دروس من مشروع زاما البحري في المكسيك: كيف يدعم الذكاء الاصطناعي إدارة المشاريع والسلامة والإنتاج في النفط والغاز بعُمان.

إدارة المشاريع البحرية بالذكاء الاصطناعي: دروس لعُمان
في 31/12/2025 أعلنت World Oil تعيين Harbour Energy مشغّلًا رسميًا لتطوير حقل زاما (Zama) البحري في المكسيك، بعد اتفاق الشركاء وموافقة وزارة الطاقة المكسيكية. الخبر يبدو “بعيدًا جغرافيًا”، لكنه قريب جدًا من سؤال محوري في سلسلة مقالاتنا «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»: ما الذي يجعل مشروعًا بحريًا ضخمًا يتقدم بثقة نحو قرار الاستثمار النهائي بدل أن يعلق في دوامة التأخير وتضخم التكاليف؟
زاما ليس حقلًا عاديًا. التقديرات تشير إلى نحو 750 مليون برميل مكافئ نفطي قابلة للاستخراج (إجمالي قابل للاستخراج). ومع اكتمال أعمال التصميم الهندسي الأولي FEED المتوقعة خلال 2026 قبل قرار الاستثمار النهائي، تصبح إدارة المشروع—من الحوكمة إلى سلامة التشغيل—المعركة الحقيقية. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي: ليس كترف تقني، بل كطريقة عمل تقلل المفاجآت، وتسرّع القرارات، وتُحسن الانضباط التشغيلي.
ماذا يعلّمنا مشروع زاما عن إدارة المشاريع البحرية؟
الإجابة المباشرة: زاما يوضح أن نجاح المشاريع البحرية الكبيرة يعتمد على ثلاث ركائز: حوكمة شراكات واضحة، نضج هندسي مبكر (FEED)، وقدرة تشغيلية منضبطة—وكل ركيزة يمكن تعزيزها اليوم بأدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
بحسب الخبر، تم تعيين Harbour مشغّلًا بعد اتفاق بالإجماع بين الشركاء: Pemex (50.4%) وHarbour (32.22%) وTalos Energy Mexico (17.35%). في المشاريع البحرية، تعدد الشركاء يعني تعدد الأولويات والبيانات والأنظمة. أي فجوة صغيرة في من يمتلك القرار؟ ومن يوقّع؟ وعلى أي بيانات؟ تتحول سريعًا إلى تأخير كبير.
ما يعجبني هنا أن زاما يضع “الحوكمة” في الواجهة: مشغّل واحد، نسب واضحة، ومسار تنظيمي واضح. هذا مهم لعُمان أيضًا، لأن مشاريع النفط والغاز—وخاصة المشاريع المتداخلة بين المنبع والوسط والمصب—تحتاج نموذج تشغيل يوازن بين الامتثال، والسرعة، وتوحيد البيانات.
لماذا مرحلة FEED هي المكان الصحيح لتوظيف الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة المباشرة: لأن FEED هي آخر فرصة رخيصة لتغيير التصميم قبل أن تصبح أي تعديلات مكلفة أثناء التنفيذ.
خلال FEED تُحسم خيارات رئيسية: مخطط التطوير، ربط الآبار، تجهيزات المعالجة، اختيار المقاولين، وخطة السلامة. إذا كانت البيانات مشتتة أو القرارات مبنية على “خبرة شفوية” فقط، فالمخاطر تتراكم.
الذكاء الاصطناعي هنا يخدم هدفًا بسيطًا: خفض عدم اليقين. كيف؟ عبر دمج البيانات التاريخية، ومحاكاة السيناريوهات، وتوقع نقاط الاختناق في المشتريات والإنشاءات، وحتى كشف التعارضات التصميمية قبل أن تظهر في الموقع.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي فعليًا في التشغيل البحري؟
الإجابة المباشرة: في التشغيل البحري، الذكاء الاصطناعي يخلق قيمة ملموسة في أربع مناطق: الجدولة والتكلفة، موثوقية المعدات، السلامة، وإدارة الإنتاج.
1) توقع التأخير وتضخم التكلفة قبل حدوثهما
المشاريع البحرية تعاني عادة من “سلاسل توريد طويلة” وقرارات تعتمد على أطراف كثيرة. نموذج ذكاء اصطناعي مدعوم ببيانات المشاريع السابقة يمكنه بناء مؤشر مبكر لاحتمال التأخر في حزم مثل:
- معدات تحت سطح البحر (Subsea)
- خطوط الأنابيب البحرية
- أعمال الربط والتكليف (Commissioning)
والفكرة ليست “نبوءة”، بل تنبيه قابل للتصرف: إذا ارتفع احتمال التأخير لحزمة معينة، تُفعل إجراءات تخفيف مثل تغيير المورد، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو زيادة المخزون، أو تعديل نافذة التنفيذ.
2) الصيانة التنبؤية لمعدات حرجة
في المنصات البحرية، توقف مضخة واحدة أو صمام تحكم يمكن أن يوقف سلسلة كاملة. الصيانة التنبؤية باستخدام نماذج تعلم الآلة تعتمد على قراءات الاهتزاز، الحرارة، الضغط، وتاريخ الأعطال لتقدير:
- العمر المتبقي للمعدة (RUL)
- احتمالية الفشل خلال فترة محددة
- أفضل وقت للصيانة بما يقلل التوقف
بالنسبة لعُمان—حيث الاعتمادية التشغيلية وتقليل التوقف غير المخطط أولوية—هذه من أسرع حالات الاستخدام عائدًا.
3) تحسين السلامة: من تقارير بعد الحادث إلى إنذارات قبل الحادث
السلامة في المشاريع البحرية ليست ملفات وسياسات فقط. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- تحليل نصوص بلاغات “شبه الحوادث” لاكتشاف الأنماط المتكررة
- رؤية حاسوبية لمراقبة الالتزام بمعدات الوقاية في مناطق محددة
- نماذج مخاطر ديناميكية تربط الطقس، ازدحام الأعمال، ونوع المهمة بمستوى المخاطر
هذه الأدوات لا تلغي دور فرق HSE، لكنها تجعلهم يعملون على أولويات أدق بدل “الانشغال بالتقارير”.
4) التوأم الرقمي (Digital Twin) لإدارة الإنتاج
عندما يبدأ الحقل بالإنتاج، تتغير اللعبة: يصبح المطلوب هو تحقيق إنتاج مستقر مع أقل هدر طاقة وأقل انبعاثات وأقل تآكل. التوأم الرقمي—مدعومًا بنماذج تعلم آلي—يساعد في:
- تحسين الخنق (Choke) ومعدلات الإنتاج
- توقع مشاكل الترسبات/التآكل قبل تفاقمها
- محاكاة أثر تغييرات التشغيل على الإنتاج والضغط
جملة قابلة للاقتباس: التوأم الرقمي يجعل الحقل “يتكلم” بالأرقام بدل التخمين.
من المكسيك إلى عُمان: ما الذي يمكن تطبيقه بسرعة؟
الإجابة المباشرة: عُمان تستطيع التقاط ثلاث ممارسات قابلة للتطبيق فورًا: توحيد البيانات، حوكمة القرارات، وبناء حالات استخدام محددة بعائد واضح.
مشروع زاما يذكّرنا أن المشكلة ليست نقص أدوات، بل كيف تُدار المشاريع. في سياق التحول الرقمي في قطاع النفط والغاز في عمان، أنصح عادة ببدء عملي جدًا بدل “مشروع ذكاء اصطناعي شامل”. إليك إطارًا واقعيًا من 6 خطوات يصلح لشركات المنبع والمشاريع البحرية/البرية:
- حصر أهم 10 قرارات تُؤخر المشروع (مثل اعتماد التصميم، تغيير نطاق المقاول، قبول المواد).
- ربط كل قرار ببياناته: أين توجد؟ من يملكها؟ ما جودتها؟
- إنشاء طبقة بيانات موحدة (Data Layer) ولو كانت صغيرة كبداية.
- اختيار حالتي استخدام فقط في البداية (مثل توقع التأخير + صيانة تنبؤية).
- قياس العائد بمؤشرات واضحة: أيام تأخير متجنبة، ساعات توقف أقل، حوادث أقل.
- توسيع تدريجي بعد إثبات القيمة، لا قبلها.
مثال تطبيقي سريع (سيناريو قريب من الواقع)
لنفترض مشروع تطوير حقل بحري/قريب من الساحل يتضمن خطوط ربط ومعدات تحكم. بدل متابعة الجدول عبر اجتماعات طويلة، يمكن بناء لوحة متابعة ذكية تجمع:
- تقدم التصنيع والشحن
- أداء الموردين تاريخيًا
- تعارضات الأعمال في الموقع
- توقعات الطقس البحرية
ثم يعطي النظام “احتمال تأخر” لكل حزمة. إذا تجاوزت حزمة 70% احتمال تأخر، تُرفع تلقائيًا كأولوية لمدير المشروع مع خيارات تخفيف مقترحة.
هذا النوع من الأتمتة يختصر أسابيع من الجدل إلى قرار عملي خلال ساعات.
أسئلة شائعة يطرحها قادة الطاقة في عُمان (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب فقط للمشاريع العملاقة مثل زاما؟
لا. المشاريع المتوسطة تستفيد أكثر أحيانًا لأن التعقيد أقل، ويمكن إثبات العائد أسرع عبر حالات استخدام محددة.
ما أكبر خطأ عند تطبيق الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز؟
اعتباره مشروع تقنية فقط. النجاح يحتاج مالكي أعمال (Operations/Projects) يقودون المتطلبات، مع فريق بيانات يضمن الجودة والحوكمة.
ما البيانات التي يجب البدء بها؟
ابدأ بما يخدم قرارًا واضحًا: بيانات الجدولة والمشتريات، سجلات الصيانة، قراءات الحساسات الحرجة، وبلاغات السلامة. لا تنتظر “اكتمال البيانات” لأن ذلك قد لا يحدث.
ما الذي يجعل 2026 عامًا مناسبًا لتسريع التحول في عُمان؟
الإجابة المباشرة: لأن الضغط على الكفاءة والامتثال والانبعاثات يتزايد، وفي الوقت نفسه نضج أدوات الذكاء الاصطناعي جعل التجربة أسرع وأقل تكلفة من قبل.
بداية عام 2026 عادة ما تكون موسمًا قويًا لمراجعة محافظ المشاريع، وضبط الميزانيات، وتحديث خطط الأداء. إذا كان لديك برنامج رقمنة أو مركز تميز بيانات، فهذا توقيت ممتاز لتثبيت “سجل حالات استخدام” مرتبط مباشرة بمؤشرات الأعمال، لا بعدد النماذج التي تم بناؤها.
زاما يثبت أن القرارات الإدارية والهندسية الكبرى (المشغّل، FEED، قرار الاستثمار) تحتاج انضباطًا أكثر مما تحتاج شعارات تقنية. الذكاء الاصطناعي لا يعوض غياب الانضباط… لكنه يجعل الانضباط أسهل وأسرع، ويقلل تكلفة الخطأ.
إذا كنت تعمل في مشروع نفط وغاز في عُمان—بحريًا كان أو بريًا—ابدأ بسؤال واحد: أي قرار واحد لو أصبح “مبكرًا ودقيقًا” سيوفر عليك أشهرًا من التأخير؟