دروس من نجاح تقييم حقل Hai Su Vang في فيتنام: كيف يختصر الذكاء الاصطناعي عدم اليقين ويُحسّن قرارات الحفر والتطوير في عُمان.

الذكاء الاصطناعي في تقييم الحقول: دروس لعُمان من فيتنام
429 قدمًا من صافي الطبقة النفطية ليست رقمًا عابرًا في تقارير الاستكشاف. هذا ما أعلنته شركة Murphy بعد حفر بئر التقييم Hai Su Vang-2X في حوض Cuu Long على بُعد نحو 40 ميلًا بحريًا من سواحل فيتنام، وهو ما عزّز قناعتها باكتشاف “أسد البحر الذهبي” الذي أُعلن عنه في 2025. الأهم من الرقم نفسه هو ما يكشفه: تقييم الحقول اليوم أصبح لعبة بيانات قبل أن يكون لعبة حفر.
ولأن هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، فالقصة الفيتنامية هنا ليست للتسلية الإخبارية. هي مثال عملي على أن نجاح التقييم (Appraisal) يُبنى على نمذجة أدق، قرار أسرع، ومخاطر أقل—وهذه بالضبط المساحة التي يثبت فيها الذكاء الاصطناعي قيمته داخل شركات الطاقة في عُمان، خصوصًا مع توسّع الطموح في التحسين التشغيلي، وخفض الانبعاثات، وتعظيم العائد من كل بئر.
ماذا تقول لنا نتائج Murphy؟ المؤشر الحقيقي هو “اليقين”
الرسالة المباشرة من نتائج بئر HSV-2X هي أن الشركة لم تكتفِ بتأكيد وجود النفط؛ بل رفعت مستوى اليقين الجيولوجي حول امتداد المكمن وقابلية تطويره.
وفق ما نُشر بتاريخ 07/01/2026، البئر واجه:
- 429 قدمًا من صافي الطبقات النفطية عبر مكمنين (مقارنةً بـ 370 قدمًا في بئر الاكتشاف HSV-1X).
- 332 قدمًا في المكمن الأعمق (الأساسي) و97 قدمًا في مكمن أعلى.
- تعميق حد تماس النفط (Oil-down-to) في المكمن الأساسي بمقدار 413 قدمًا دون مواجهة ماء، ما يرفع عمود الهيدروكربون إلى نحو 1,600 قدم.
- اختبار تدفق من المكمن الأساسي بلغ 6,000 برميل نفط يوميًا، مع خام 37° API (متسق مع بئر الاكتشاف).
لماذا هذه الأرقام مهمة لصنّاع القرار؟
في التقييم، ليست “هل يوجد نفط؟” هي السؤال. السؤال هو: كم يمكن استرجاعه اقتصاديًا وبأي مخاطر؟
عندما تقول Murphy إن تقدير الموارد القابلة للاستخلاص (Recoverable) يتجه نحو الحد الأعلى من نطاق 170–430 مليون برميل مكافئ نفط، وأن “الحد الأعلى الجديد” قد يتجاوز 430، فهي تعلن ضمنيًا أن عدم اليقين بدأ ينكمش. وكل نقطة مئوية من تقليل عدم اليقين تُترجم إلى:
- قرارات أسرع للاستثمار النهائي (FID)
- تصميم تطوير أدق (عدد الآبار، مواقعها، نوع الإكمال)
- تخفيض في تكلفة الخطأ (حفر بئر في المكان غير المناسب)
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي: تقليل عدم اليقين أسرع وبأدلة أقوى.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي في “التقييم” تحديدًا؟
الجواب المختصر: الذكاء الاصطناعي يربط بين السجل الزلزالي والبتروفيزياء واختبارات الآبار وسلوك الإنتاج ليعطيك قرارًا أفضل حول مكان الحفر التالي وما الذي تتوقعه منه.
1) تحسين تفسير البيانات الزلزالية لتحديد الامتداد المكمني
في حقول بحرية مثل Hai Su Vang—وكثير من سيناريوهات البحر/الساحل في المنطقة—التحدي ليس نقص البيانات، بل كثرتها وتعقيدها.
الذكاء الاصطناعي (خصوصًا نماذج التعلم العميق) يمكنه:
- تسريع تتبع الطبقات (Horizon tracking)
- تحسين التمييز بين الفوالق والضوضاء
- اقتراح خرائط احتمالية للتماسك المكمني (Reservoir continuity)
النتيجة العملية: بدل أن تستغرق دورة التفسير شهورًا قبل تحديد موقع بئر التقييم التالي، يمكن ضغطها إلى أسابيع—مع توثيق أفضل للافتراضات.
2) دمج بيانات اللبّات والسجلات لتقدير “صافي الطبقة النفطية” بدقة
Murphy أعلنت صافي طبقة نفطية كبيرًا. لكن في الواقع، احتساب صافي الطبقة النفطية يعتمد على عتبات (Cutoffs) مثل المسامية والتشبع المائي والنفاذية.
الذكاء الاصطناعي يساعد على:
- اختيار عتبات أكثر اتساقًا بناءً على بيانات تاريخية
- اكتشاف الأنماط غير الخطية بين السجلات (Logs) وجودة الصخور
- تقليل الانحياز البشري عند المقارنة بين بئر اكتشاف وبئر تقييم
النتيجة: تقدير الموارد القابلة للاستخلاص يصبح أكثر قابلية للدفاع أمام لجان الاستثمار والشركاء والجهات التنظيمية.
3) التنبؤ بأداء الآبار قبل اختبار التدفق الكامل
اختبار التدفق في البحر مكلف ويستهلك وقتًا. عندما تعلن Murphy 6,000 برميل/يوم فهي تستند لاختبار، لكن السؤال الذي يهم التطوير: هل سيتكرر هذا الأداء عبر آبار متعددة؟ وكم سيهبط بعد أشهر؟
نماذج الذكاء الاصطناعي القائمة على بيانات الاختبارات والخصائص الصخرية يمكنها:
- توقع منحنيات الإنتاج (Decline curves) بشكل أكثر واقعية
- اقتراح استراتيجيات رفع صناعي أو إكمال أفضل
- تقييم الحساسية لمخاطر مثل اختراق الماء (Water breakthrough)
من فيتنام إلى عُمان: ما الدروس التي يجب ألا نفوّتها؟
الجواب المباشر: الدرس ليس “احفر أكثر”. الدرس هو “احفر أذكى”.
عُمان لديها خبرة تشغيلية كبيرة في تطوير الحقول وإدارة المكامن، ومع ذلك فإن موجة التحول الرقمي الحالية تعطي فرصة لرفع الأداء عبر الذكاء الاصطناعي في ثلاث نقاط حساسة: التقييم، التطوير، والتشغيل اليومي.
الدرس الأول: التقييم ليس مرحلة قصيرة… هو قرار مصيري
كثير من الشركات تتعامل مع التقييم وكأنه خطوة بين الاكتشاف والتطوير. الواقع أنه المرحلة التي تُحسم فيها:
- هندسة التطوير (Surface & subsurface)
- حجم الاستثمار الرأسمالي
- مخاطر الجدول الزمني
في بيئات تنافسية على رأس المال، القدرة على تقديم قصة بيانات متماسكة حول حجم المكمن واستمراريته هي ما يفتح التمويل ويُقنع الشركاء.
الدرس الثاني: “عمود هيدروكربون 1,600 قدم” يعني أن أي خطأ مكلف
عندما يكون لديك عمود كبير دون ماء (كما ورد في تقرير Murphy)، فأنت أمام فرصة ضخمة… ولكن أي سوء فهم للحدود أو الفوالق قد يرسل بئرًا كاملًا إلى منطقة أقل جودة.
الذكاء الاصطناعي هنا يعمل كـ”طبقة أمان” إضافية:
- يضع احتمالات بدل يقين زائف
- يكشف التضارب بين مصادر البيانات
- يحسن اختيار مواقع الآبار التقييمية التالية
الدرس الثالث: المكمن الضحل “Upside” يحتاج انضباطًا تحليليًا
Murphy قالت إن المكمن الضحل يضيف إمكانات إضافية لم تكن ضمن النطاق السابق، لكنه يحتاج آبارًا أخرى لتدقيق الموارد. هذا نموذج شائع: طبقات “إضافية” تبدو مغرية، لكنها قد تُشتت التركيز إذا لم تُدار بتحليل اقتصادي واضح.
في عُمان، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا القرار عبر:
- نمذجة سيناريوهات تطوير متعددة (Multi-scenario planning)
- تقدير القيمة الحالية الصافية (NPV) لكل خيار بسرعة
- تحديد أقل عدد من الآبار المطلوبة لتقليل عدم اليقين
خطة تطبيق عملية للذكاء الاصطناعي في شركات النفط والغاز بعُمان
الجواب المختصر: ابدأ بحالات استخدام ترتبط بقرارات كبيرة (حفر/صيانة/سلامة)، ثم ابنِ منصة بيانات قابلة للتوسع.
1) اختر 3 حالات استخدام مرتبطة بأكبر فاتورة
إذا كنت تريد أثرًا خلال 90–180 يومًا، ركّز على:
- اختيار مواقع آبار التقييم/التطوير (دمج زلزالي + سجلات + تاريخ إنتاج)
- الصيانة التنبؤية للمضخات والمعدات الدوارة (تقليل التوقف غير المخطط)
- مراقبة السلامة التشغيلية (تحليل فيديو/حساسات لرصد المخاطر مبكرًا)
2) وحّد البيانات قبل أن “تُجمّلها”
أغلب التعثر في مشاريع الذكاء الاصطناعي ليس بسبب النموذج، بل بسبب:
- بيانات غير موحدة بين الفرق
- تعريفات مختلفة لنفس المؤشر
- فجوات في التاريخ التشغيلي
خطوة عملية: إنشاء قاموس بيانات (Data dictionary) للمكمن/الآبار، مع قواعد جودة واضحة.
3) ضع معيار نجاح رقميًّا وميدانيًّا
أحب مؤشرين بسيطين لأنهما لا يقبلان التلاعب:
- تقليل أيام اتخاذ القرار لموقع بئر جديد (Decision cycle time)
- خفض تكلفة البئر “غير المثالي” عبر رفع معدل النجاح الجيولوجي/الإنتاجي
حتى لو كان التحسن 10–15% في السنة الأولى، أثره على CAPEX قد يكون كبيرًا.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي يُغني عن الجيولوجي ومهندس المكمن؟
لا. الذكاء الاصطناعي يُغني عن العمل المتكرر ويُظهر أنماطًا أسرع، لكنه يحتاج خبرة بشرية لضبط الافتراضات وتقييم المخاطر.
ما الذي يجب حمايته عند إدخال الذكاء الاصطناعي؟
البيانات الحساسة وحقوق الملكية. أنصح بسياسة واضحة: ما الذي يُسمح برفعه للمنصات السحابية، وما الذي يبقى داخل بيئة محلية، ومن يملك النموذج والمخرجات.
ما أقصر طريق لتحقيق قيمة؟
ابدأ بمشكلة واحدة مرتبطة بقرار مكلف (حفر/إغلاق/صيانة)، وابنِ نموذجًا أوليًا خلال 6–8 أسابيع، ثم وسّعه بعد إثبات الأثر.
ما الذي يجب أن نأخذه معنا من قصة Hai Su Vang؟
نجاح Murphy في بئر HSV-2X يوضح قاعدة بسيطة: التقييم الناجح هو تقييم يعتمد على البيانات ويقلّص عدم اليقين بسرعة. الأرقام—429 قدم صافي طبقة نفطية، 6,000 برميل/يوم، عمود 1,600 قدم—كلها تعكس أن الشركة باتت أقرب لاتخاذ قرارات تطوير بثقة أعلى.
بالنسبة لعُمان، الفرصة الآن هي تحويل الذكاء الاصطناعي من “مشروع تجريبي” إلى قدرة مؤسسية: فرق متعددة تعمل على نفس البيانات، نماذج تربط تحت السطح بالسطح، ومؤشرات تُثبت الأثر ماليًا وتشغيليًا.
السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا داخل أي شركة طاقة في 2026: ما قرار الحفر أو الصيانة القادم الذي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعله أقل مخاطرة وأكثر ربحية؟