرات الشحن، ويحسن توقيت الشراء، ويقلل “تكلفة المفاجآت”.

2) تحسين اللوجستيات: من الحقل إلى المصفاة

مدخلات SAF/RD حساسة لزمن النقل والتخزين. أنظمة تحسين المسارات (Route Optimization) والتخطيط الديناميكي للأسطول تساعد على:

  • تقليل زمن النقل واستهلاك الوقود في الشاحنات والسفن
  • تقليل الانبعاثات ضمن سلسلة القيمة
  • موازنة الضغط على الموانئ والمستودعات

وعمان تمتلك عنصرًا قويًا هنا: الموقع والموانئ والربط اللوجستي. إذا أضيفت طبقة ذكاء اصطناعي لإدارة سلسلة إمداد وقود منخفض الكربون (سواء محليًا أو إقليميًا)، يمكن للسلطنة أن تتموضع كمركز موثوق لتدفقات SAF/RD.

3) إدارة الجودة والخلط داخل المصافي (Co-processing)

BP ذكرت أنها تنتج حاليًا نحو 10,000 برميل يوميًا من الوقود الحيوي عبر المعالجة المشتركة في مصافيها. هذا النوع من التشغيل يتطلب ضبطًا حساسًا للمدخلات والعمليات.

الذكاء الاصطناعي هنا يُستخدم في:

  • نماذج “التوأم الرقمي” لوحدات المصفاة لاختبار سيناريوهات الخلط دون المخاطرة على الأرض
  • التحكم التنبؤي لتحسين درجات الحرارة والضغط وتقليل المنتجات الجانبية
  • كشف مبكر لانحرافات الجودة عبر تحليل البيانات الزمنية (Time-series)

الفرصة في عمان: دمج الذكاء الاصطناعي في تشغيل المصافي ووحدات المعالجة والبتروكيماويات لتقليل الطاقة المستهلكة لكل طن منتج، وتحسين قابلية التوسع عند إدخال خامات بديلة.

4) الامتثال وإثبات الاستدامة: الذكاء الاصطناعي كـ“محاسب كربون”

سوق SAF تحديدًا محكوم بمعايير إثبات الاستدامة وتتبع المنشأ. من دون توثيق محكم، الوقود قد لا يُحتسب ضمن حصص خفض الانبعاثات.

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة عملية لـ:

  • تدقيق بيانات الموردين واكتشاف التناقضات
  • تقدير البصمة الكربونية لكل شحنة بناءً على النقل والطاقة والزراعة
  • أتمتة التقارير التنظيمية وتقليل زمن التدقيق

هذا يهم عمان لأن جذب عقود توريد طويلة الأجل يتطلب ثقة عالية في البيانات. الثقة ليست شعارًا؛ هي نظام.

ماذا يعني ذلك لعُمان: فرص واقعية خلال 12–24 شهرًا

الرسالة المباشرة: قبل التفكير في استثمارات ضخمة في “مصنع SAF”، هناك خطوات أقصر وأسرع تبني قيمة وتخلق عملاء محتملين.

فرصة 1: منصة ذكاء اصطناعي لسلسلة إمداد الوقود منخفض الكربون

إنشاء منصة تربط بين الموردين، الموانئ، التخزين، والمستهلكين (مثل الطيران والشحن) مع طبقة ذكاء اصطناعي للتنبؤ والتخطيط. نتائج متوقعة:

  • تقليل تكاليف التخزين والانتظار
  • رفع موثوقية التسليم (On-time delivery)
  • تحسين استخدام الأصول (صهاريج، مستودعات، أرصفة)

فرصة 2: “التوأم الرقمي” للمصفاة ووحدات المعالجة

بدل الدخول مباشرة في توسعات رأسمالية، يمكن البدء بمشاريع توأم رقمي على وحدات مختارة لتحسين:

  • كفاءة الطاقة
  • جودة المنتج عند إدخال مدخلات بديلة
  • الصيانة التنبؤية وتقليل التوقفات

فرصة 3: حوكمة بيانات الاستدامة والقياس الكربوني

العديد من المشاريع تتعثر لأن بيانات الاستدامة غير جاهزة: تعريفات، مصادر، صلاحيات، آليات تحقق. بناء إطار عمل واضح (Data Governance) مع نماذج ذكاء اصطناعي للتدقيق يختصر وقتًا كبيرًا عند التوسع.

جملة قابلة للاقتباس: أي مشروع SAF بلا نظام بيانات للاستدامة هو مشروع “معلّق” تنظيمياً مهما كانت قدرته الإنتاجية.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)

هل الوقود الحيوي منافس مباشر لنفط عمان؟

ليس بهذه البساطة. الوقود الحيوي—خصوصًا SAF—سينمو لأن الطيران يحتاج حلولًا عملية لخفض الانبعاثات دون تغيير كامل للأسطول. هذا يخلق طلبًا جديدًا على قدرات المصافي والخلط واللوجستيات. من يفهم التحول مبكرًا يكسب عقودًا ومكانة في سلسلة قيمة جديدة.

هل الذكاء الاصطناعي “مشروع تقنية” أم “مشروع أعمال”؟

هو مشروع أعمال أولًا. إذا لم يكن مرتبطًا بمؤشرات مثل تكلفة الطن، زمن التسليم، كفاءة الطاقة، أو الامتثال—سيتحول إلى لوحة معلومات جميلة بلا تأثير.

من أين تبدأ شركة طاقة في عمان؟

ابدأ من مكان الألم الحقيقي:

  1. بيانات تشغيل المصفاة (جودة/طاقة/توقفات)
  2. بيانات سلسلة الإمداد (مواعيد/مخزون/تكلفة نقل)
  3. بيانات الاستدامة (مصادر/توثيق/تقارير)

كيف تقرأ عُمان خبر Etlas بشكل عملي؟

خبر BP وCorteva ليس مجرد إعلان شراكة زراعية. هو إشارة إلى أن الطاقة أصبحت شبكة تعاقدات وبيانات أكثر من كونها “حقول ومصافي” فقط. وعندما تتوقع السوق نمو SAF من مليون طن (2024) إلى 10 ملايين طن (2030)، فهذا يعني أن من يملك القدرة على التخطيط والامتثال واللوجستيات سيفوز حتى لو لم يزرع حبّة واحدة.

إذا كنت تعمل في شركة نفط وغاز، أو تشغيل مصفاة، أو لوجستيات طاقة في عمان، فالسؤال العملي الآن: هل أنظمتك جاهزة لتعامل سلسلة إمداد منخفضة الكربون تُدار بالبيانات؟ أم أنك ستبدأ عندما تصبح متطلبات العملاء والتنظيم أكثر صرامة؟

الخطوة التالية التي أنصح بها: اختيار “حالة استخدام واحدة” ذات أثر واضح—مثل التنبؤ بالمخزون، أو تحسين خلط المدخلات في وحدة محددة، أو أتمتة تقارير الاستدامة—وبناؤها خلال 8–12 أسبوعًا كإثبات قيمة. بعدها فقط يصبح الحديث عن التوسع والاستثمار الكبير منطقيًا.

تاريخ النشر المرجعي للخبر: 08/01/2026، 02:02 AM بتوقيت الساحل الشرقي (EST).