الذكاء الاصطناعي يسرّع مشاريع الغاز البحرية: دروس لعُمان

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

صفقات Saipem بأكثر من 4 مليارات دولار تكشف اتجاه المشاريع البحرية. تعرّف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة وسلامة مشاريع النفط والغاز في عُمان.

ذكاء اصطناعينفط وغازمشاريع بحريةEPCIعُمانتحول رقمي
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي يسرّع مشاريع الغاز البحرية: دروس لعُمان

الذكاء الاصطناعي يسرّع مشاريع الغاز البحرية: دروس لعُمان

في آخر 10 أيام من ديسمبر، أعلنت شركة Saipem عن حزمة عقود بحرية تتجاوز 4 مليارات دولار موزعة بين قطر (3.1 مليار دولار حصّة سايبم)، والسعودية (حوالي 600 مليون دولار)، وتركيا (حوالي 425 مليون دولار). الأرقام هنا ليست خبرًا ماليًا فقط؛ هي مؤشر واضح على شيء واحد: مشاريع البنية التحتية البحرية تعود بقوة، والسباق الحقيقي صار على السرعة، والسلامة، وجودة التنفيذ.

وهنا تحديدًا يدخل الذكاء الاصطناعي. لأن مشاريع من نوع EPCI (الهندسة والمشتريات والإنشاء والتركيب) ليست “تحديًا هندسيًا” وحسب، بل هي تحدي بيانات وقرارات: آلاف القطع والموردين، جداول بحرية حساسة، مخاطر سلامة عالية، وبيئات تشغيل معقدة تحت سطح البحر.

ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”، سأتعامل مع صفقات سايبم كـ دراسة حالة: ماذا تعني موجة العقود البحرية الكبيرة؟ وكيف يمكن لعُمان—مع تركيزها على تعظيم القيمة المحلية وجذب الخبرات العالمية—أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة المشاريع وتقليل المخاطر وتوليد فرص تجارية أسرع؟

ماذا تقول صفقات Saipem عن اتجاه السوق؟

الرسالة المباشرة من هذه الصفقات هي أن الاستثمار في الغاز والبنية التحتية المصاحبة له (ضغط، خطوط أنابيب، منشآت بحرية، وربط حقول جديدة) يتزايد لأن الطلب على الغاز—كمصدر “انتقالي” منخفض الكربون نسبيًا مقارنة بالفحم—ما زال قويًا في 2026.

صفقات سايبم تركزت على ثلاث حزم تُظهر طبيعة المشاريع التي ستقود العقد القادم:

  • قطر (NFPS – COMP5): إنشاء مجمعي ضغط بحريين، كل مجمع يضم منصة ضغط، ومنصة سكن، ومنصة شعلة، وجسور ربط. مدة المشروع حوالي 5 سنوات، وعمليات التركيب البحري متوقعة في 2029 و2030. وزن كل مجمع حوالي 68,000 طن—رقم ضخم يدل على تعقيد لوجستي وتشغيلي عالي.
  • السعودية: حزمتان ضمن اتفاق طويل مع أرامكو: خط أنابيب بحري بطول 34 كم بأقطار 20 و30 بوصة لأعمال في بري وأبو سفح، وأعمال تدخلات تحت سطح البحر في مرجان مع جزء بري 300 متر. مدد تنفيذ 32 شهرًا و12 شهرًا.
  • تركيا (ساكاريا/غوكتيبه – البحر الأسود): إضافة 3 خطوط أنابيب بطول إجمالي 153 كم لربط اكتشاف جديد في غوكتيبه (عمق مياه 2,200 متر وعلى بعد 80 كم) بمنشآت المرحلة الثالثة من ساكاريا. مدة العقد حوالي سنتين ونصف، مع حملة مد الأنابيب في النصف الثاني من 2027.

إذا كنت تعمل في الطاقة بعُمان—إدارة أصول، مشاريع، HSE، سلاسل إمداد، أو التحول الرقمي—فالمغزى واضح: التنافسية لن تُقاس بمن يملك أكبر سفينة فقط، بل بمن يدير التعقيد بأفضل طريقة. والذكاء الاصطناعي هو أسرع طريق عملي لذلك.

أين “يشتغل” الذكاء الاصطناعي فعلًا داخل مشاريع EPCI؟

الفكرة الأساسية: الذكاء الاصطناعي يضيف قيمة عندما يكون لديك عمليات متكررة + بيانات كثيرة + قرارات زمنية حساسة—وكلها موجودة في مشاريع البحر.

1) تخطيط التنفيذ والجدولة: من جداول جامدة إلى قرارات ديناميكية

في المشاريع البحرية، تأخير يوم واحد قد يعني خسائر كبيرة (سفن، أطقم، نافذة طقس، وتداخل مقاوليْن). الذكاء الاصطناعي—خصوصًا نماذج التنبؤ والتحسين (Optimization)—يمكنه:

  • التنبؤ بفرص التأخير بناءً على تاريخ الموردين، توفر المواد، وقيود الشحن.
  • اقتراح سيناريوهات جدولة بديلة عند تغيّر الطقس أو تأخر قطعة حاسمة.
  • تحسين استخدام السفن (مثل سفن مد الأنابيب) من خلال تقليل وقت الانتظار وتبديل الحملات بذكاء.

جملة قابلة للاقتباس: “في البحر، خطة المشروع ليست وثيقة؛ هي نظام حي يتغير كل أسبوع—والذكاء الاصطناعي يحول التغيير من فوضى إلى قرار محسوب.”

2) سلامة خطوط الأنابيب تحت سطح البحر: ذكاء اصطناعي يقلل المخاطر قبل وقوعها

مشاريع مثل ربط غوكتيبه بسـاكاريا (عمق 2,200م) تُظهر ما يعنيه العمل في بيئات قاسية. الذكاء الاصطناعي يساعد في:

  • تحليل بيانات ROV (مركبات التشغيل عن بعد) وقراءات الحساسات لاكتشاف مؤشرات مبكرة لمشاكل مثل الإجهاد، الانبعاج، أو مخاطر الانزلاق القاعي.
  • نمذجة المخاطر الجيوتقنية ومسارات الأنابيب لتقليل مناطق الخطر.
  • أتمتة فحوصات الجودة (صور/فيديو/أمواج فوق صوتية) للكشف المبكر عن عيوب اللحام والطلاء.

لعُمان، هذا النوع من التطبيقات مهم لأنه يرفع مستوى السلامة والأصول ويقلل احتمالات الأعطال المكلفة—ومعها السمعة التشغيلية.

3) المشتريات وسلاسل الإمداد: تقليل “مفاجآت الموردين”

في EPCI، كثير من المشاكل تبدأ من المشتريات: تأخر توريد، اختلاف مواصفات، أو تقلبات أسعار الشحن. الذكاء الاصطناعي يُستخدم عمليًا في:

  • تقييم المخاطر لكل مورد (التزام، جودة، تأخيرات متكررة) عبر نماذج تصنيف.
  • التنبؤ بالاختناقات اللوجستية وربطها بخطة التنفيذ.
  • كشف الشذوذ في الفواتير والمطالبات (claims) ومراجعتها أسرع.

هذا المجال بالذات مناسب لعُمان لأن القيمة هنا سريعة الظهور: خفض التكاليف غير المباشرة ورفع دقة التنبؤات، بدون تغيير جذري في العمليات.

الشراكات الدولية: ماذا يمكن لعُمان أن تتعلمه من نموذج Saipem؟

صفقات سايبم تُظهر أن كبار المشغلين (QatarEnergy LNG، أرامكو، Turkish Petroleum) لا يشترون “مقاولًا” فقط؛ يشترون قدرة تنفيذ مركّبة: سفن، ساحات تصنيع (مثل ساحة الدمام)، إدارة مخاطر، وأنظمة جودة.

في عُمان، الاستفادة الأكبر تكون عندما تتحول الشراكة إلى نقل معرفة وبيانات، وليس فقط تسليم مشروع. رأيي: أي عقد كبير في 2026 وما بعدها يجب أن يطلب—ضمنيًا أو صريحًا—ثلاثة مخرجات رقمية:

  1. توحيد البيانات (Data Standardization): نماذج موحدة للأصول، ترقيم معدات، وقواميس بيانات مشتركة.
  2. توثيق رقمي قابل لإعادة الاستخدام: الدروس المستفادة، إجراءات العمل، وتقارير التفتيش بصيغ قابلة للتحليل.
  3. تشغيل تجريبي لحالات استخدام AI داخل المشروع: حتى لو كانت محدودة (مثلاً: تنبؤ التأخير، أو تفتيش بصري آلي).

هذه هي الطريقة التي تتحول بها الشراكات إلى رافعة استراتيجية لعُمان، بدل أن تكون مجرد “تنفيذ خارجي”.

خريطة تطبيق عملية لعُمان: 90 يومًا تبدأ نتائجها بسرعة

كثير من المؤسسات تؤجل الذكاء الاصطناعي لأنه يبدو “مشروعًا كبيرًا”. الواقع أبسط إذا بدأنا من نقاط ألم واضحة. لو كنت مسؤولًا عن التحول الرقمي في شركة طاقة أو مقاول مشاريع بعُمان، فهذه خطة 90 يومًا قابلة للتنفيذ:

المرحلة 1 (أسبوع 1–3): اختيار حالة استخدام واحدة “مرئية”

اختَر مشكلة يشعر بها الناس يوميًا، مثل:

  • توقع تأخر المواد الحرجة (Critical Items)
  • مراقبة سلامة الموقع عبر كاميرات + تنبيهات
  • تلخيص المطالبات والعقود وإبراز المخاطر

المرحلة 2 (أسبوع 4–7): تجهيز بيانات كافية بدل “بيانات مثالية”

  • اجمع 12–24 شهرًا من بيانات المشروع أو المشتريات.
  • نظّف حقولًا أساسية فقط: التواريخ، المورد، نوع المادة، الحالة، سبب التأخير.
  • ضع تعريفًا واضحًا للنجاح: مثل خفض التأخير المتوقع بنسبة 10% خلال ربع واحد.

المرحلة 3 (أسبوع 8–12): نموذج أولي + تشغيل ميداني

  • ابنِ لوحة بسيطة لفرق المشاريع (Dashboards) مع تنبيهات.
  • قِس الأداء أسبوعيًا.
  • قرر: توسيع، أو تغيير الحالة، أو إيقاف سريع.

مبدأ مهم: نجاح الذكاء الاصطناعي في الطاقة لا يعتمد على “أعقد نموذج”، بل على دمجه في قرار يومي: شراء، جدولة، تفتيش، أو سلامة.

أسئلة شائعة تهم صُنّاع القرار (إجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي مناسب فقط للمشاريع البحرية الضخمة؟

لا. المشاريع الكبيرة تُظهر القيمة بوضوح، لكن نفس الأدوات تعمل في المشاريع البرية، الصيانة، وسلاسل الإمداد. الفرق فقط في حجم البيانات والعائد.

ما أسرع تطبيق يحقق أثرًا في شركات النفط والغاز بعُمان؟

من تجربتي، التنبؤ بتأخر المواد الحرجة وأتمتة تقارير السلامة من أسرع المسارات لأنه يختصر وقتًا ويقلل مفاجآت التنفيذ.

هل نحتاج لتغيير الأنظمة الحالية بالكامل؟

غالبًا لا. كثير من حالات الاستخدام تبدأ بربط بيانات من ERP/PMIS الحاليين مع طبقة تحليل بسيطة، ثم تتوسع تدريجيًا.

ماذا يعني كل ذلك لعُمان في 2026؟

صفقات سايبم التي تجاوزت 4 مليارات دولار خلال فترة قصيرة تعني أن الغاز والبنية التحتية المصاحبة له سيظلان محورًا رئيسيًا للمنطقة. وفي نفس الوقت، تعقيد مشاريع EPCI البحرية يرفع سقف التوقعات: التزام أعلى، مخاطر أقل، وسرعة تنفيذ أكبر.

عُمان لديها فرصة واضحة: تحويل الذكاء الاصطناعي من مبادرة تقنية إلى ميزة تشغيلية. ليس عبر مشاريع ضخمة تبدأ من “الصفر”، بل عبر حالات استخدام دقيقة داخل التخطيط، السلامة، والمشتريات—ثم البناء عليها.

إذا كانت صفقات سايبم تُظهر كيف تتحرك المنطقة بمشاريع هندسية عملاقة، فالسؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحًا: هل ستنافس عُمان على حجم المشاريع فقط، أم على جودة إدارتها بالذكاء الاصطناعي من اليوم الأول؟