الذكاء الاصطناعي والتوظيف في عُمان: من قواعد البيانات إلى الحقول

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

أكثر من 200 ألف وظيفة منذ 2021 في عُمان تكشف قوة التحول الرقمي. تعرّف كيف يربط الذكاء الاصطناعي هذا النجاح بقطاع النفط والغاز.

سوق العمل في عُمانالتحول الرقميالذكاء الاصطناعيقطاع النفط والغازتوطينالتدريب للتوظيف
Share:

الذكاء الاصطناعي والتوظيف في عُمان: من قواعد البيانات إلى الحقول

أكثر من 200,000 باحث عن عمل حصلوا على وظائف في عُمان بين 2021 وحتّى 10/2025، فيما بلغ عدد الباحثين عن عمل المسجّلين 73,319 في 10/2025. هذا ليس رقمًا عابرًا؛ هو إشارة واضحة أن إدارة سوق العمل بالبيانات صارت أداة اقتصادية حقيقية، وليست ملفًا إداريًا.

اللافت في تصريحات معالي د. مهاد بن سعيد باعوين، وزير العمل، أنّ جزءًا كبيرًا من الإنجاز جاء عبر التحول الرقمي: قاعدة بيانات وطنية مرتبطة إلكترونيًا، منصات مثل توطين ومرصد وخُطى، وبرامج دعم أجور وتمويل تضاعف إلى 100 مليون ريال عماني. بالنسبة لي، هذه النقطة بالذات هي الجسر الذي يجب أن نتوقف عنده: إذا كان التخطيط للقوى العاملة تحسّن بهذه السرعة عندما أصبحت البيانات مركز القرار، فماذا يمكن أن يحدث حين نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى القطاعات الأعلى تأثيرًا… مثل الطاقة والنفط والغاز في عمان؟

الواقع؟ نفس المنطق الذي ينجح في سوق العمل—توحيد البيانات، التنبؤ، والتدخل المبكر—هو ما يجعل الذكاء الاصطناعي مهمًا في الحقول، المصافي، وسلاسل الإمداد. وهذا المقال جزء من سلسلة "كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان"، لكن من زاوية مختلفة: زاوية الوظائف، التوطين، والمهارات.

ما الذي تعلّمناه من أرقام وزارة العمل؟ البيانات تغيّر قواعد اللعبة

الإجابة المباشرة: عندما تصبح بيانات السوق موحّدة ومتصلة، يصبح قرار التوظيف أسرع، وأكثر دقة، وأقل كلفة.

وفق ما عُرض أمام مجلس الشورى، ركّزت وزارة العمل ضمن الخطة الخمسية العاشرة على سياسات تنفيذية تصنع وظائف مستدامة وتدعم استقرار القوى العاملة والتوطين. ومن أهم عناصر التنفيذ: قاعدة بيانات وطنية للقوى العاملة مرتبطة بجهات ذات علاقة، لدعم التخطيط واستشراف احتياجات المستقبل.

هذا النوع من البنية الرقمية يحقق ثلاث فوائد عملية (وهي نفسها فوائد الذكاء الاصطناعي لاحقًا):

  1. رؤية موحدة للسوق: بدل قرارات مبنية على تقديرات متفرقة.
  2. التنبؤ بالطلب: ما المهن التي ستزيد؟ وأي المهارات تتراجع؟
  3. توجيه الموارد: تدريب وتمويل وحوافز في المكان الصحيح.

والأرقام تعطي سياقًا قويًا:

  • إجمالي الفرص التي أُتيحت بين 2021 و10/2025 تجاوزت 200,000.
  • منها 68,033 في القطاع الحكومي، و81,114 في القطاع الخاص، و50,925 فرص مرتبطة ببرامج التدريب المقرون بالتوظيف.
  • تمّت معالجة 25,143 شكوى عمالية خلال الفترة نفسها، بما في ذلك 10,197 عبر مبادرات لتحسين إجراءات التقاضي.

هذه ليست مؤشرات توظيف فقط؛ هي مؤشرات نضج تشغيلي: تقليل الاحتكاك في السوق، ورفع سرعة إغلاق الفجوات.

من منصات التوظيف إلى منصات التشغيل: كيف يترجم ذلك إلى قطاع الطاقة؟

الإجابة المباشرة: المنصات الحكومية التي تنظّم سوق العمل تشبه—من حيث الفكرة—منصات الذكاء الاصطناعي التي تنظّم تشغيل الأصول في النفط والغاز.

منصة توطين (أُطلقت في 2024) سجّلت 3,535 منشأة ونشرت 2,089 إعلانًا وظيفيًا بواقع 10,122 شاغرًا، مع أكثر من 173,000 مستخدم مسجّل للتنافس. منصة مرصد لخدمات بيانات سوق العمل استفادت منها 67 جهة. ومنصة خُطى تجاوز مستخدموها 40,000 بنهاية 10/2025 وتقدّم برامج أكاديمية وشهادات ودورات.

إذا أخذنا هذا النموذج وطبّقناه على الطاقة، سنجد المقابل الطبيعي له:

  • قاعدة بيانات وطنية للقوى العاملة ⟵ تقابلها في الطاقة بحيرة بيانات تشغيلية تجمع بيانات المعدات، الصيانة، السلامة، والإنتاج.
  • توطين (فرص ووظائف) ⟵ يقابلها سوق داخلي للمهارات داخل شركات الطاقة: من لديه شهادة صيانة تنبؤية؟ من يتقن تحليل الاهتزازات؟ من يستطيع تشغيل أنظمة SCADA؟
  • خُطى (تدريب وشهادات) ⟵ يقابلها مسارات إعادة التأهيل المهني لمهن ستتغير بسبب الأتمتة، مثل فنيّي التفتيش التقليدي، أو مجدولي الصيانة اليدويين.

الفكرة المحورية: الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من الخوارزميات؛ يبدأ من البيانات والنظام الذي يحترمها. وهذا ما تُظهره تجربة وزارة العمل.

الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز: وظائف أكثر… لكن مختلفة

الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي لا "يلغي" الوظائف بقدر ما يعيد تشكيلها، ويخلق طلبًا على مهارات تشغيلية جديدة.

عندما تضاعف تمويل دعم التوظيف في القطاع الخاص من 50 مليون إلى 100 مليون ريال عماني، فنحن أمام رسالة: الدولة تريد زيادة توطين القطاع الخاص مع أدوات مساندة. وفي الطاقة والنفط والغاز تحديدًا، القطاع الخاص حاضر بقوة عبر المقاولين والخدمات المساندة وسلاسل الإمداد—وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي مضاعِفًا للأثر إذا استُخدم في ثلاث مناطق:

1) الصيانة التنبؤية بدل الصيانة بعد التعطل

النتيجة العملية: تقليل التوقفات غير المخطط لها، ورفع موثوقية الأصول.

في بيئات النفط والغاز، أي توقف غير مخطط قد يرفع التكاليف بسرعة. الذكاء الاصطناعي يحلل بيانات مثل الاهتزازات والحرارة والضغط لاكتشاف نمط مبكر للعطل. هذا يخلق وظائف جديدة مثل:

  • محلل بيانات صيانة (Maintenance Data Analyst)
  • مهندس موثوقية مدعوم بالذكاء الاصطناعي
  • فني أجهزة استشعار وإنترنت الأشياء الصناعية

2) السلامة التشغيلية: من التفتيش الدوري إلى الرصد المستمر

النتيجة العملية: تقليل الحوادث عبر الإنذار المبكر.

أنظمة الرؤية الحاسوبية تستطيع مراقبة الالتزام بمعدات الوقاية، أو اكتشاف دخول غير مصرح به لمناطق خطرة. الأهم أن هذا التوجه ينسجم مع هدف وزارة العمل في استقرار القوى العاملة؛ السلامة ليست بندًا، بل شرط للاستدامة.

3) لوجستيات الطاقة وسلاسل الإمداد

النتيجة العملية: تخطيط أدق للمخزون، الشحن، وجدولة الفرق.

هنا يظهر التشابه مع تخطيط سوق العمل. مثلما تساعد قاعدة بيانات وطنية على توقع الاحتياج للمهن، تساعد نماذج التنبؤ على توقع الاحتياج لقطع الغيار والمواد الكيميائية وخطط النقل. والفرص تظهر لدى شركات الخدمات اللوجستية، والمقاولين، ومراكز الدعم.

كيف نستفيد من نجاح سياسات التوظيف لبناء "توطين ذكي" في الطاقة؟

الإجابة المباشرة: التوطين في قطاع الطاقة يحتاج نفس أدوات وزارة العمل، لكن بنسخة تشغيلية: بيانات + حوافز + تدريب مرتبط بوظيفة + قياس مستمر.

الأرقام تعطي مؤشرات تصميم ممتازة. مثلًا:

  • مبادرة دعم الأجور خصصت 15,000 فرصة للداخلين الجدد لمدة سنتين، مع دعم حكومي يبدأ من 200 ريال/شهر.
  • استفادت 1,380 منشأة من مبادرة دعم الأجور، ونتج عنها توظيف 4,610 عمانيين.
  • برامج التدريب المقرون بالتوظيف وفّرت 50,925 فرصة مرتبطة بوظائف، مع اعتماد 133 برنامج تدريب.

هذا المنطق—تدريب مرتبط بوظيفة، وحافز مرتبط بعقد—هو بالضبط ما يحتاجه تبني الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز لكي لا يصبح مشروعًا تقنيًا معزولًا.

نموذج عملي أقترحه لشركات الطاقة في عُمان (5 خطوات)

  1. حصر حالات الاستخدام (Use Cases) ذات العائد الأسرع: صيانة تنبؤية لمضخات حرجة، تحسين استهلاك الطاقة في محطات، أو مراقبة السلامة.
  2. تدقيق جاهزية البيانات: ما الذي يُجمع؟ ما الذي ينقص؟ ومن يملك البيانات؟
  3. بناء مسارات مهارية قصيرة لمدة 8–12 أسبوعًا لفنيين ومشرفين (تحليل بيانات أساسي، مبادئ إنترنت الأشياء الصناعية، مبادئ السلامة الرقمية).
  4. ربط التدريب بعقود واضحة مثل نموذج “التدريب للتوظيف” الذي أثبت فعاليته وحقق عشرات الآلاف من الفرص.
  5. مؤشرات أداء قابلة للقياس: تقليل التوقفات، خفض زمن الصيانة، عدد الإنذارات الصحيحة، نسبة الالتزام بالسلامة.

إذا لم تُقَس النتائج، سيظل الذكاء الاصطناعي “فكرة جميلة” على العروض التقديمية.

أسئلة شائعة يطرحها أصحاب القرار (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي يقلل فرص الشباب في قطاع النفط والغاز؟

لا، إذا صُمّم البرنامج بشكل صحيح. سيقل الطلب على بعض المهام الروتينية، لكن سيزيد الطلب على وظائف تشغيل رقمية ومهارات هجينة تجمع بين الميدان والبيانات.

ما العلاقة بين منصات مثل توطين ونجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي؟

العلاقة هي ثقافة القرار المبني على البيانات. عندما يتعود السوق على الشفافية الرقمية في التوظيف، يصبح من الأسهل قبول أن التشغيل أيضًا يجب أن يُدار ببيانات لحظية ونماذج تنبؤية.

من أين نبدأ إذا كنا شركة خدمات نفطية صغيرة؟

ابدأوا بحالة استخدام واحدة قابلة للتنفيذ خلال 90 يومًا:

  • تتبع معدات ميدانية،
  • أو أتمتة تقارير السلامة،
  • أو لوحة مؤشرات لصيانة أسطول المركبات. النجاح الصغير الموثّق يفتح الباب للتوسع.

الخطوة القادمة: بناء سوق عمل جاهز لذكاء الطاقة

الرسالة التي أخرج بها من أرقام وزارة العمل واضحة: التحول الرقمي ليس ترفًا، بل سياسة توظيف. وعندما ندخل إلى 2026، فإن قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان لديه فرصة عملية لربط نفس النهج بملف أكبر: الإنتاج، السلامة، الكفاءة… والمهارات الوطنية.

إذا كانت قاعدة بيانات وطنية للقوى العاملة تساعد على استشراف احتياجات السوق، فإن الذكاء الاصطناعي في الطاقة يفعل الشيء نفسه للأصول والعمليات: يتنبأ، يوجّه الموارد، ويقلل الهدر. الفرق الوحيد أن الرهان هنا أعلى، والأثر الاقتصادي أسرع.

السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا: هل سنكتفي بتبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المنشآت، أم سنبني معها منظومة مهارات وتوطين تجعل هذه الأدوات “عُمانية” في التشغيل والملكية والمعرفة؟

ملاحظة مصدرية: البيانات والأرقام الواردة عن التوظيف والمنصات وبرامج الدعم مأخوذة من تغطية صحفية لتصريحات وزير العمل أمام مجلس الشورى بتاريخ 07/01/2026.

🇴🇲 الذكاء الاصطناعي والتوظيف في عُمان: من قواعد البيانات إلى الحقول - Oman | 3L3C