تراجع برنت 18% في 2025 ومعه ضعفت نتائج تداول شِل. هذه قراءة عملية لكيف يساعد الذكاء الاصطناعي شركات الطاقة في عمان على الربح وسط التقلب.
الذكاء الاصطناعي وتقلبات النفط: درس شِل وفرصة عمان
هبط خام برنت بنحو 18% خلال 2025، ومعه هبطت شهية السوق للنتائج “السهلة”. هذا بالضبط ما كشفته شِل عندما أعلنت في 09/01/2026 أن أداء تداول النفط في الربع الرابع سيكون أضعف بكثير من الربع الثالث، وأن وحدة الكيماويات تتجه إلى خسارة كبيرة. الرسالة هنا ليست عن شركة واحدة؛ الرسالة عن صناعة كاملة تتعامل مع واقع جديد: تقلبات أعلى، وهوامش أضيق، وقرارات أسرع.
في سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”، أرى أن خبر شِل يصلح كمرآة للشركات في المنطقة، خصوصًا في عمان: عندما تتراجع الأسعار ويزداد فائض المعروض، تصبح القدرة على التنبؤ والاستجابة الفورية أهم من زيادة الإنتاج وحدها. الذكاء الاصطناعي لا يغيّر طبيعة السوق، لكنه يجعل التعامل معه أكثر انضباطًا: من توقعات الطلب والأسعار، إلى تحسين عمليات التكرير واللوجستيات، إلى إدارة المخاطر في التداول.
ماذا تقول لنا نتائج شِل عن سوق النفط في 2026؟
الإجابة المباشرة: السوق يدخل مرحلة “فائض محتمل” حيث تتآكل أرباح التداول بسرعة إذا لم تكن القرارات مبنية على بيانات لحظية ونماذج قوية.
تحديث شِل يشير إلى نقطتين واضحتين:
- التداول ليس دائمًا مصدر أرباح ثابت حتى لدى الشركات العملاقة. شِل تمتلك ذراع تداول داخلي كبير يتعامل في النفط والغاز والوقود والكيماويات والطاقة المتجددة، لكن الشركة لا تفصح عن أرقام منفصلة للمتداولين، ما يجعل المستثمرين يراقبون الإشارات التشغيلية بعناية.
- هبوط الأسعار يكشف هشاشة بعض خطوط الأعمال، مثل الكيماويات عندما تتدهور الهوامش بالتزامن مع ركود/تباطؤ الطلب الصناعي.
اللافت أن اضطرابات جيوسياسية كبيرة (مثل التطورات في فنزويلا المذكورة في الخبر) لم تغيّر اتجاه السعر كثيرًا. هذا يلمّح إلى أن السرديات السياسية وحدها لم تعد كافية لرفع الأسعار عندما يكون السوق متجهًا إلى فائض.
بالنسبة لعمان، الفكرة ليست “هل سنواجه تقلبات؟” بل “كيف نجهّز منظوماتنا لاتخاذ قرار أفضل حين تحدث التقلبات؟”.
لماذا يتراجع أداء تداول النفط حين تهبط الأسعار؟ (ولماذا لا يكفي الحدس؟)
الإجابة المباشرة: لأن أرباح التداول تعتمد على فروقات الأسعار والاتجاهات قصيرة الأجل وتوازن العرض والطلب، وكلها تصبح أكثر تشوشًا عندما تتسارع الحركة ويزداد عدم اليقين.
تداول النفط داخل الشركات الكبرى ليس مجرد “شراء وبيع”. هو شبكة قرارات تشمل:
- توقيت الشراء والبيع والتحوط
- إدارة المخزون (في الموانئ والخزانات)
- اختيار مسارات الشحن والتأمين والتمويل
- مزج الخامات والمنتجات لتحقيق مواصفات مختلفة
عندما يهبط السعر بسرعة، تتغير قواعد اللعبة:
- قد يتوسع الكونتانغو (سعر العقود الآجلة أعلى من الفورية) أو يتغير شكل المنحنى، فتتبدل جدوى التخزين.
- تتقلب فروقات الخامات (spreads) بين مناطق مختلفة، ويزداد “ضجيج” السوق.
- تزيد مخاطر أن تتحول صفقة “منطقية على الورق” إلى خسارة بسبب تأخير شحنة أو تغير مفاجئ في الطلب.
الحدس وحده هنا مكلف. ما ينقذ الأرباح عادة هو نظام يقرأ الإشارات الصغيرة قبل أن تتحول إلى موجة.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ 5 استخدامات عملية في التداول والعمليات
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يرفع جودة القرار عبر التنبؤ، والتحسين (Optimization)، وكشف المخاطر مبكرًا، وربط التداول بالتشغيل بدل أن يبقيا عالمين منفصلين.
1) توقعات أقصر زمنًا… لكنها أكثر نفعًا
الكثير من الشركات تبالغ في التركيز على توقع سعر النفط “بعد سنة”. بينما الربح في التداول التشغيلي غالبًا يحسمه أسبوعان إلى 8 أسابيع:
- توقع الطلب المحلي/الإقليمي على الديزل والوقود البحري
- توقع ازدحام الموانئ وأزمنة التفريغ
- توقع تعطل الإمدادات أو اختناقات المصافي
نماذج تعلم آلي تُغذّى ببيانات مثل حركة السفن (AIS)، ومخزونات الموانئ، وفروقات الأسعار الإقليمية، وأحجام المصافي، يمكنها إنتاج إشارات قرار قصيرة المدى قابلة للتنفيذ.
2) تحسين قرارات المخزون والشحن بدل قرارات “رد الفعل”
حين يكون السعر متقلبًا، يتحول المخزون من أصل إلى عبء بسرعة. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- تحديد مستوى مخزون أمثل لكل منتج
- اختيار المسار الأقل مخاطرة والأعلى ربحًا للشحن
- اقتراح مزج منتجات (blending) يحقق هامشًا أفضل ضمن قيود المواصفات
هذه ليست نظرية. كثير من الأرباح تُحسم في “تفاصيل” مثل: هل تشحن اليوم أم تؤجل 72 ساعة؟ هل تغيّر وجهة الشحنة؟ هل تبيع جزءًا وتخزن جزءًا؟
3) كشف المخاطر في الوقت الحقيقي (Risk Sensing)
في خبر شِل، هناك عنصر مهم: عندما تضعف النتائج، يصبح المستثمرون أشد حساسية للمخاطر—وخاصة في سياق برامج إعادة شراء الأسهم والضغط على التدفق النقدي.
أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكنها:
- رصد انحرافات غير طبيعية في الأسعار والفروقات
- إطلاق تنبيهات عند ارتفاع مخاطر الطرف المقابل (Counterparty)
- قياس “تعرض المحفظة” لمناطق/موانئ/مزودين محددين
جملة قابلة للاقتباس: في التداول، الخسارة الكبيرة غالبًا لا تأتي من قرار واحد خاطئ، بل من تأخر يومين في رؤية أن المخاطر تغيّرت.
4) ربط التداول بالتشغيل: من نموذج “غرفة تداول” إلى “شركة واحدة”
الخطأ الشائع أن يتصرف فريق التداول وكأنه منفصل عن فرق الإنتاج والتكرير واللوجستيات. الذكاء الاصطناعي ينجح عندما يربط هذه العوالم:
- نموذج موحّد يتوقع الطلب ويترجمه إلى خطة إنتاج وتوزيع
- توائم بين صيانة الأصول وتوقيت السوق
- تحسين استهلاك الطاقة في المصافي ومحطات الغاز لتخفيف كلفة البرميل المكرر
في عمان، هذه النقطة مهمة لأن القيمة لا تأتي فقط من بيع الخام، بل من إدارة سلسلة القيمة كاملة: من المنبع إلى المصب، ومن الغاز الطبيعي إلى المنتجات النهائية.
5) دعم قرارات الكيماويات عندما تتدهور الهوامش
شِل توقعت خسارة كبيرة في الكيماويات. هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي في:
- توقع الطلب على البتروكيماويات بحسب قطاعات (تعبئة، بناء، سيارات)
- تحسين “سلة المنتجات” بحسب الهوامش والقيود التشغيلية
- تقليل الفاقد ورفع الكفاءة في وحدات التكسير/البلمرة عبر الصيانة التنبؤية
ما الذي يمكن لشركات الطاقة في عمان فعله الآن؟ خطة 90 يومًا واقعية
الإجابة المباشرة: ابدأ بمشروعين صغيرين عاليَي الأثر (توقعات قصيرة المدى + تحسين اللوجستيات/المخزون)، ثم وسّع نحو منصة بيانات موحدة وحوكمة مخاطر.
أفضّل دائمًا خطة قصيرة بملكية واضحة بدل برنامج ضخم يتعثر:
- اختيار حالة استخدام واحدة للتداول التشغيلي
- مثال: توقع فروقات الأسعار الإقليمية لمنتج محدد (ديزل/وقود طائرات) وربطها بقرار المخزون.
- تجميع البيانات بسرعة وبشكل عملي
- بيانات داخلية: مبيعات، مخزون، أوامر شراء، جداول شحن.
- بيانات خارجية: أسعار فورية/آجلة، حركة سفن، ازدحام موانئ.
- بناء نموذج أولي خلال 4–6 أسابيع
- هدف النموذج ليس “توقع السعر بدقة سحرية”، بل تقديم توصية قابلة للتنفيذ مع هامش ثقة.
- لوحة قيادة قرار (Decision Dashboard)
- تعرض: التوقع، المخاطر، البدائل، أثر القرار على الربحية.
- حوكمة واضحة
- من يوافق؟ من يملك النموذج؟ كيف نراجع الأداء؟ كيف نتعامل مع تحيز البيانات؟
الواقع؟ الشركات التي تكسب في التقلبات ليست الأكثر جرأة، بل الأكثر انضباطًا في البيانات والقرار.
أسئلة يطرحها التنفيذيون عادة (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي سيزيد الأرباح حتى لو انخفضت الأسعار؟ نعم، لأن الربح هنا يأتي من تحسين الهامش وتقليل الهدر، وليس من اتجاه السعر فقط. حتى في سوق هابط، تحسين قرار الشحن والمخزون والتحوط قد يحمي الربحية.
هل نحتاج فريق بيانات ضخم؟ لا. فريق صغير (منتج رقمي + محلل بيانات + مهندس بيانات + خبير أعمال من التداول/اللوجستيات) يكفي للبدء، ثم تتوسع حسب النتائج.
ما أكبر خطأ؟ أن نشتري أدوات قبل أن نحدد قرارًا محددًا نريد تحسينه، ومقياس نجاح واضح (مثل تقليل كلفة التخزين أو رفع هامش منتج).
أين تتقاطع قصة شِل مع مستقبل الطاقة في عمان؟
الإجابة المباشرة: لأنها تذكّرنا أن الأرباح ليست مضمونة حتى للكبار، وأن الذكاء الاصطناعي أصبح “عضلة تشغيلية” لا إضافة تجميلية.
شِل كانت قد استفادت من تداول قوي في الربع الثالث، ثم جاء الربع الرابع أضعف مع هبوط الأسعار. هذا التذبذب وحده يشرح لماذا تتجه شركات الطاقة عالميًا إلى الاستثمار في التحليلات المتقدمة، ونماذج التنبؤ، وأتمتة القرار.
بالنسبة لعمان، الفرصة ليست فقط في تحسين تداول النفط، بل في بناء منظومة ذكاء اصطناعي تمتد إلى:
- تحسين إنتاج النفط والغاز عبر النمذجة الجيولوجية والصيانة التنبؤية
- رفع كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات التشغيلية
- زيادة موثوقية سلاسل الإمداد وتقليل التأخيرات
السؤال الذي أتركه لك: إذا دخلنا 2026 بسوق أكثر تقلبًا، هل قراراتك اليوم مبنية على بيانات لحظية ونماذج قابلة للمراجعة… أم على تقارير متأخرة وحدس مرهق؟