الذكاء الاصطناعي في طاقة عُمان: من الرؤية إلى الحقول

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

كيف تدعم رؤية عُمان 2040 والبنية الرقمية صعود الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز لتحسين الإنتاج والسلامة وتقليل التوقفات.

الذكاء الاصطناعيالنفط والغازقطاع الطاقةرؤية عمان 2040التحول الرقميالبيانات المفتوحةالصيانة التنبؤية
Share:

الذكاء الاصطناعي في طاقة عُمان: من الرؤية إلى الحقول

قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن البيانات المفتوحة والحوكمة الرقمية يبدو “تقنياً” أكثر مما هو “اقتصادي”. اليوم في عُمان، الصورة مختلفة: الدولة صعدت إلى المركز الأول في غرب آسيا والتاسع عالمياً في مؤشر Open Data Inventory لعام 2024، وجذبت بين 2020 و2024 استثمارات بقيمة 1.7 مليار دولار في مشاريع البنية الأساسية الرقمية من نوع Greenfield في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات—بمستوى يقارب ثلاثة أضعاف الفترات السابقة. هذه الأرقام ليست زينة في تقرير؛ هي قاعدة صلبة لشيء أشد تأثيراً على قطاع الطاقة والنفط والغاز.

في سلسلة مقالاتنا «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، نركز عادة على التطبيقات داخل المصافي والحقول وغرف التحكم. لكن هذا المقال يأخذ خطوة للخلف: كيف مهّدت رؤية عُمان 2040 والإصلاحات المؤسسية والتحول الرقمي الطريق لذكاء اصطناعي “قابل للتشغيل” في الطاقة—لا مجرد تجارب.

الجملة التي أراها تلخص المشهد: الذكاء الاصطناعي في الطاقة لا ينجح لأن الخوارزميات ذكية فقط، بل لأن الدولة بنت بيئة بيانات وتنظيم وتمويل تجعل الذكاء عملياً.

لماذا ترتبط مؤشرات التنافسية مباشرة بذكاء الطاقة؟

الإجابة المباشرة: لأن الذكاء الاصطناعي يحتاج ثلاثة أشياء كي يعطي نتائج في النفط والغاز: بيانات موثوقة، بنية رقمية قوية، وحوكمة تنظّم المخاطر. وما حققته عُمان في المؤشرات العالمية خلال 2024–2025 يشير إلى تقدّم متوازن في هذه الثلاثية.

وفقاً للمحتوى المنشور عن الأداء الوطني، فإن وجود اللجنة الوطنية للتنافسية ومكتب التنافسية الوطني ليس تفصيلاً إدارياً؛ بل هو “آلة ضبط إيقاع” تربط الجهات الحكومية والقطاع الخاص بمؤشرات عالمية وإصلاحات قابلة للقياس. في قطاع الطاقة تحديداً، هذا يترجم إلى:

  • معايير أوضح لتبادل البيانات بين الشركات والجهات المنظمة.
  • سياسات تدعم الاستثمار في التشغيل الآلي والتحليلات المتقدمة.
  • بيئة تشجع التجارب، لكن ضمن أطر امتثال وأمن سيبراني.

مثال قريب من الواقع: من مؤشرات الدولة إلى مؤشرات الحقل

حين تتحسن الدولة في مؤشرات الخدمات الحكومية الإلكترونية وتنظيم قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات (مثل ITU ICT Regulatory Tracker حيث جاءت عُمان 18 عالمياً)، ينعكس ذلك على قدرة شركات الطاقة على اعتماد حلول:

  • إنترنت الأشياء الصناعي (IIoT) للآبار ومحطات الضخ.
  • مراكز بيانات وحوسبة سحابية هجينة لموائمة متطلبات السيادة على البيانات.
  • منصات تكامل بيانات تُخرج تقارير تشغيلية لحظية بدل “ملفات إكسل متأخرة”.

من البنية الرقمية إلى الذكاء: كيف تُبنى قيمة الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز؟

الإجابة المباشرة: القيمة تظهر عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من “نموذج” إلى سير عمل تشغيلي داخل الإنتاج والصيانة والسلامة وسلاسل الإمداد.

التقرير الأصلي أشار إلى البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي وإدخال الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في المناهج، وإنشاء مراكز بحثية للذكاء الاصطناعي ومنصة بيانات مفتوحة. هذا مهم للطاقة لسبب بسيط: قطاع النفط والغاز من أكثر القطاعات “مولّدة للبيانات”، لكنه تاريخياً يعاني من تشتتها بين أنظمة قديمة ومتعاقدين متعددين.

1) الصيانة التنبؤية: تقليل التوقفات غير المخططة

في مرافق النفط والغاز، توقف ضاغط أو مضخة رئيسية قد يكلّف كثيراً—ليس فقط مالياً، بل أيضاً في السلامة والالتزام. الذكاء الاصطناعي هنا يعمل بشكل فعّال عندما تتوفر:

  • بيانات حساسات الاهتزاز والحرارة والضغط بشكل مستمر.
  • تاريخ الأعطال وقطع الغيار وساعات التشغيل.
  • نظام إدارة صيانة (CMMS) متكامل.

النتيجة المتوقعة عملياً: رفع دقة التنبؤ بالأعطال وتقليل “الصيانة الوقائية العمياء” التي تغيّر القطع قبل الحاجة أو بعد فوات الأوان.

2) تحسين الإنتاج: نماذج تعلّم آلي لزيادة الاسترداد وتقليل الطاقة

في الحقول، هناك قرارات يومية تؤثر على الإنتاج: معدلات الحقن، ضغط الشبكة، إعدادات الخانق، أو إدارة الغاز المصاحب. الذكاء الاصطناعي يمكنه اقتراح إعدادات أفضل بناءً على أنماط تاريخية، بشرط وجود حوكمة واضحة تقول:

  • من يعتمد توصية النموذج؟
  • ما حدود التشغيل الآمن؟
  • كيف نمنع “انحراف النموذج” مع تغير خصائص المكمن أو المعدات؟

هنا يظهر دور الحوكمة الرقمية التي انعكست في تقدم عُمان في مؤشرات النضج للخدمات الحكومية الإلكترونية—لأن الثقافة المؤسسية للحوكمة لا تتجزأ.

3) السلامة وإدارة المخاطر: رؤية حاسوبية بدل المراقبة التقليدية

الواقع؟ السلامة ليست مجالاً يتحمل “تقريباً”. تطبيقات الرؤية الحاسوبية في الطاقة يمكن أن تراقب:

  • الالتزام بمعدات الوقاية الشخصية.
  • الدخول لمناطق محظورة.
  • كشف الدخان أو التسربات أو السلوكيات الخطرة.

لكن نجاحها يعتمد على سياسات خصوصية واضحة، وإدارة بيانات فيديو حساسة، وأمن سيبراني قوي—وهي ملفات تصبح أسهل عندما تكون الدولة أصلاً متقدمة تنظيمياً وشفافة في البيانات.

البيانات المفتوحة والشفافية: لماذا هي مهمة للطاقة وليست للحكومة فقط؟

الإجابة المباشرة: لأن البيانات المفتوحة تُسرّع الابتكار وتقلّل تكلفة التجريب، وتخلق لغة مشتركة بين الجهات.

حين تُصنَّف عُمان التاسعة عالمياً في Open Data Inventory 2024 مع نقاط قوية في بيانات السكان والصحة والتجارة والمالية، فهذا يشير إلى نضج في منظومات البيانات الوطنية. وفي الطاقة، يمكن الاستفادة من ذلك عبر:

  • تحسين توقعات الطلب على الطاقة محلياً اعتماداً على بيانات سكانية/اقتصادية مفتوحة.
  • ربط التخطيط للطاقة بمؤشرات الصحة والبيئة (خصوصاً جودة الهواء والانبعاثات).
  • بناء نماذج تتبع سلاسل الإمداد والتوريد اعتماداً على بيانات التجارة.

«البيانات المفتوحة» لا تعني كشف أسرار الشركات

هنا يقع كثيرون في سوء فهم. في النفط والغاز، الأفضل هو نموذج “مفتوح-مقنن”:

  • بيانات وطنية كلية (طلب/عرض/انبعاثات/مؤشرات) تكون متاحة لدعم البحث.
  • بيانات تشغيلية حساسة تبقى محمية لكن موحّدة المعايير لتسهيل التكامل داخل الشركة وبين المقاولين.

هذا التوازن هو ما يجعل الذكاء الاصطناعي قابلاً للتوسع دون تعريض الأمن أو التنافسية للخطر.

الاقتصاد الرقمي ورؤية 2040: أين يدخل قطاع الطاقة؟

الإجابة المباشرة: يدخل كأكبر مختبر تطبيقي للذكاء الاصطناعي—وأكبر فرصة لرفع الإنتاجية وتقليل الانبعاثات.

المقال الأصلي ذكر طموح رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي من 2% في 2021 إلى 10% بحلول 2040. من وجهة نظري، قطاع الطاقة قادر على دفع جزء معتبر من هذا التحول إذا تعامل مع الذكاء الاصطناعي كبرنامج تشغيلي وليس مشروع تقنية معلومات.

كيف تبدو “خريطة طريق” واقعية للذكاء الاصطناعي في الطاقة بعُمان؟

إذا كنت مسؤولاً في شركة طاقة أو مورّداً تقنياً، فهذه خطوات عملية (وليست شعارات):

  1. جرد البيانات (Data Inventory) خلال 6–8 أسابيع: أين البيانات؟ من يملكها؟ ما جودتها؟
  2. حالات استخدام ذات عائد سريع خلال 90 يوماً:
    • صيانة تنبؤية لمعدة حرجة واحدة.
    • تحسين استهلاك الطاقة في محطة ضغط.
    • كشف مخالفات السلامة في موقع واحد.
  3. منصة تكامل بيانات بدل مشاريع متفرقة: بحيرة بيانات/مستودع موحد مع طبقة حوكمة.
  4. فريق مشترك OT/IT: مهندس تشغيل + عالم بيانات + أمن سيبراني + مالك منتج.
  5. مؤشرات أداء واضحة لا تحتمل التجميل:
    • تقليل التوقفات غير المخططة (بالساعات).
    • رفع التوافرية (Availability).
    • خفض الاستهلاك النوعي للطاقة أو الوقود.
    • تقليل الحوادث أو شبه الحوادث.

أسئلة شائعة يسمعها مديرو الطاقة في عُمان (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن الوظائف؟

الجواب العملي: في الطاقة غالباً يعني إعادة توزيع المهام. الأعمال المتكررة تقل، لكن الطلب يزيد على مشغّلين يفهمون البيانات، ومهندسين قادرين على تفسير توصيات النماذج.

ما أكبر عائق أمام مشاريع الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز؟

أكبر عائق ليس الخوارزمية؛ هو جودة البيانات وتكاملها بين الأنظمة القديمة والمقاولين. لذلك تقدم عُمان في الحوكمة الرقمية والتنظيم يختصر الطريق.

ما علاقة الاستدامة بكل ذلك؟

العلاقة مباشرة: الذكاء الاصطناعي يساعد على تقليل الانبعاثات عبر تحسين الاحتراق، تقليل التسربات، وإدارة الطاقة. وتقدم عُمان في مؤشرات التلوث (مثل ترتيبها الأقل تلوثاً عربياً و23 عالمياً في Numbeo 2025 Pollution Index) يعكس اتجاه دولة لا تريد نمواً اقتصادياً على حساب البيئة.

أين تقف عُمان الآن… وما الخطوة التالية لقطاع الطاقة؟

الجواب المباشر: عُمان بنت الأساس—بنية رقمية واستثمار وبيانات وحوكمة—والخطوة التالية هي تعميم الذكاء الاصطناعي داخل العمليات اليومية لقطاع الطاقة.

ما يعجبني في الصورة التي يرسمها أداء عُمان في المؤشرات العالمية أنه متوازن: تحوّل رقمي مع تنمية بشرية، وتنويع اقتصادي مع استدامة. هذا التوازن بالضبط هو ما يحتاجه النفط والغاز في 2026: إنتاج أكثر كفاءة، مخاطر أقل، وشفافية أعلى في الأداء.

إذا كنت تعمل في شركة نفط وغاز، أو في سلسلة توريد الطاقة، فالسؤال العملي الذي يستحق وقتك الآن: ما أول قرار تشغيلي يومي يمكن أن يصبح “قراراً مدعوماً بالبيانات” خلال 90 يوماً؟

🇴🇲 الذكاء الاصطناعي في طاقة عُمان: من الرؤية إلى الحقول - Oman | 3L3C