عقود صيانة بـ9.9 مليار: درس لعُمان في الذكاء الاصطناعي

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

عقود صيانة إكوينور بـ9.9 مليار دولار تكشف كيف تُدار الصيانة كرافعة إنتاج. تعرّف كيف يطبّق الذكاء الاصطناعي للصيانة التنبؤية في عُمان.

الصيانة التنبؤيةعقود الصيانةتحول رقميالذكاء الاصطناعي الصناعيقطاع النفط والغازإدارة الأصول
Share:

Featured image for عقود صيانة بـ9.9 مليار: درس لعُمان في الذكاء الاصطناعي

عقود صيانة بـ9.9 مليار: درس لعُمان في الذكاء الاصطناعي

في 09/01/2026 أعلنت «إكوينور» النرويجية عن منح 12 اتفاقية إطار للصيانة والتعديلات بقيمة تقارب 100 مليار كرونة نرويجية (9.9 مليار دولار). الرقم كبير، لكنه ليس مجرد خبر مالي. الرسالة الأهم: الصيانة ليست بندًا تشغيليًا هامشيًا؛ هي “محرك الإنتاج” عندما يكون الهدف الحفاظ على مستوى ثابت لسنوات طويلة.

اللافت أكثر أن الشركة نفسها أعلنت، في خبر منفصل مرتبط بالسياق، أنها حققت مع شركائها نحو 130 مليون دولار قيمة وتوفيرًا في 2025 عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هنا يبدأ السؤال العملي الذي يهمّنا في عُمان ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»: إذا كانت الصيانة بهذا الحجم، فكيف نجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من طريقة التخطيط والتعاقد والتنفيذ—لا مجرد “أداة تحليل” بعد وقوع المشكلة؟

الواقع؟ أغلب الشركات تتعامل مع الصيانة كاستجابة للأعطال أو كجدولة دورية ثابتة. بينما الشركات التي تتقدم بسرعة هي التي تتعامل معها كمنظومة بيانات: حساسات، أوامر عمل، مخزون، مخاطر سلامة، وقرارات شراء—وكلها يمكن تحسينها بذكاء اصطناعي واضح الهدف.

ماذا تعني عقود إكوينور عمليًا… ولماذا تهمّ عُمان؟

هذه العقود تعني إنتاجًا أكثر استقرارًا عبر صيانة أدقّ وتعديلات أسرع. إكوينور قالت إنها تستهدف الحفاظ على إنتاج يقارب 1.2 مليون برميل مكافئ نفطي يوميًا على الرف القاري النرويجي حتى 2035. لتحقيق ذلك، لا يكفي اكتشاف حقول جديدة؛ يلزم تشغيل آمن وفعّال للأصول الحالية.

العقود تمتد خمس سنوات مع خيارات تمديد (3 سنوات + سنتين). كما أن قيمتها السنوية المجمعة تقارب 10 مليارات كرونة نرويجية، وتشمل التخطيط والهندسة والتركيب والتنفيذ، وتغطي المنشآت البحرية والبرية. الأهم: الشركة تتوقع نحو 4,000 سنة-عمل مباشرة لدى المورّدين. هذا يعني أن الصيانة ليست “تكلفة”—بل اقتصاد سلاسل إمداد وتوظيف ومعرفة صناعية.

بالنسبة لعُمان، الدرس واضح: عندما نخطط لاستدامة الإنتاج وتحسين العائد من الأصول الحالية، فإن أكبر رافعة غالبًا ليست حفرًا إضافيًا فقط، بل إدارة الصيانة والتعديلات كبرنامج وطني للموثوقية (Reliability) مدعوم بالبيانات. والذكاء الاصطناعي هنا ليس رفاهية تقنية، بل وسيلة لتقليل التوقفات غير المخططة، ورفع الالتزام بالسلامة، وضبط التكلفة.

الصيانة “على نطاق واسع” ليست عملًا واحدًا

في خبر إكوينور ذُكر أن الأعمال تشمل تخصصات ميكانيكية وكهربائية وأتمتة. هذا يذكّرنا بأن مشاريع الصيانة الكبرى عادة تتعثر لأسباب ليست هندسية بحتة، مثل:

  • تضارب الجداول بين الفرق والمقاولين
  • نقص قطع الغيار أو وصولها متأخرًا
  • تقديرات غير دقيقة لمدة العمل (Work Packs)
  • قرارات شراء متأخرة أو مواصفات غير موحّدة

هذه نقاط “إدارية وتشغيلية”، لكنها قابلة للتحسين عبر نماذج تنبؤ وجدولة وتحسين قرار.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في الصيانة والتعديلات؟ (وليس كشعار)

الذكاء الاصطناعي يضيف قيمة عندما يربط بين ثلاثة أشياء: البيانات، القرار، والنتيجة. وخبر إكوينور يعطينا مثالًا عمليًا: الشركة قالت إنها تستخدم الذكاء الاصطناعي عبر منشآت بحرية وبرية “على نطاق صناعي” لتحقيق السلامة والكفاءة والربحية، وحققت 130 مليون دولار وفورات/قيمة في 2025.

هذا النوع من الأرقام لا يأتي عادة من “نموذج واحد”، بل من باقة استخدامات. في سياق الصيانة، أبرز نقاط الدخول هي:

1) الصيانة التنبؤية بدل الجدولة الثابتة

الجواب المباشر: الصيانة التنبؤية تقلل الأعطال المفاجئة عبر التنبؤ بوقت الفشل قبل حدوثه.

عمليًا، يتم تدريب نماذج (Machine Learning) على بيانات مثل الاهتزاز والحرارة والضغط وتاريخ الأعطال وأوامر العمل. ثم تُنتج توصيات: “هذه المضخة لديها احتمال فشل مرتفع خلال 21 يومًا” أو “المبادل الحراري يفقد كفاءته تدريجيًا”.

في بيئات النفط والغاز بعُمان، هذا ينعكس على:

  • تقليل توقفات الإنتاج غير المخططة
  • تحسين تخطيط الإغلاق (Shutdown/Turnaround)
  • تقليل قطع الغيار المستعجلة (Expedite)

2) تحسين تخطيط أوامر العمل (Work Orders) وجدولتها

الجواب المباشر: نماذج الذكاء الاصطناعي تستطيع توقع مدة المهمة والموارد المطلوبة بناءً على سجل أعمال مشابهة.

أكثر ما يهدر الوقت في الصيانة ليس تنفيذ العمل، بل “قبل التنفيذ”: انتظار تصريح عمل، تأخير عزل المعدات، عدم توفر فني مع مهارة محددة، أو تضارب الوصول للموقع. إذا استُخدمت خوارزميات تحسين (Optimization) مع بيانات تاريخية، يمكن تقليل الاختناقات عبر:

  • ترتيب أوامر العمل حسب المخاطر وتأثير الإنتاج
  • “تجميع” الأعمال المتقاربة لتقليل فترات العزل
  • موازنة الموارد بين التخصصات (ميكانيكا/كهرباء/أتمتة)

3) مراقبة السلامة: ذكاء اصطناعي يفهم المخاطر قبل أن تتحول لحوادث

الجواب المباشر: التحليلات الذكية تقلل الحوادث عبر رصد الأنماط الخطرة في السلوك والبيئة.

ليس المقصود مراقبة الأشخاص بقدر ما هو مراقبة السياق: ازدحام في منطقة عمل، عدم التزام بمسافات أمان، أو مؤشرات مبكرة لمخاطر. يمكن دمج بيانات:

  • تصاريح العمل
  • سجلات الحوادث القريبة الوقوع (Near Miss)
  • قراءات الغاز وبيانات البيئة

ثم إنتاج تنبيه تشغيلي: “ارتفاع مخاطر العمل الساخن في هذا الموقع خلال هذه النافذة الزمنية”.

4) إدارة المخزون وقطع الغيار: تقليل “الرفوف الممتلئة” و”الرفوف الفارغة” في نفس الوقت

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يوازن بين تكلفة التخزين ومخاطر عدم توفر القطعة.

في الصيانة الثقيلة، التحدي معروف: إما شراء وتخزين مبالغ فيه، أو نقص مفاجئ يوقف العمل. نماذج التنبؤ بالطلب تربط بين معدلات الفشل ومواعيد الإغلاقات وخطط التدخلات (Well Interventions) لتحديد:

  • ما الذي يجب تخزينه محليًا؟
  • ما الذي يمكن شراؤه عند الحاجة؟
  • ما القطع التي يجب توحيد مواصفاتها بين الحقول؟

ماذا يمكن لعُمان أن تتعلم من “نهج التعاقد” لدى إكوينور؟

الدرس ليس أن نقلد الأرقام، بل أن نقلد طريقة التفكير: عقود طويلة نسبيًا + تعاون “قريب ومتوقع” + تركيز على السلامة + “العمل أذكى” بالتقنية.

إكوينور أكدت أن الهدف “تعاون طويل وقابل للتنبؤ” لتعزيز ثقافة السلامة والأمن والتنافسية، وذكرت “التوسع في استخدام التقنية الجديدة”. هذا يعكس نقطة غالبًا تغيب في المنطقة: التقنية لا تنجح إذا بقيت خارج العقد.

كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي في عقود الصيانة في عُمان؟

هذه خطوات عملية رأيت أنها الأكثر جدوى عندما تُكتب بوضوح في نطاق العمل (Scope):

  1. بنود بيانات ملزمة: تحديد ما الذي يجب جمعه (حساسات/SCADA/CMMS) ومن يملكه وكيف يشارك.
  2. مؤشرات أداء مرتبطة بالموثوقية: مثل MTBF وMTTR، ومؤشرات توقفات غير مخططة.
  3. آلية “تحسين مستمر” ربع سنوية: حيث يقدم المقاول/الفريق نتائج نموذج تنبؤ أو تحسين جدول ويُقاس أثره.
  4. حوكمة أمن سيبراني وتقني: لأن دمج البيانات التشغيلية مع التحليلات الذكية يرفع سطح الهجوم.
  5. تدريب مشترك: ليس تدريبًا عامًا، بل تدريب “على بيانات الموقع” لفنيي الصيانة ومهندسي الموثوقية.

جملة تصلح كقاعدة قرار: إذا لم يكن للذكاء الاصطناعي بند في العقد وKPI واضح، سيبقى مشروعًا تجريبيًا في العرض التقديمي.

من “التجارب” إلى التشغيل الفعلي: خريطة طريق 90 يومًا لشركات النفط والغاز في عُمان

الجواب المباشر: أسرع طريق لتحقيق أثر هو اختيار حالة استخدام واحدة عالية القيمة، ثم تشغيلها على بيانات حقيقية وقياس أثرها ماليًا وتشغيليًا.

إليك خطة 90 يومًا قابلة للتطبيق دون مبالغة:

الأسبوع 1–2: اختيار حالة الاستخدام الصحيحة

اختَر واحدة فقط من التالية (حسب الألم الأكبر لديك):

  • مضخات حقن الماء/الغاز
  • ضواغط الغاز
  • صمامات حرجة في خطوط الإنتاج
  • المبادلات الحرارية في وحدات المعالجة

الأسبوع 3–6: تجهيز البيانات وربط الأنظمة

  • استخراج أوامر العمل من CMMS
  • ربط قراءات الحساسات الأساسية
  • تنظيف الأعطال المتكررة وتصنيف أسباب الفشل

الأسبوع 7–10: نموذج أولي قابل للقياس

  • نموذج تنبؤ فشل أو تدهور أداء
  • لوحة متابعة بسيطة لفرق الصيانة
  • قاعدة “قرار” واضحة: متى نوقف؟ متى نراقب؟ متى نتدخل؟

الأسبوع 11–13: قياس الأثر وتثبيت التشغيل

قِس 3 مؤشرات فقط:

  • عدد الأعطال غير المخططة (قبل/بعد)
  • وقت التوقف أو ساعات الإنتاج المفقودة
  • تكلفة الصيانة الطارئة

إذا خرجت بنتائج ملموسة، وسّع النطاق تدريجيًا.

أسئلة شائعة يتكرر طرحها في مشاريع الذكاء الاصطناعي للصيانة

هل نحتاج “بيانات مثالية” قبل البدء؟

لا. لكن تحتاج بيانات كافية ومتسقة. كثير من المشاريع تنجح ببيانات متوسطة الجودة إذا كانت حالة الاستخدام محددة ومؤشرات القياس واضحة.

هل الذكاء الاصطناعي بديل عن خبرة الفنيين؟

لا. الذكاء الاصطناعي الجيد هو الذي يحوّل خبرة الفني إلى قواعد وميزات (Features) داخل النموذج، ثم يعيدها كتوصيات أسرع وأكثر اتساقًا.

ما أكبر خطأ يقع فيه فريق التشغيل؟

ربط المشروع بـ“قسم التقنية” فقط. الصيانة التنبؤية مشروع تشغيل وموثوقية أولًا، والتقنية جزء داعم.

أين تتجه الصناعة في 2026؟ ولماذا هذا التوقيت مناسب لعُمان؟

الجواب المباشر: 2026 هو عام “توسيع النطاق” لا “إقناع الإدارة”.**

الزخم العالمي واضح: استثمارات صيانة طويلة الأجل مثل إكوينور، وضغط مستمر على الكفاءة، وحساسية أكبر لمخاطر السلامة والانبعاثات، وارتفاع توقعات أصحاب المصلحة حول الحوكمة والشفافية. في عُمان، هذا يتقاطع مع رغبة حقيقية في تحديث العمليات ورفع الإنتاجية من الأصول القائمة، ورفع كفاءة الإنفاق التشغيلي.

إذا كنت تقود قرارًا في شركة نفط وغاز أو مزود خدمات في السلطنة، فأنا أرى أن أفضل رهان الآن هو: ابدأ من الصيانة والتدخلات (Interventions) لأنها منطقة تجمع بين وفورات سريعة وتحسين سلامة قابل للقياس.

الخطوة التالية واضحة: حدّد أصلًا واحدًا عالي التأثير، وشغّل نموذجًا واحدًا، واطلب من فريقك قياس النتيجة بالأرقام—ثم وسّع. السؤال الذي يستحق أن يبقى في ذهننا: كم من توقفاتنا “غير المخططة” هي في الحقيقة “غير متنبأ بها” فقط؟