تحليل خبر Block 8 في لبنان لفهم كيف يدفع الذكاء الاصطناعي الاستكشاف البحري، وما الذي يمكن لقطاع النفط والغاز في عُمان تطبيقه فورًا.
الذكاء الاصطناعي في الاستكشاف البحري: من لبنان إلى عُمان
في 09/01/2026 أعلنت TotalEnergies دخولها رسميًا إلى رخصة الاستكشاف البحري Block 8 في لبنان بالشراكة مع Eni وQatarEnergy، مع خطة لتنفيذ مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد بمساحة 1,200 كم². الخبر يبدو “جيولوجيًا” بحتًا، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة تشغيلية واضحة: الاستكشاف البحري لم يعد سباق حفر فقط، بل سباق بيانات.
هذا يهمّنا في عُمان أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى. لأن ما يحدث في شرق المتوسط يعكس اتجاهًا عالميًا: الشركات التي تريد تقليل المخاطر، ورفع دقة القرارات، وتحسين السلامة، تتجه بقوة إلى الذكاء الاصطناعي (AI) وأدوات التحول الرقمي—خصوصًا في العمليات البحرية حيث تكلفة الخطأ مرتفعة، والوقت حساس، والبيئة التشغيلية معقدة.
أنا مقتنع أن الدرس الأهم من خبر Block 8 ليس “من دخل الشراكة؟”، بل: كيف ستُدار هذه البيانات؟ ومن سيحوّلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ؟ هنا يدخل الذكاء الاصطناعي كعامل حاسم، ليس كشعار، بل كمنظومة عمل.
ماذا يقول لنا خبر Block 8 عن مستقبل الاستكشاف البحري؟
الجواب المباشر: الخبر يوضح أن المرحلة التالية من الاستكشاف البحري ستُبنى على تكثيف جمع البيانات (مثل المسح الزلزالي 3D) ثم تحليلها بسرعة وبدقة أعلى قبل اتخاذ قرار الحفر.
وفق الخبر، سيقوم التحالف بمسح زلزالي ثلاثي الأبعاد لمساحة 1,200 كم² لتقييم إمكانات البلوك. هذه الخطوة وحدها تنتج كميات ضخمة من البيانات الجيوفيزيائية. في المشاريع البحرية الحديثة، التحدي لا يكون في “الحصول” على البيانات فحسب، بل في:
- تنظيف البيانات وضبط جودتها (QA/QC)
- تسريع تفسير السيزمك بدل دورات تفسير طويلة
- تقليل عدم اليقين في نمذجة المكامن
- ربط نتائج التفسير بقرارات اقتصادية وتشغيلية
والواقع أن تعليق الرئيس التنفيذي لـ TotalEnergies حول استمرار الالتزام رغم عدم نجاح بئر قانا في Block 9 يلمّح إلى نقطة تشغيلية حساسة: عندما تكون النتائج غير إيجابية، يصبح المطلوب هو تقليل تكلفة التعلّم. الذكاء الاصطناعي لا “يخلق” اكتشافًا، لكنه يقلل زمن الوصول إلى قرار جيد، ويمنع تكرار نفس الأخطاء التحليلية.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي تحديدًا في الاستكشاف البحري؟
الجواب المباشر: يدخل الذكاء الاصطناعي في ثلاث نقاط: تفسير السيزمك، إدارة المخاطر قبل الحفر، ومراقبة العمليات أثناء التنفيذ.
1) تفسير المسح الزلزالي 3D بسرعة أعلى
في المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، غالبًا ما تُستهلك أشهر في تفسير الطبقات، الصدوع، ومؤشرات الموائع. تقنيات التعلم العميق يمكن أن تساعد في:
- تصنيف الواجهات الرسوبية (Facies classification) آليًا
- اكتشاف الصدوع بصورة أسرع عبر نماذج رؤية حاسوبية
- تمييز الأنماط التي ترتبط بمصائد هيدروكربونية محتملة
الجملة التي تلخّص الفكرة: السيزمك لم يعد صورة تُقرأ، بل بيانات تُستخرج منها احتمالات.
2) نماذج احتمالية لتقليل مخاطر قرار الحفر
قرار حفر بئر بحري قد يكلف عشرات الملايين من الدولارات. لذلك، أصبحت الشركات تعتمد أكثر على نماذج تجمع بين:
- بيانات سيزمك 3D
- آبار قريبة (إن وجدت)
- بيانات جيوكيمياء/جيوميكانيكا
- سيناريوهات اقتصادية (سعر، وقت، معدات)
ثم تُخرج ما يشبه “لوحة قيادة للمخاطر”: أين احتمالية النجاح أعلى؟ ما حجم عدم اليقين؟ ما حساسية القرار لأي متغير؟
الذكاء الاصطناعي هنا لا يقدّم “يقينًا”، لكنه يقدّم انضباطًا في التعامل مع عدم اليقين.
3) السلامة والموثوقية أثناء التشغيل البحري
العمليات البحرية حساسة للطقس، الأعطال، وتتابع الأعمال بين السفن والمعدات. تطبيقات AI الشائعة تشمل:
- الصيانة التنبؤية لمعدات الرفع والضخ والمولدات
- تحليل إشارات الحساسات لرصد الشذوذ قبل وقوع عطل
- تحسين الجداول وتقليل زمن التوقف غير المخطط
وهذه نقطة مهمّة للقيادة التنفيذية: كثير من عوائد AI لا تأتي من “اكتشاف أكبر”، بل من توقف أقل وحوادث أقل وقرارات أسرع.
من Block 8 إلى عُمان: لماذا هذا الدرس عملي لقطاع النفط والغاز العُماني؟
الجواب المباشر: لأن نفس منطق الاستكشاف البحري—بيانات كثيرة + مخاطرة عالية + قرارات مكلفة—ينطبق على مشاريع الطاقة في عُمان، سواء بحرية أو برية، في الاستكشاف والإنتاج والصيانة.
عُمان تسير في مسار واضح نحو رفع الكفاءة التشغيلية وتطوير القدرات الرقمية ضمن قطاع الطاقة. وربما الفارق الوحيد هو أن بعض الشركات في عُمان تبدأ من تحديات مختلفة: حقول ناضجة، تحسين استخلاص، إدارة أصول، وخفض تكلفة البرميل. لكن أدوات الذكاء الاصطناعي تخدم نفس الهدف: تحسين القرار من خلال البيانات.
أمثلة تطبيقية (منطقية ومباشرة) لكيف يمكن إسقاط درس Block 8 على السوق العُماني:
- إذا كانت الشركة تجمع بيانات زلزالية/جيولوجية: فالأولوية هي حوكمة البيانات ومنصة تفسير مدعومة بنماذج تعلم آلي.
- إذا كانت الشركة تركز على الإنتاج: فالأولوية هي نماذج التنبؤ بالإنتاج وتحسين الرفع الاصطناعي باستخدام بيانات الآبار.
- إذا كانت الشركة تركز على السلامة: فالأولوية هي رصد المخاطر اللحظي عبر الحساسات والتحليلات التنبؤية.
الخلاصة العملية: المنافسة لم تعد على امتلاك البيانات، بل على تحويلها إلى قرار تشغيلي في الوقت المناسب.
خارطة طريق واقعية لتبنّي الذكاء الاصطناعي في العمليات البحرية بعُمان
الجواب المباشر: ابدأ بحالات استخدام محددة ذات أثر مالي واضح، ثم ثبّت منصة بيانات موحدة، وبعدها وسّع النماذج تدريجيًا.
الخطوة 1: اختر 2–3 حالات استخدام “قابلة للقياس” خلال 90 يومًا
مشكلتي مع كثير من مبادرات AI أنها تبدأ بمشروع كبير ثم تتعثر. الأفضل أن تبدأ بحالات استخدام سريعة تُقاس نتائجها. مثلًا:
- الصيانة التنبؤية لمضخات/مولدات رئيسية (مؤشر نجاح: خفض الأعطال الطارئة)
- كشف الشذوذ في بيانات الحساسات البحرية (مؤشر نجاح: تقليل التوقف)
- أتمتة جزء من تفسير السيزمك (مؤشر نجاح: تقليص دورة التفسير)
الخطوة 2: جهّز “سلسلة البيانات” قبل بناء النموذج
أي نموذج AI سيتأثر بجودة البيانات. تجهيز سلسلة البيانات يعني:
- تحديد مصادر البيانات (سيزمك، حساسات، سجلات صيانة)
- توحيد التعاريف (الأصول، الأعطال، الأحداث)
- وضع قواعد جودة (قيم مفقودة، قراءات شاذة)
- صلاحيات وصول واضحة (أمن سيبراني)
جملة مختصرة تصلح كقاعدة عمل: قبل أن تسأل النموذج، تأكد أن بياناتك تجيب.
الخطوة 3: ضع AI تحت إدارة التشغيل، لا تحت “الابتكار” فقط
عندما يبقى AI في زاوية “مختبر”، يصعب تبنيه. الأفضل أن يكون ضمن تشغيل الأصول، مع:
- مالك حالة استخدام من فريق العمليات
- KPI واضح (وقت توقف، تكلفة صيانة، سلامة)
- دورة تحسين شهرية للنموذج
أسئلة شائعة يسمعها التنفيذيون في الطاقة حول AI (وإجابات صريحة)
الجواب المباشر: أغلب المخاوف صحيحة جزئيًا، لكن يمكن إدارتها بنهج عملي.
هل الذكاء الاصطناعي يضمن نجاح الاستكشاف؟
لا. AI لا يضمن وجود هيدروكربونات. لكنه يرفع جودة القرار ويقلل زمن التحليل، وهذا وحده يُترجم إلى وفورات كبيرة عندما تكون تكلفة الحفر مرتفعة.
هل نحتاج بيانات “مثالية” للبدء؟
لا. تحتاج بيانات كافية ونظيفة نسبيًا لحالة استخدام محددة. الكمال يؤخر البدء ويقتل الزخم.
ما أكبر خطأ شائع؟
اختيار حالة استخدام لا يملكها فريق العمليات، أو قياس نجاح AI بمقاييس تقنية فقط (دقة النموذج) بدل مقاييس أعمال (توقف أقل، تكلفة أقل).
ماذا نتوقع في 2026 وما بعده في الاستكشاف البحري؟
الجواب المباشر: سنرى نموًا في المسوح عالية الدقة، وتكاملًا أكبر بين الجيوفيزياء والاقتصاد والتشغيل عبر منصات رقمية، مع اعتماد أوسع على نماذج توليدية لتسريع التفسير والتوثيق.
في 2026، الضغط على شركات الطاقة مزدوج: ضبط التكاليف من جهة، ورفع المعايير البيئية والسلامة من جهة أخرى. وهذا يجعل الاستثمار في التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي منطقيًا—خصوصًا في البحر حيث كل ساعة تشغيل محسوبة.
خبر Block 8 يثبت أن الشركات مستمرة في الاستكشاف حتى بعد نتائج غير مشجعة، لكنها تفعل ذلك بأسلوب مختلف: بيانات أكثر، قرار أذكى، وخطوات محسوبة.
إذا كنت تعمل في قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان، فالسؤال العملي ليس “هل نستخدم AI؟” بل: أي قرار تشغيلي سنحسّنه أولًا؟ وأين تضيع ساعاتنا وتكاليفنا اليوم؟