تعلم الكبار في عمان لم يعد محو حروف فقط، بل أساس لمحو الأمية الرقمية وبناء قوة عمل جاهزة للذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز.
التعلم مدى الحياة في عمان: الطريق الأسرع لذكاء الطاقة
في 08/01/2026، احتفلت عمان بيوم محو الأمية العربي تحت شعار يربط تعلم الكبار بـالعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. قد يبدو هذا بعيداً عن النفط والغاز والذكاء الاصطناعي… لكنه ليس كذلك. لأن التحول الحقيقي في قطاع الطاقة لا يبدأ من الخوارزميات، بل من جاهزية الناس: قدرتهم على القراءة الرقمية، فهم البيانات، استخدام الخدمات الإلكترونية، والتعلم المستمر عندما تتغير الأدوات.
الأرقام تقول إن عمان تتحرك بوضوح في هذا الاتجاه: 192 صفاً لمحو الأمية موزعة حتى على المناطق الجبلية والصحراوية، و2,032 متعلماً ومتعلّمة في العام الدراسي 2025–2026. هذه ليست مجرد فصول لمحو أمية الحروف. هذا تمهيد عملي لبناء قوة عمل تستطيع مواكبة الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان—من السلامة الميدانية إلى تحسين الإنتاج وتخفيض الهدر.
الفكرة التي أراها حاسمة: الذكاء الاصطناعي لا يعوض الإنسان غير المستعد، بل يرفع الإنسان المستعد درجة أعلى.
لماذا محو الأمية اليوم يعني جاهزية للذكاء الاصطناعي؟
الجواب المباشر: لأن الأمية في 2026 لم تعد “عدم القدرة على القراءة والكتابة” فقط، بل تشمل العجز عن استخدام الهاتف بوعي، قراءة الإشعارات، فهم النماذج الإلكترونية، والتعامل مع المنصات التعليمية والخدمات الحكومية.
هذا يهم قطاع الطاقة في عمان تحديداً لسبب بسيط: سلاسل العمل في النفط والغاز أصبحت رقمية. البلاغات، التصاريح، تقارير السلامة، أوامر العمل، وسجلات الصيانة… كلها تتحول إلى تطبيقات ولوحات معلومات. عندما تكون القراءة الرقمية ضعيفة، تتعثر العملية حتى لو كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي متوفرة.
ومن زاوية العدالة الاجتماعية—وهي محور شعار هذا العام—فإن توسيع فرص التعلم للكبار يعني فتح أبواب وظائف أفضل، وتقليل الفجوة بين من يملك المهارة الرقمية ومن لا يملكها. وهذا ينعكس مباشرة على استقرار سوق العمل في القطاعات الاستراتيجية.
من “محو أمية” إلى “إتقان مهارة”
ما تقوم به وزارة التربية والتعليم في عمان، بحسب البيانات المنشورة للعام 2025–2026، يعكس تحولاً من برنامج تعويضي إلى مسار مهاري:
- الوصول إلى مستهدفين في جميع المحافظات عبر 192 صفاً
- تسجيل 2,032 متعلماً ومتعلّمة
- تسجيل شمال الباطنة 442 كأعلى التحاق
- تسجيل مسندم 58 مع مؤشرات قرب إعلانها خالية من الأمية الأبجدية الأساسية
هذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تُظهر أن العمل ليس “رمزياً”، بل توزيع فعلي وفرص متاحة حتى في البيئات الأقل وصولاً للخدمات.
ما الذي تغيّره “محو الأمية الرقمية” في بيئات النفط والغاز؟
الجواب المباشر: تغيّر قدرة العامل—سواء في موقع ميداني أو وظيفة إدارية—على التفاعل مع أنظمة التشغيل الحديثة التي تعتمد على البيانات، وعلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي دون خوف أو ارتباك.
الخبر المنشور أشار إلى استعداد الوزارة لتطبيق مشروع «محو الأمية الرقمية للصف الثالث» في 2026، وإلى إدخال الشاشات والسبورات التفاعلية ومنصات مبسطة تناسب المتعلمين الكبار، مع معالجة قلق التقنية وتعزيز الأخلاقيات الرقمية وحماية البيانات. قد يبدو ذلك تعليمياً بحتاً، لكنه يلتقي مباشرة مع احتياجات قطاع الطاقة.
1) السلامة (HSE) تبدأ من فهم التعليمات الرقمية
في مواقع النفط والغاز، خطأ بسيط في قراءة إجراء سلامة، أو تجاهل إشعار تطبيق، قد يصنع حادثاً. عندما يتحول الإبلاغ عن المخاطر إلى تطبيق، أو تُرسل تحديثات إجراءات السلامة عبر منصة داخلية، تصبح القراءة الرقمية شرطاً للسلامة.
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية: نماذج تتنبأ بالمخاطر وتصدر تنبيهات، أو تحلل أنماط “قرب الحوادث” (Near Miss). لكن قيمة هذا كله تضيع إن لم يكن لدى المستخدمين مهارة التعامل مع التنبيه، فتحه، فهمه، واتخاذ إجراء.
2) الصيانة التنبؤية تعتمد على انضباط البيانات
كثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي في الطاقة تفشل ليس لأن النموذج ضعيف، بل لأن البيانات غير مكتملة أو غير دقيقة. إدخال قراءة عدّاد، توثيق ملاحظة، أو تعبئة نموذج عمل… هذه التفاصيل الصغيرة هي “غذاء” الذكاء الاصطناعي.
عندما تدعم برامج تعلم الكبار مهارات مثل:
- قراءة نماذج إلكترونية وفهم حقولها
- كتابة ملاحظات واضحة ودقيقة
- التعامل مع تطبيقات مبسطة
فهي عملياً ترفع جودة البيانات التشغيلية، وبالتالي ترفع جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي.
3) الخدمات الحكومية الرقمية جزء من سلاسة التوظيف والتدريب
الوزارة تستهدف تمكين المتعلمين من الوصول إلى الخدمات الحكومية الإلكترونية واستخدام أدوات التعلم الذكي. وهذا يُترجم في سوق العمل إلى:
- تسجيل أسهل في برامج التدريب الفني
- متابعة الشهادات والدورات
- تسهيل إجراءات التوظيف والانتقال الوظيفي
في قطاع النفط والغاز، حيث تتسع منظومة المقاولين والموردين والوظائف المساندة، يصبح هذا العامل مؤثراً في سرعة بناء الكفاءات.
التعليم للكبار كأداة عدالة… وكفاءة اقتصادية أيضاً
الجواب المباشر: تعليم الكبار يقلل الهدر الاقتصادي الناتج عن ضعف المهارات، ويزيد فرص المشاركة في سوق العمل، وهو ما ينعكس على إنتاجية القطاعات الاستراتيجية.
أحب أن أكون واضحاً هنا: ربط التعلم بالعدالة الاجتماعية ليس خطاباً لطيفاً فقط. هو قرار اقتصادي. عندما تتوسع قاعدة من يستطيع التعامل مع الأدوات الرقمية، تقل:
- كلفة الأخطاء الإدارية
- كلفة إعادة التدريب الأساسي
- الاعتماد على وسطاء لشرح “أبسط المهام”
ويزيد بالمقابل:
- معدل الالتزام بالإجراءات
- سرعة تبني الأنظمة الجديدة
- القدرة على إعادة توزيع العمالة نحو مهام ذات قيمة أعلى
وهذه بالضبط البيئة التي يحتاجها التحول نحو الذكاء الاصطناعي في شركات النفط والغاز في عمان: بيئة يتقبل فيها الناس التغيير لأنهم يملكون أساسيات التعلم.
مسندم مثال صغير بمعنى كبير
ذكر الخبر أن مسندم سجّلت 58 متعلماً مع مؤشرات أنها تقترب من إعلانها خالية من الأمية الأبجدية الأساسية. قد يقرأ البعض الرقم كأنه “قليل”. أنا أقرأه كإشارة على أن البرامج تصل حتى للمناطق ذات التوزيع السكاني الخاص، وأن الهدف ليس الرقم بحد ذاته بل الإنصاف في الوصول.
في التحول الرقمي للطاقة، الإنصاف في الوصول يعني أيضاً أن العامل في موقع بعيد يجب أن يمتلك فرصة تدريب مشابهة لمن يعمل في مركز المدينة—وإلا ستظهر فجوة تشغيلية.
كيف تبني الشركات جسراً عملياً من محو الأمية إلى الذكاء الاصطناعي؟
الجواب المباشر: عبر مسارات تدريب قصيرة ومحددة، تربط مهارات القراءة الرقمية بمهام العمل اليومية، وليس بمحاضرات نظرية.
إذا كنت مسؤولاً في شركة طاقة أو مقاولاً في قطاع النفط والغاز، فهذه خطوات قابلة للتنفيذ خلال 8–12 أسبوعاً، وتكلفتها أقل بكثير من تكلفة فشل مشروع ذكاء اصطناعي:
1) صمّم “حداً أدنى للمهارات الرقمية” لكل وظيفة
ليس الجميع بحاجة لتعلم البرمجة. لكن الجميع بحاجة لحد أدنى مثل:
- استخدام تطبيقات البلاغات وأوامر العمل
- فهم رموز ولوحات المعلومات الأساسية
- التعامل مع كلمات المرور والتوثيق الثنائي
- إدخال بيانات صحيحة والتحقق منها
اجعلها قائمة واضحة من 10–15 مهارة، مع اختبار بسيط قبل وبعد.
2) اربط التدريب بالسلامة والإنتاج، لا بالتقنية
الناس تتعلم أسرع عندما ترى أثر المهارة على حياتها اليومية.
مثال عملي:
- بدلاً من “دورة استخدام الجهاز اللوحي”
- اجعلها “كيف توثّق فحص السلامة في 90 ثانية وتقلل الأخطاء”
3) استثمر في المدربين… لأنهم حلقة التحول الصامتة
الخبر أشار إلى برنامج متخصص لتطوير مهارات المعلّمين العاملين مع المتعلمين الكبار. هذا اتجاه ذكي. وعلى الشركات أن تتبنّى الفكرة نفسها داخلياً:
- جهّز “موجّهين” من العاملين أنفسهم (Peer Coaches)
- كافئ من يثبت أنه ينقل المعرفة لزملائه
- قلّل رهبة التقنية بمحتوى بسيط وعملي
4) أدخل أخلاقيات البيانات كجزء من التدريب
الوزارة ركزت على الأخلاقيات الرقمية وحماية البيانات. في قطاع الطاقة، هذا ليس ترفاً. لأن بيانات التشغيل والسلامة حساسة.
ضع قواعد واضحة:
- ما الذي يُشارك وما الذي لا يُشارك؟
- كيف نقرأ رسائل التصيّد الاحتيالي؟
- كيف نحمي الأجهزة في المواقع الميدانية؟
هذه الأساسيات تمنع مشاكل كبيرة لاحقاً، خصوصاً عندما تبدأ الأنظمة الذكية بتجميع البيانات من مصادر متعددة.
أسئلة شائعة يسمعها قادة التحول (وإجابات مختصرة)
هل يعني ذلك أن كل عامل يجب أن يصبح “خبيراً في الذكاء الاصطناعي”؟
لا. المطلوب هو محو الأمية الرقمية والبيانية: فهم الواجهة، إدخال البيانات، قراءة التنبيهات، والقدرة على التعلم عندما تتغير الأداة.
ما علاقة التعلم مدى الحياة برؤية عمان 2040؟
الخبر ربط البرامج برؤية عمان 2040 التي تضع الإنسان والمجتمع في قلب التنمية. وبخبرتي، هذا الربط جوهري: لا يوجد تحول في الإنتاجية دون استثمار دائم في مهارات الناس.
أين تبدأ الشركة إذا كانت ميزانية التدريب محدودة؟
ابدأ بالوظائف الأكثر تأثيراً على السلامة وجودة البيانات. أي مهارة تقلل حادثاً أو تمنع تعطل معدات، عائدها سريع.
ما الذي يمكن فعله هذا الشهر؟ خطوات عملية وسريعة
إذا أردت تحويل هذا الكلام إلى خطة قصيرة، فهذه “بداية أسبوعين”:
- حدد 3 عمليات يومية تعتمد على تطبيقات أو نماذج رقمية (سلامة، صيانة، لوجستيات).
- قيّم مستوى المهارات الرقمية لدى فريق صغير (10–20 شخصاً) باختبار عملي مدته 15 دقيقة.
- صمّم تدريباً مصغراً (Microlearning) من 5 جلسات، كل جلسة 20 دقيقة، مرتبط بمهمة واحدة.
- ضع معياراً بسيطاً للجودة: “نسبة اكتمال النموذج” و“نسبة أخطاء الإدخال”.
- بعد شهر، قارن الأرقام. إذا تحسن الأداء، أنت تبني أساساً صالحاً لأي مبادرة ذكاء اصطناعي لاحقة.
أين يلتقي يوم محو الأمية العربي مع مستقبل الطاقة في عمان؟
الفكرة النهائية واضحة: ما أعلنته عمان في 01/2026 حول توسيع مفهوم محو الأمية ليشمل مهارات العصر الرقمي ليس شأناً تعليمياً فقط. هو تهيئة لسوق عمل يستطيع تبني الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز دون أن يترك أحداً خلفه.
عندما تُدار برامج تعلم الكبار بروح “التعلم مدى الحياة”، تصبح الشركات أقدر على إدخال التحليلات المتقدمة، الأتمتة، والصيانة التنبؤية، لأن العنصر البشري أصبح جاهزاً للتعامل مع البيانات والمنصات. وهذا هو قلب سلسلة مقالاتنا: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان يبدأ من الإنسان، ثم يتوسع إلى التقنية.
إذا كنت تعمل في قطاع الطاقة أو تدير فريقاً تشغيلياً، ما المهارة الرقمية الواحدة التي لو تحسنت عند فريقك خلال 30 يوماً ستقلل الأخطاء فوراً؟