ميزانية عُمان 2026 تفتح فرصاً واقعية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز عبر الصيانة التنبؤية وخفض الفاقد وتحسين التشغيل.
ميزانية عُمان 2026: أين يربح الذكاء الاصطناعي في الطاقة؟
رقم واحد في ميزانية عُمان 2026 يستحق أن يلفت انتباه أي مدير تشغيل في النفط والغاز: إجمالي الإنفاق العام 11.977 مليار ريال عُماني بزيادة 1.5% عن 2025، مع 1.3 مليار ريال مخصّصة لمشاريع التنمية والتحوّل الاقتصادي (900 مليون للتنمية في الجهات المدنية و400 مليون لمشاريع التحوّل الاقتصادي). هذه ليست مجرد أرقام مالية؛ إنها مساحة قرار يمكن أن تحدد أين تُصرف الريالات لتقليل المخاطر ورفع الكفاءة.
الميزانية تعكس شيئاً عملياً: الحكومة تريد نموّاً وانضباطاً مالياً في الوقت نفسه. الإيرادات المتوقعة 11.447 مليار، والعجز 530 مليون (انخفاض 14.5% عن عجز 2025)، على افتراض سعر نفط 60 دولاراً للبرميل. عندما تكون معادلة العجز بهذا الوضوح، يصبح سؤال الطاقة والنفط والغاز في عُمان مباشراً: كيف نرفع الإنتاجية ونخفض كلفة البرميل ونقلّل الأعطال والانبعاثات—من دون توسيع المصروفات التشغيلية؟
هنا يظهر الذكاء الاصطناعي كخيار “منطقي” أكثر من كونه ترفاً تقنياً. وفي سياق سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، هذا المقال يربط بين اتجاهات ميزانية 2026 وبين فرص تطبيق الذكاء الاصطناعي في البنية الأساسية والطاقة، بطريقة تساعد صُنّاع القرار على تحويل البنود العامة إلى مشاريع قابلة للقياس.
ماذا تقول أرقام الميزانية 2026 لقطاع الطاقة؟
الرسالة الأولى: عُمان تتحرك نحو اقتصاد أكثر توازناً. صحيح أن صافي إيرادات النفط مقدّر بـ 5.752 مليار ريال (بانخفاض 1.3% عن العام السابق)، لكن صافي إيرادات الغاز مقدّر بـ 1.961 مليار (بزيادة 10.4%). هذا التحول النسبي مهم: الغاز غالباً ما يأتي بعقود توريد واستثمارات تشغيلية تختلف في إدارة الأصول وسلاسل الإمداد.
الرسالة الثانية: الإنفاق الجاري كبير (8.771 مليار، 73% من إجمالي الإنفاق)، بينما التنمية والتحول الاقتصادي حصتهما أصغر نسبياً. هذا يعني أن أي تحسن في التشغيل (OPEX) سيظهر أثره بسرعة على العجز والانضباط المالي. الذكاء الاصطناعي هنا لا يُقاس بعدد “المشاريع” فقط، بل بقدرته على:
- تقليل التوقفات غير المخططة في المنشآت.
- تحسين جدولة الصيانة وقطع الغيار.
- رفع كفاءة الطاقة في الضخ والضغط والمعالجة.
- خفض الهدر في الشبكات (كهرباء/مياه) حيث توجد دعم مباشر ضمن بند المساهمات.
الرسالة الثالثة: بند المساهمات والدعم كبير (1.906 مليار، 16% من الإنفاق)، ومنه 509 مليون لدعم الكهرباء و170 مليون للمياه والصرف الصحي. أي تحسين تشغيلي في قطاع الطاقة—خصوصاً إدارة الأحمال وخفض الفاقد وتحسين كفاءة الشبكات—يعني تخفيف ضغط الدعم على المدى المتوسط.
جملة تصلح كقاعدة قرار: كل ريال يُوفَّر في التشغيل اليوم يساوي ريالاً أقل حاجةً للدعم غداً.
أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض العجز فعلياً؟
التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يأتي من لوحات بيانات جميلة؛ يأتي من قرارات يومية أفضل. وإذا ربطنا ذلك بهدف الميزانية في تقليل العجز (530 مليون)، فهناك ثلاث جبهات واضحة في النفط والغاز والطاقة.
1) الصيانة التنبؤية للأصول الثقيلة: تقليل التوقفات قبل حدوثها
أكبر تسريب للميزانيات التشغيلية في المصانع ومحطات المعالجة ليس “سوء النية”، بل العطل المفاجئ. نماذج الذكاء الاصطناعي التي تُدرّب على بيانات الاهتزاز والحرارة والضغط وزيت التشحيم تستطيع التنبؤ باحتمال فشل الضواغط والمضخات والتوربينات قبل أسابيع.
ما الذي يتغير عملياً؟
- تتحول الصيانة من “رد فعل” إلى تخطيط.
- تتقلص ساعات التوقف غير المخطط.
- تنخفض المشتريات الطارئة لقطع الغيار (غالباً الأغلى).
مثال تطبيقي في عُمان: منشأة غاز لديها ضواغط حرجة. عند ارتفاع بسيط في الاهتزاز مع نمط حراري معين، يوصي النموذج بجدولة صيانة قصيرة في نافذة إنتاج منخفضة بدلاً من توقف كامل. فرق يوم واحد من التوقف في منشأة حساسة قد يساوي ميزانية مشروع تقني كامل.
2) تحسين الإنتاج والرفع الاصطناعي: زيادة البراميل “من نفس الآبار”
التحسين الرقمي في الحقول يعتمد على فهم العلاقة بين خصائص المكمن ومعلمات التشغيل. الذكاء الاصطناعي—مع نماذج التوأم الرقمي—يمكنه اقتراح إعدادات تشغيل لرفع الإنتاج وتقليل استهلاك الطاقة في الرفع الاصطناعي.
نقطة مهمّة: في سياق افتراض سعر النفط 60 دولاراً، لا يكفي رفع الإنتاج وحده. الأفضل هو رفع الإنتاج مع خفض كلفة البرميل. وهذا يتحقق عندما يستخدم الفريق نماذج:
- تحسين معدلات الحقن (ماء/غاز) وفق استجابة المكمن.
- التنبؤ بمخاطر تكسّر المضخات أو ترسّبات (Scaling) قبل وقوعها.
- ضبط إعدادات المضخات لتقليل الاستهلاك الكهربائي.
3) ذكاء الشبكات والطاقة: خفض الفاقد وتحسين الأحمال لتقليل الدعم
وجود 509 مليون ريال دعم للكهرباء في الميزانية يعطي إشارة واضحة: تحسين كفاءة الشبكة ليس رفاهية. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- التنبؤ بالأحمال حسب المواسم والسلوك (الشتاء في يناير 2026 عادة أقل ضغطاً من الصيف، لكن التذبذب الصناعي يظل مؤثراً).
- اكتشاف الفاقد غير الفني (سرقات/توصيلات) عبر أنماط الاستهلاك.
- تحسين تشغيل محطات التوليد وفق تكلفة الوقود وتوفر الغاز.
النتيجة المطلوبة من منظور مالي: كيلوواط/ساعة أقل فاقداً = ريال أقل دعماً.
تحويل مخصصات التنمية والتحول الاقتصادي إلى مشاريع AI قابلة للقياس
المخصصات المعلنة لمشاريع التنمية والتحول الاقتصادي (ضمن 1.3 مليار، منها 400 مليون للتحول الاقتصادي) تفتح الباب لمشاريع بنية رقمية. لكن معظم الشركات تتعثر لأنها تبدأ بالأدوات قبل الأساسيات.
ما الذي يجب بناؤه أولاً؟ (خارطة طريق 90 يوماً)
إذا كنت مسؤولاً في شركة نفط/غاز أو جهة طاقة، فهذه خطوات عملية تبدأ بسرعة وتُنتج أرقاماً:
- جرد البيانات الحرجة: أين بيانات المستشعرات؟ ما دقتها؟ ما الفجوات؟
- توحيد مصادر البيانات في منصة واحدة (Data Lake/Hub) مع حوكمة واضحة.
- اختيار حالتين استخدام فقط ذات أثر مالي واضح (مثل ضاغط حرج + فاقد شبكة).
- بناء نموذج أولي (PoC) وقياس مؤشرين قبل/بعد:
- ساعات توقف غير مخطط.
- استهلاك الطاقة لكل وحدة إنتاج.
- تعميم التجربة تدريجياً على أصول مشابهة.
قاعدة إدارة تغيّر: مشروع ذكاء اصطناعي بلا مؤشرات قياس (KPIs) ليس مشروعاً… هو عرض تقديمي.
مؤشرات قياس مقترحة تناسب “انضباط الميزانية”
لتكون نتائج الذكاء الاصطناعي قابلة للدفاع عنها أمام الإدارة والجهات الرقابية، اربطها بمؤشرات بسيطة:
- Cost per barrel: كلفة تشغيلية لكل برميل/مكافئ نفطي.
- MTBF/MTTR: متوسط الزمن بين الأعطال/زمن الإصلاح.
- Energy intensity: استهلاك الطاقة لكل طن/متر مكعب معالجة.
- Maintenance compliance: الالتزام بخطة الصيانة مقابل الطارئ.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في عُمان (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب إذا كانت الميزانية تحت ضغط والعجز قائم؟
نعم، بشرط اختيار حالات استخدام تقلل مصروفات التشغيل بسرعة. ضغط العجز (530 مليون) يجعل التركيز على OPEX أكثر واقعية من مشاريع طويلة الأمد بلا نتائج خلال سنة.
هل نحتاج تغييراً كبيراً في الأنظمة؟
ليس بالضرورة. كثير من المكاسب تأتي من ربط بيانات SCADA وDCS وCMMS وتطبيق نماذج تنبؤية فوقها. التغيير الجذري يأتي لاحقاً عندما تُثبت القيمة.
أين يبدأ قطاع النفط والغاز في عُمان تحديداً؟
ابدأ من الأصول “الحرجة مالياً”: ضواغط الغاز، مضخات الحقن، وحدات الفصل والمعالجة، وسلاسل الإمداد لقطع الغيار. هذه مناطق تظهر فيها قيمة الذكاء الاصطناعي سريعاً وبوضوح.
ما الذي تعنيه ميزانية 2026 لقراراتك في الربع الأول؟
ميزانية 2026 لا تقول إن الدولة ستُنفق أكثر فقط؛ بل تقول إنها تريد إنفاقاً “أذكى” مع استمرار تقليل المخاطر المالية. الأرقام واضحة: إنفاق 11.977 مليار، إيرادات 11.447 مليار، عجز 530 مليون، وتوجه نحو رفع كفاءة التحصيل وتنمية الإيرادات غير الهيدروكربونية (3.734 مليار).
من زاوية الطاقة والنفط والغاز في عُمان، أفضل استجابة لهذه المعادلة هي تحويل الذكاء الاصطناعي إلى برنامج تشغيلي—يركز على الصيانة التنبؤية، تحسين الإنتاج، وإدارة الطاقة والشبكات—لا إلى مبادرة تقنية منفصلة.
إذا كنت تفكر في 2026 كعام “ترتيب الأوراق” الرقمية، فهذه ملاحظة أخيرة من واقع ما رأيته ينجح: ابدأ صغيراً، لكن اختر مشكلة كبيرة. ثم قِس، وكرّر، ووسّع.
ما أول أصل/عملية في شركتك لو تحسّنت بنسبة 2% فقط ستغير رقم العجز داخل مؤسستك؟