إنتاج المصافي في عُمان ارتفع 12.5% في 2025. تعرّف كيف يدعم الذكاء الاصطناعي الصيانة والجدولة وجودة الوقود لزيادة الإنتاج والربحية.

زيادة إنتاج المصافي في عُمان: دور الذكاء الاصطناعي
قبل أن نتحدث عن النماذج والخوارزميات، خلّنا نبدأ بالرقم الذي لا يمكن تجاهله: إجمالي إنتاج المصافي في عُمان ارتفع 12.5% خلال 2025 ليصل إلى 84,739,200 برميل وفق إحصاءات أولية صادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. هذا نمو كبير في صناعة لا تتحرك عادةً بالسرعة نفسها التي نراها في قطاعات رقمية.
القراءة السطحية تقول: «طلب أعلى، تشغيل أفضل، توسعات». لكن الواقع الصناعي يقول شيئًا آخر: أي زيادة مستدامة بهذا الحجم غالبًا تحتاج إدارة أدق للعمليات، وصيانة أذكى، وتخطيط إنتاج أسرع من دورة القرار التقليدية. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة تنفيذ—ليس كشعار—لتحسين الأداء اليومي داخل وحدات التكرير وسلاسل الإمداد.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، وسنستخدم أرقام 2025 كنافذة لفهم: كيف تنتقل المصافي من “تشغيل جيد” إلى “تشغيل محسوب بالبيانات”، وما الذي يمكن للشركات العمانية فعله عمليًا خلال 2026.
ماذا تقول أرقام 2025 عن التشغيل داخل المصافي؟
الجواب المباشر: أرقام المنتجات المختلفة تُظهر أن التحسن ليس متساويًا، ما يعني أن قرارات المزج (Blending) والجدولة (Scheduling) وتوجيه الإنتاج أصبحت أكثر حساسية للربحية والطلب.
بحسب البيانات المنشورة:
- وقود السيارات العادي (M91): الإنتاج +19.3% إلى 16,775,600 برميل. المبيعات +1.1% إلى 14,292,900 برميل، بينما الصادرات -10.4% إلى 2,299,100 برميل.
- وقود السيارات الممتاز (M95): الإنتاج +20.1% إلى 14,891,500 برميل. المبيعات +2.4% إلى 13,589,800 برميل، والصادرات +95% إلى 2,035,000 برميل.
- الديزل (Gas oil): الإنتاج +12.8% إلى 34,468,500 برميل. المبيعات +7.2% إلى 15,174,600 برميل، والصادرات +10.8% إلى 18,286,400 برميل.
- وقود الطيران: الإنتاج -6.6% إلى 10,873,600 برميل. المبيعات -1.7%، والصادرات -10.8%.
- غاز البترول المسال (LPG): الإنتاج +16.4% إلى 7,730,100 برميل. المبيعات +22.1%، والصادرات +127.4%.
وفي البتروكيماويات:
- البنزين (Benzene): الإنتاج +7.2% إلى 171,900 طن متري.
- البارازايلين (Paraxylene): الإنتاج +16.6% إلى 578,900 طن متري.
- البولي بروبلين (Polypropylene): الإنتاج +81.3% إلى 357,000 طن متري، مع صادرات +66%.
لماذا هذه التفاصيل مهمة للذكاء الاصطناعي؟
لأنها تكشف “قصة قرارات” أكثر من كونها “قصة أرقام”. مثلًا:
- ارتفاع صادرات M95 بشدة مع زيادة الإنتاج يوحي بوجود تحول في مزيج المنتجات والتقاط فرص تسعيرية.
- تراجع وقود الطيران رغم نمو منتجات أخرى يشير إلى إعادة توجيه السعات إلى منتجات ذات طلب/هامش أفضل أو اعتبارات تشغيلية.
- قفزة البولي بروبلين تعني أن تحسين الاعتمادية (Reliability) في وحدات البتروكيماويات أو إزالة اختناقات تشغيلية (Debottlenecking) قد حدثت—وهذا مجال يحبّه الذكاء الاصطناعي لأنه يعتمد على بيانات حساسات وأنماط أعطال.
كيف يترجم الذكاء الاصطناعي هذه الزيادة إلى كفاءة فعلية؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية عبر ثلاث روافع: تقليل التوقفات غير المخطط لها، تحسين نقاط التشغيل، وتسريع قرارات التخطيط.
1) الصيانة التنبؤية: الإنتاج يرتفع عندما تقل المفاجآت
في المصافي، “ساعة توقف” ليست مجرد خسارة وقت؛ هي خسارة منتج، وطاقة، وأحيانًا التزام توريد. الذكاء الاصطناعي هنا يعمل كالتالي:
- يراقب بيانات الاهتزاز والحرارة والضغط وتدفق السوائل من معدات مثل المضخات والضواغط والمبادلات الحرارية.
- يتعلم أنماطًا تسبق الأعطال (مثل تغير بسيط في الاهتزاز قبل فشل المحمل).
- يوصي بتدخل صيانة قبل التوقف.
عبارة تصلح للاقتباس: “أكبر تحسين في إنتاج المصفاة لا يأتي من إضافة وحدة جديدة، بل من منع توقف واحد كان سيحدث الأسبوع القادم.”
2) التحكم المتقدم بالعمليات (APC) + التعلم الآلي: تشغيل أقرب للحدود الآمنة
الكثير من المصافي لديها أنظمة تحكم تقليدية، لكن الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة “تعلم” فوقها:
- تحسين استهلاك الطاقة في الأفران ووحدات التقطير عبر ضبط أفضل لنسب الهواء/الوقود.
- تقليل الانحرافات التي تسبب منتجات خارج المواصفة.
- الحفاظ على تشغيل قريب من الحدود التشغيلية الآمنة بدون تجاوزات.
النتيجة العملية: نفس المعدات، لكن إنتاج أكثر ثباتًا وجودة أعلى وهدر أقل.
3) تخطيط وجدولة الإنتاج: من جداول إكسل إلى قرارات لحظية
عندما ترتفع سلة المنتجات بنسب متفاوتة (مثل M91 وM95 والديزل وLPG)، تصبح الجدولة أصعب. أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد في:
- توقع الطلب المحلي مقابل فرص التصدير.
- اختيار أفضل “مزيج إنتاج” يوازن بين الربحية والقيود التشغيلية.
- محاكاة سيناريوهات: ماذا لو ارتفع طلب الديزل؟ ماذا لو تغيّر سعر النافثا؟ ماذا لو تأخر شحن خام معين؟
وهذه النقطة مهمة لعُمان تحديدًا لأن اتجاهات المبيعات والصادرات تختلف بين منتج وآخر كما تظهر الأرقام.
من بيانات المركز الوطني للإحصاء إلى قرارات تشغيل: أين القيمة؟
الجواب المباشر: البيانات الرسمية تصبح أقوى عندما تُدمج مع بيانات التشغيل الداخلية لتكوين “لوحة قيادة” تربط الاقتصاد بالإنتاج.
بيانات NCSI تعطي صورة قطاعية: الإنتاج، المبيعات، الصادرات. لكنها تصبح أداة قرار عندما تربطها الشركة بـ:
- بيانات التشغيل اليومية (DCS/SCADA)
- معدلات الأعطال والصيانة
- زمن تبديل الدُفعات (Batch Changeover)
- جودة المنتج ومعدلات الرفض
- بيانات سلسلة الإمداد والشحن
نموذج عملي: لوحة مؤشرات شهرية للإدارة التشغيلية
إذا كنت تدير وحدة أو مدير مصنع، جرّب بناء لوحة بسيطة (حتى لو بدأت بـPower BI):
- إنتاج/ساعة تشغيل لكل منتج
- مؤشر التوقفات غير المخطط لها (عددها ومدتها)
- الطاقة المستهلكة لكل برميل (Energy Intensity)
- الفروقات بين الخطة والواقع في الجدولة
- هامش الربح التقريبي لكل منتج بناءً على الأسعار المتاحة
ثم طبّق طبقة تعلم آلي واحدة: تنبؤ بالتوقفات أو بالتباين بين الخطة والواقع. ستتفاجأ كم قرار “كان حدسًا” سيصبح قرارًا مدعومًا بالبيانات.
لماذا تتغير صادرات بعض المنتجات بهذه الحدة؟ قراءة تشغيلية بعين الذكاء الاصطناعي
الجواب المباشر: اختلاف اتجاهات الصادرات يشير إلى أن “التجاري” و“التشغيلي” يتحركان معًا—والذكاء الاصطناعي هو نقطة الربط بينهما.
أمثلة من الأرقام:
- صادرات M95 ارتفعت 95% بينما صادرات M91 تراجعت 10.4%. هذا قد يعني أن:
- السوق الخارجي قدّم هامشًا أفضل لـM95، أو
- المصفاة استطاعت رفع إنتاج مواصفة معينة بفضل تحسينات تشغيل وجودة.
- صادرات LPG ارتفعت 127.4%: عادةً هذا المنتج حساس لسعة التخزين واللوجستيات؛ وأي تحسين في التنبؤ بالشحنات وجدولة التحميل يمكن أن يفتح “نافذة تصدير” إضافية.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي تحديدًا؟
- تنبؤ الطلب والأسعار (Forecasting) على مستوى أسبوعي بدل شهري.
- تحسين قرارات التخزين لتقليل امتلاء الخزانات الذي يفرض خفض الإنتاج.
- تحسين جدولة الشحن لتقليل زمن انتظار الناقلات.
هذه ليست رفاهية تقنية. هي فرق مباشر بين “ننتج ولا نجد منفذًا” و“ننتج ونبيع بسرعة وبسعر أفضل”.
خارطة طريق مختصرة لتبنّي الذكاء الاصطناعي في مصافي عُمان خلال 2026
الجواب المباشر: ابدأ بحالات استخدام تقيس أثرًا ماليًا واضحًا خلال 90–180 يومًا، ثم وسّع النطاق.
المرحلة 1: 0–3 أشهر (تأسيس البيانات والحوكمة)
- حصر مصادر البيانات: حساسات، نظم الصيانة، المختبر، المبيعات.
- تنظيف البيانات وتوحيد التعاريف (ما معنى “توقف”؟ ما معنى “انحراف جودة”؟).
- تعيين مالك لكل مؤشر (Owner) وربطه بهدف واضح.
المرحلة 2: 3–6 أشهر (حالتان استخدام ذات عائد سريع)
اختر مشروعين فقط لتفادي التشتت:
- صيانة تنبؤية لمعدة حرجة واحدة (مثل ضاغط أو مضخة تغذي وحدة رئيسية).
- نموذج تنبؤ جودة/مواصفة لتقليل المنتج خارج المواصفات.
المرحلة 3: 6–12 شهرًا (تحسين الجدولة والطاقة)
- نموذج تحسين للجدولة يأخذ قيود التشغيل واللوجستيات.
- تحسين استهلاك الطاقة عبر توصيات تشغيلية قابلة للتنفيذ.
رأيي: أكثر ما يضيّع فرص الذكاء الاصطناعي في المصافي هو بدء المشروع من “منصة ضخمة” بدل بدءه من “قرار يومي مؤلم” يريد الفريق حله.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون قبل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال المهندسين؟
لا. يعني تقليل الوقت الضائع في التحليل اليدوي وتحويل خبرة المهندس إلى قواعد ونماذج تتعلم وتتكرر.
ما أسرع مؤشر يثبت نجاح المشروع؟
عادةً أحد هذه المؤشرات:
- انخفاض التوقفات غير المخطط لها
- انخفاض الطاقة المستهلكة لكل برميل
- انخفاض المنتج خارج المواصفة
- تحسن الالتزام بالخطة الإنتاجية
هل نحتاج بيانات مثالية؟
تحتاج بيانات “كافية وصادقة”، وليس مثالية. كثير من المكاسب تبدأ من تنظيف 20% من البيانات التي تسبب 80% من التشويش.
أين تتجه الصورة الكبيرة؟
زيادة إنتاج المصافي في عُمان خلال 2025 ليست رقمًا للاحتفال فقط؛ هي إشارة إلى أن القطاع قادر على رفع الأداء عندما تُدار العمليات كمنظومة بيانات. ومع اقتراب رمضان في 02/2026 وتبدّل أنماط الاستهلاك واللوجستيات موسميًا، تصبح المرونة التشغيلية والتخطيط الدقيق أكثر أهمية، خصوصًا في منتجات الوقود المحلية وسلاسل الإمداد.
إذا كانت 2025 سنة نمو في الإنتاج، فأنا أرى أن 2026 يمكن أن تكون سنة نضج رقمي: صيانة أذكى، تشغيل أكثر ثباتًا، وتخطيط يلتقط فرص السوق بسرعة.
الخطوة التالية بسيطة: اختر وحدة حرجة أو منتجًا واحدًا، واربط هدفًا ماليًا واضحًا بحالة استخدام للذكاء الاصطناعي خلال 90 يومًا. بعدها فقط، وسّع النطاق.
ما المشروع الذي تعتقد أنه سيعطي أسرع أثر في المصافي: الصيانة التنبؤية أم تحسين الجدولة والمزيج الإنتاجي؟