إنتاج مصافي عُمان ارتفع 12.5% في 2025. تعرّف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة التكرير والبتروكيماويات عبر الصيانة التنبؤية وتحسين المزج.

زيادة إنتاج مصافي عُمان 12.5%: أين يدخل الذكاء؟
قفزة 12.5% في إنتاج المصافي ليست رقماً يُمرّ مرور الكرام. وفق الإحصاءات الأولية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ إجمالي إنتاج مصافي عُمان في 2025 نحو 84,739,200 برميل مقارنةً بعام 2024. هذا النوع من النمو عادةً لا يأتي من «زيادة ورديات» فقط؛ بل من تحسينات تشغيلية دقيقة: تقليل التوقفات، رفع كفاءة الطاقة، تشديد الجودة، وتوجيه الصادرات بذكاء.
وهنا تحديداً يظهر دور الذكاء الاصطناعي في سلسلة مقالاتنا «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان». رأيي واضح: أغلب مكاسب الإنتاج في التكرير اليوم تُصنع في غرفة التحكم والبيانات، لا في ساحة المعدات وحدها. المصافي الحديثة تشبه مصنعاً ضخماً للقرارات؛ كل دقيقة تُنتج بيانات، وكل قرار تشغيلي ينعكس على الإنتاج والسلامة والربحية.
في هذا المقال، سنقرأ أرقام 2025 كما هي، ثم نربطها بما يمكن أن يضيفه الذكاء الاصطناعي عملياً: تحسين العمليات، التنبؤ بالأعطال، تحسين المزج والجودة، وإدارة اللوجستيات والتصدير—بلغة مفهومة وخطوات قابلة للتطبيق.
ماذا تقول أرقام 2025؟ قراءة سريعة لكن مفيدة
الجواب المباشر: النمو في إنتاج المصافي كان واسع النطاق، مع ارتفاعات قوية في البنزين والديزل وغاز البترول المسال، مقابل تراجع في وقود الطائرات.
حسب بيانات 2025 مقارنةً بـ 2024:
-
بنزين عادي (M91):
- الإنتاج: +19.3% إلى 16,775,600 برميل
- المبيعات: +1.1% إلى 14,292,900 برميل
- الصادرات: -10.4% إلى 2,299,100 برميل
-
بنزين ممتاز (M95):
- الإنتاج: +20.1% إلى 14,891,500 برميل
- المبيعات: +2.4% إلى 13,589,800 برميل
- الصادرات: +95% إلى 2,035,000 برميل
-
الديزل (Gas oil):
- الإنتاج: +12.8% إلى 34,468,500 برميل
- المبيعات: +7.2% إلى 15,174,600 برميل
- الصادرات: +10.8% إلى 18,286,400 برميل
-
وقود الطائرات:
- الإنتاج: -6.6% إلى 10,873,600 برميل
- المبيعات: -1.7% إلى 3,897,700 برميل
- الصادرات: -10.8% إلى 6,768,600 برميل
-
غاز البترول المسال (LPG):
- الإنتاج: +16.4% إلى 7,730,100 برميل
- المبيعات: +22.1% إلى 3,927,900 برميل
- الصادرات: +127.4% إلى 821,200 برميل
وفي البتروكيماويات:
- بنزين (Benzene): إنتاج +7.2% إلى 171,900 طن متري؛ صادرات +4.5% إلى 171,100 طن متري.
- بارازايلين (Paraxylene): إنتاج +16.6% إلى 578,900 طن متري؛ صادرات +22.5% إلى 606,200 طن متري.
- بولي بروبلين: إنتاج +81.3% إلى 357,000 طن متري؛ صادرات +66% إلى 263,600 طن متري.
هذه الأرقام تعطينا إشارتين واضحتين:
- الطلب/القدرة يتجهان لصالح منتجات معينة (بنزين، ديزل، LPG، وبعض البتروكيماويات).
- إدارة الصادرات ليست خطاً واحداً: منتج يصعد تصديره بقوة (M95، LPG)، وآخر يتراجع (M91، وقود الطائرات).
لماذا يرتبط هذا النمو بالذكاء الاصطناعي أكثر مما نتصور؟
الجواب المباشر: لأن أغلب الرفع المستدام للإنتاج في المصافي يأتي من تقليل «الخسائر الخفية» التي لا تراها في تقرير يوم واحد: توقفات قصيرة، انحرافات جودة، استهلاك طاقة أعلى من اللازم، أو قرارات مزج ليست مثالية.
المصفاة تعمل كسلسلة متشابكة: وحدة التقطير، الهدرجة، التكسير، المعالجة، الخلط، التخزين، ثم الشحن. أي اختناق صغير في وحدة واحدة يُخفض إنتاج السلسلة كلها. وهنا يبرع الذكاء الاصطناعي بثلاث طرق عملية:
1) تحسين التحكم المتقدم في العمليات (APC) مع نماذج تعلم آلي
بدلاً من الاعتماد على ضبط يدوي أو قواعد ثابتة، يمكن لنماذج تعلم الآلة قراءة آلاف الإشارات (ضغط، حرارة، تدفق، تركيب) وتوصية المشغل بأفضل إعدادات لتحقيق هدف محدد:
- أعلى إنتاج ضمن مواصفات الجودة
- أقل استهلاك طاقة لكل برميل
- أقل تذبذب في التشغيل (الذي عادةً يخلق فاقداً)
جملة قابلة للاقتباس: إذا كانت المصفاة «مصنعاً»، فالذكاء الاصطناعي هو «مراقب الجودة والإنتاج» الذي لا ينام.
2) الصيانة التنبؤية لتقليل التوقفات غير المخطط لها
الزيادة في إنتاج الديزل والبنزين لا تتحقق مع توقفات مفاجئة لمضخات أو ضواغط أو مبادلات حرارية. الصيانة التنبؤية تعتمد على:
- اهتزازات المعدات
- حرارة المحامل
- تحاليل الزيت
- أنماط استهلاك الطاقة
ثم تُخرج إنذاراً مبكراً: «هذا الضاغط سينحرف خلال أسبوعين إن لم تُبدَّل قطعة محددة». في التكرير، ساعة توقف واحدة قد تعني خسارة إنتاج ومخاطر سلامة وتكاليف تشغيل متراكمة.
3) تحليل بيانات الإنتاج (NCSI وغيره) لصناعة قرارات أسرع
بيانات مثل التي نشرها NCSI ليست «للأرشفة». عندما تُربط مع بيانات داخلية (مخزون، عقود، صيانة، أسعار)، يصبح لديك لوحة قيادة تساعد على:
- تحديد المنتجات الأكثر ربحية في كل فترة
- موازنة السوق المحلي والتصدير
- تفسير لماذا ارتفع تصدير M95 بنسبة 95% بينما تراجع M91
من البنزين إلى LPG: أين يستخدم الذكاء الاصطناعي فعلياً؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يرفع الكفاءة عندما نستخدمه في قرارات محددة: المزج، التنبؤ بالطلب، الجدولة، والجودة.
1) تحسين المزج (Blending) لتحقيق المواصفات بأقل تكلفة
في البنزين (M91 وM95)، المزج ليس «خلطاً» فقط، بل لعبة توازن بين الأوكتان، الكبريت، RVP، والهوامش. نموذج تعلم آلي جيد يستطيع اقتراح وصفة مزج:
- تحقق مواصفات M95 دون إفراط في مكونات مرتفعة التكلفة
- تقلل إعادة العمل (rework) التي تستهلك وقتاً وطاقة
وهذا ينسجم مع زيادة إنتاج البنزينين بنسبة 19.3% و20.1%.
2) توقع الطلب الموسمي قبل رمضان وخلاله
نحن في فبراير 2026، ومع اقتراب رمضان (والذي تتغير خلاله أنماط الاستهلاك والنقل وساعات التشغيل)، تتعقد التنبؤات. الذكاء الاصطناعي يربط:
- بيانات تاريخية للمبيعات
- حركة النقل والشحن
- مؤشرات اقتصادية محلية
- خطط الصيانة
ليعطي توقعاً عملياً: كم نحتاج من M91 محلياً؟ كم نُصدِّر؟ متى نرفع مخزون LPG؟
3) لوجستيات التصدير: لماذا قفز M95 وLPG؟
ارتفاع صادرات M95 بنسبة 95% وLPG بنسبة 127.4% يوحي بقرار تسويقي/لوجستي ذكي. الذكاء الاصطناعي هنا يُستخدم في:
- اختيار أفضل نافذة شحن بحسب السعات المتاحة بالميناء
- مطابقة مواصفات الشحنة مع متطلبات المشتري
- تحسين تسلسل التحميل لتقليل زمن انتظار الناقلات
النتيجة المتوقعة: زيادة تصدير دون فوضى تشغيلية داخل الخزانات.
البتروكيماويات: لماذا نمو البولي بروبلين 81.3% إشارة مهمة؟
الجواب المباشر: لأن البتروكيماويات تُكافئ التشغيل الدقيق—وأي انحراف صغير في الجودة أو الاستقرار التشغيلي يُترجم لخسارة كبيرة.
قفزة إنتاج البولي بروبلين 81.3% (إلى 357,000 طن متري) مع نمو الصادرات 66% (إلى 263,600 طن متري) تُظهر أن القدرة على:
- الحفاظ على تشغيل مستقر
- التحكم في خصائص المنتج (مثل مؤشر الانصهار، التوزيع الجزيئي)
- تقليل المنتجات خارج المواصفات
هي محور تنافسي حقيقي.
وهنا بالذات أنصح بثلاثة تطبيقات ذكاء اصطناعي عملية في مصانع البتروكيماويات:
- نماذج جودة لحظية (Soft Sensors): تتنبأ بخصائص المنتج دون انتظار نتائج المختبر.
- كشف الانحرافات (Anomaly Detection): يلتقط «الانحراف الصغير» قبل أن يصبح شحنة مرفوضة.
- تحسين الطاقة والبخار: خفض استهلاك المرافق (Utilities) لكل طن منتج—وهذا يؤثر مباشرة على الهامش.
عبارة مختصرة تصلح كرسالة داخلية: الذكاء الاصطناعي لا يصنع منتجاً جديداً؛ لكنه يمنعك من خسارة المنتج الذي صنعته.
خطة تطبيق واقعية خلال 90 يوماً لشركات الطاقة في عُمان
الجواب المباشر: ابدأ بمشروعين صغيرين عاليَي العائد: الصيانة التنبؤية لأصل حرج، وتحسين المزج/الجودة لمنتج واحد. ثم وسّع.
إذا كنت مسؤولاً في التكرير أو سلاسل الإمداد أو التحول الرقمي، فهذه خطوات عملية تُنجز خلال 90 يوماً دون مبالغة:
-
اختيار أصل حرج واحد للصيانة التنبؤية
- مثال: ضاغط، مضخة تغذية، أو مبادل حراري يتسبب في توقفات متكررة.
- مخرج المشروع: نموذج إنذار مبكر + إجراءات استجابة.
-
نموذج تحسين مزج لمنتج واحد (M95 أو الديزل)
- مخرج المشروع: توصيات مزج تقلل كلفة المكونات وتحافظ على المواصفات.
-
لوحة قيادة موحدة (Operations + Sales + Exports)
- مؤشرات يومية: الإنتاج، التوقفات، استهلاك الطاقة، المخزون، أوامر التصدير.
-
حوكمة بيانات واضحة
- من يملك البيانات؟ من يعتمدها؟ ما تعريف كل مؤشر؟
- بدون هذا، ستتكرر نفس المناقشات كل أسبوع.
-
تدريب فريق التشغيل لا فريق التقنية فقط
- أفضل النماذج تفشل إذا لم يثق بها المشغل.
أسئلة شائعة داخل الشركات (وإجابات سريعة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن المشغلين؟
لا. في المصافي، الذكاء الاصطناعي يرفع جودة القرار، لكن المشغل هو من يملك سياق السلامة والتشغيل. الأفضل هو نموذج «إنسان في الحلقة».
أين يبدأ العائد الأسرع: التكرير أم البتروكيماويات؟
غالباً التوقفات والصيانة تعطي عائداً سريعاً في التكرير، بينما الجودة وتقليل خارج المواصفات تعطي عائداً قوياً في البتروكيماويات.
ما أكبر خطأ رأيته في مشاريع الذكاء الاصطناعي الصناعية؟
التركيز على نموذج «جميل» قبل تنظيف البيانات وربط النموذج بإجراء تشغيلي واضح: من يفعل ماذا عندما يظهر الإنذار؟
الخطوة التالية: تحويل الأرقام إلى نظام قرارات ذكي
ارتفاع إنتاج مصافي عُمان 12.5% في 2025، وزيادات البنزين والديزل وLPG، وقفزة البولي بروبلين، كلها مؤشرات على قطاع يتحرك بسرعة—لكن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب أدوات أدق من السابق. أنا مقتنع أن من يملك بيانات أفضل وقرارات أسرع سيحجز حصة أكبر من القيمة، حتى لو كانت سعاته الإنتاجية متقاربة مع الآخرين.
إذا كنت تعمل في شركة تكرير، أو تسويق مشتقات، أو تشغيل بتروكيماويات في عُمان، فالسؤال العملي ليس «هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟» بل: أي قرار تشغيلي سنحسّنه أولاً، وأي بيانات نحتاج، وكيف نقيس الأثر خلال 8–12 أسبوعاً؟