الذكاء الاصطناعي في مشاريع النفط البحرية: دروس لعُمان

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

عقد Saipem بقيمة 600 مليون دولار مع أرامكو يوضح لماذا صار الذكاء الاصطناعي ضروريًا في مشاريع النفط البحرية—ودروس مباشرة قابلة للتطبيق في عُمان.

الذكاء الاصطناعيالنفط والغازمشاريع بحريةEPCالصيانة التنبؤيةالسلامة الصناعيةعُمان
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي في مشاريع النفط البحرية: دروس لعُمان

الذكاء الاصطناعي في مشاريع النفط البحرية: دروس لعُمان

في 30/12/2025 عند 09:40 م، أعلنت World Oil عن فوز شركة Saipem بعقدين بحريين بنمط EPC لصالح أرامكو بقيمة تقارب 600 مليون دولار. الخبر يبدو “تقليديًا” للوهلة الأولى: أنابيب، أعمال تعديلات سطحية، وتدخلات تحت سطح البحر. لكن خلف الأرقام توجد رسالة أوضح: المشاريع البحرية الكبيرة لم تعد تُدار بعقلية الجداول اليدوية والتقديرات العامة. الحجم، المخاطر، وتعدد الأطراف تجعل أي تأخير أو خطأ هندسي مكلفًا للغاية.

وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي من الباب العريض. ليس كترف تقني، بل كأداة تشغيلية تقلّل التوقفات، ترفع السلامة، وتضبط التكاليف. والأهم بالنسبة لسلسلة مقالاتنا “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان”: ما يحدث في السعودية اليوم يعكس اتجاهًا إقليميًا يمكن لعُمان أن تستفيد منه بسرعة—خصوصًا مع تعقّد سلاسل الإمداد، وارتفاع اشتراطات السلامة، وتزايد الحاجة إلى كفاءات محلية مدعومة بالتقنية.

ماذا يخبرنا عقد الـ 600 مليون دولار عن اتجاه السوق؟

الإجابة المباشرة: عندما تُنفق شركة وطنية كبرى مئات الملايين على أعمال حقول قائمة (brownfield) وتوسعات بحرية، فهي تراهن على الاستمرارية والكفاءة، وليس فقط على زيادة الإنتاج. هذا النوع من المشاريع يعاني عادةً من ثلاث “عُقد” تشغيلية: التعقيد الهندسي، العمل ضمن أصول قائمة، وتداخل المقاولين.

وفق تفاصيل الخبر، العقدان يشملان:

  • حزمة أولى (CRPO 162) لمدة 32 شهرًا:
    • هندسة وتوريد وبناء وتركيب (EPCI) لما يقارب 34 كم من خطوط الأنابيب بأقطار 20–30 بوصة.
    • تعديلات topside عبر حقلي البري (Berri) وأبو سعفة (Abu Safah).
  • حزمة ثانية (CRPO 165) لمدة 12 شهرًا:
    • أعمال تدخلات تحت سطح البحر في حقل مرجان (Marjan).
    • تنفيذ 300 متر من ربطات أنابيب برية (tie-ins).

الدرس المهم؟ العقد ليس مجرد “تمديد أنبوب”. إنه إدارة شبكة مخاطر: نافذة طقس بحرية، سفن إنشاء، لحام وفحوصات، قيود تشغيل حقول قائمة، وتنسيق مع مرافق تصنيع محلية (مثل منشأة الدمام المذكورة في الخبر). في هذا المستوى، الذكاء الاصطناعي يصبح جزءًا من إدارة المشروع وليس مجرد “تحليلات”.

أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية في مشاريع الـEPC البحرية؟

الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يربح عندما يكون لديك “بيانات تشغيلية متدفقة” وقرارات يومية عالية الكلفة. المشاريع البحرية توفر ذلك بكثافة: حساسات، تقارير لحظية، صور/فيديو، سجلات صيانة، وبيانات لوجستية.

1) التخطيط والجدولة: من خطة ثابتة إلى خطة تتعلّم

في المشاريع البحرية، أي تأخير يوم واحد لسفينة إنشاء أو نافذة إغلاق قد يحرق ميزانية كبيرة. نماذج الذكاء الاصطناعي يمكنها دمج:

  • حالة البحر والطقس (forecasting)
  • جاهزية المعدات
  • توافر المواد
  • قيود السلامة وتصاريح العمل

ثم تخرج بجدولة “أفضل” يوميًا، بدل الاعتماد على خطة ثابتة تُحدَّث أسبوعيًا. النتيجة المتوقعة عمليًا: تقليل وقت الانتظار وإعادة العمل، ورفع دقة الوعود بين المقاول والمشغل.

2) مراقبة الجودة والفحوصات: رؤية حاسوبية بدل تقارير متأخرة

لحامات خطوط الأنابيب، الفحوصات غير الإتلافية (NDT)، والتحقق من التركيبات… كلها نقاط حساسة. باستخدام الرؤية الحاسوبية يمكن تحليل:

  • صور اللحام
  • فيديوهات أعمال التركيب
  • صور ROV تحت البحر

لاكتشاف العيوب أو الانحرافات مبكرًا. جملة واحدة تصلح كقاعدة: كل عيب يُكتشف في البحر أغلى بكثير من اكتشافه في الورشة.

3) السلامة البحرية (HSE): إنذار مبكر بدل رد فعل

المشاريع البحرية بيئات عالية المخاطر. الذكاء الاصطناعي هنا لا يعني “استبدال” فرق السلامة، بل تقويتهم عبر:

  • تحليل فيديو مواقع العمل لاكتشاف سلوكيات غير آمنة (مثل عدم ارتداء معدات الوقاية)
  • تنبيه عند اقتراب معدات من مناطق محظورة
  • نماذج تتوقع “مناطق الخطر” بناءً على أنماط الحوادث السابقة

هذا النوع من الأنظمة يصبح أكثر أهمية في 2026 مع تصاعد التدقيق على مؤشرات السلامة، وربطها مباشرةً بأداء المقاولين والتقييمات.

4) إدارة الأصول تحت البحر: الصيانة التنبؤية بدل المفاجآت

التدخلات تحت سطح البحر في حقل مرجان تعكس تحديًا معروفًا: المعدات تحت البحر مكلفة وصعبة الوصول. الذكاء الاصطناعي يدعم:

  • التنبؤ بتدهور الصمامات والوصلات
  • تحديد أولوية التدخلات بناءً على المخاطر
  • تخفيض التدخلات الطارئة عبر جدولة استباقية

والميزة الكبرى: تُقلّل “العمل التفاعلي” الذي يرفع التكلفة ويزيد المخاطر.

ماذا يعني ذلك لعُمان؟ تطبيقات عملية وليست شعارات

الإجابة المباشرة: عُمان تستطيع تبنّي الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز عبر مشاريع “صغيرة نسبيًا” لكن أثرها كبير، خصوصًا في الصيانة، السلامة، والعمليات اللوجستية—ثم التوسع تدريجيًا.

أنا أميل لنهج واضح: ابدأوا من النقاط التي تربط بين البيانات والقرار اليومي. وهذه أمثلة قابلة للتنفيذ في شركات الطاقة والنفط والغاز في عُمان:

1) مركز عمليات مدعوم بالذكاء الاصطناعي (AI Operations Center)

بدل أن تكون البيانات موزعة بين فرق التشغيل والصيانة والمشاريع، يتم جمعها في لوحة واحدة:

  • إنذارات المعدات الحرجة
  • مؤشرات السلامة
  • تقدم المشاريع وربطها بالمشتريات

ليس الهدف “لوحة جميلة”، بل تقليل زمن اتخاذ القرار عندما يحدث اضطراب.

2) رقمنة مسار EPC من التصميم إلى التسليم

مشاريع الـEPC تعاني من فجوة بين التصميم والتنفيذ. عُمان يمكنها الاستفادة عبر:

  • نماذج تتنبأ بتضخم التكلفة بناء على تغيرات نطاق العمل
  • تحليل تلقائي لمخاطر الموردين وتأخر الشحنات
  • استخدام توائم رقمية (Digital Twins) لتقليل التعارضات قبل النزول للموقع

3) سلامة القوى العاملة: تركيز على “المخاطر المتكررة”

بدل برامج توعوية عامة، اعملوا على 3–5 سلوكيات عالية التكرار تسبب الحوادث. الذكاء الاصطناعي يساعد على القياس والمتابعة بطريقة موضوعية.

“أسئلة يتكرر طرحها” حول الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بعُمان

هل الذكاء الاصطناعي مفيد فقط للمشاريع العملاقة مثل عقود أرامكو؟

لا. الفائدة الأكبر غالبًا تظهر في العمليات اليومية: الصيانة، إدارة المخزون، والسلامة. المشاريع العملاقة تُظهر الفكرة بوضوح لأنها مكلفة ومعقدة.

ما أول بيانات نحتاجها للبدء؟

ابدأوا ببيانات موجودة أصلًا:

  • سجلات الأعطال وقطع الغيار
  • قراءات حساسات المعدات الحرجة
  • تقارير السلامة والصور/الفيديو في المواقع

ثم نظّموا البيانات قبل التفكير في نماذج متقدمة.

هل هذا يعني تقليل الوظائف؟

في تجربتي مع التحولات الرقمية، الذي يحدث غالبًا هو تغيير طبيعة العمل: أقل أعمال يدوية وروتينية، وأكثر أعمال تحليل ومتابعة وتخطيط. النجاح يتطلب خطة مهارات واضحة.

خطة تنفيذ مختصرة: كيف تبدأ شركة عُمانية خلال 90 يومًا؟

الإجابة المباشرة: ابدأ بمشروع واحد يُقاس أثره ماليًا وتشغيليًا، وركّز على جودة البيانات وتبنّي الفريق.

  1. اختيار حالة استخدام واحدة: مثل الصيانة التنبؤية لمضخات حرجة أو مراقبة سلامة في موقع محدد.
  2. تحديد مؤشرات نجاح رقمية:
    • خفض التوقفات غير المخطط لها بنسبة X%
    • تقليل زمن الاستجابة للحوادث
    • تقليل إعادة العمل في الفحص والجودة
  3. تجهيز البيانات: تنظيف، توحيد، وتحديد مالكي البيانات.
  4. نموذج أولي خلال 4–6 أسابيع: لا تنتظر “النظام الكامل”.
  5. نشر محدود ثم توسع: موقع واحد، فريق واحد، ثم التوسع.

عبارة عملية: إذا لم يكن لديك “مؤشر” قبل المشروع وبعده، فلن تستطيع إثبات العائد—وبالتالي لن تحصل على ميزانية توسع.

ما الذي نتعلمه من خبر Saipem وأرامكو… قبل أن نغادر؟

الاستثمار البحري بقيمة 600 مليون دولار يوضح أن المنطقة مستمرة في تحديث الأصول وتوسيعها، وأن أعمال الـEPC تحت الضغط: وقت أقل، مخاطر أعلى، واشتراطات محلية أكبر. في هذا السياق، الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان ليس “خطوة مستقبلية”، بل خيار لتقليل الهدر وتعزيز السلامة ورفع القدرة التنافسية، خصوصًا مع توسع المشاريع وتعدد الشركاء.

إذا كنت تدير مشروعًا أو أصلًا تشغيليًا في عُمان، فكر بهذه الطريقة: أي قرار تتخذه يوميًا بناء على خبرة شخصية فقط هو فرصة لتحسينه بالبيانات. والسؤال الذي أتركه لك: ما العملية الواحدة في شركتك التي لو أصبحت “تنبؤية” بدل “تفاعلية” ستوفّر أكبر قدر من الوقت والمال هذا الربع؟