تعيين قيادي عملياتي للحفر البحري في 2026 يكشف اتجاهًا واضحًا: خبرة بشرية يقابلها تشغيل مدعوم بالذكاء الاصطناعي. كيف تستفيد شركات عمان عمليًا؟
قيادة الحفر البحري 2026: أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟
في 07/01/2026 أعلنت شركة Eco (Atlantic) Oil & Gas تعيين كيلي بيرس (Keely Pearce) نائبةً للرئيس للعمليات، بعد مسيرة طويلة في شل وأدوار تنفيذية في شركات استكشاف أخرى، بهدف تشديد الرقابة على برامج التقييم والمسح السيزمي والحفر عبر الهوامش الأطلسية قبالة غيانا وناميبيا وجنوب أفريقيا.
الخبر يبدو للوهلة الأولى “تغيير منصب”. لكن في واقع قطاع النفط والغاز اليوم، هذا النوع من التعيينات عادةً ما يعني شيئًا أكبر: الاستعداد لمرحلة تنفيذ 2026 حيث تصبح القرارات التشغيلية أسرع، والمخاطر أغلى، والبيانات أضخم من أن تُدار بعقل وخبرة بشرية فقط. الخبر هنا يصلح كنافذة نفهم منها اتجاهًا عالميًا مهمًا لعُمان: قيادة قوية + تشغيل مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
أنا أميل لقراءة هذا المشهد بهذه الطريقة: الشركات التي تدخل 2026 بعقلية “نُدير الحفر كما كنا نديره قبل خمس سنوات” ستدفع ثمنًا في الوقت والكلفة والسلامة. بينما الشركات التي تُعيد تعريف التشغيل على أنه نظام قرار يعتمد على البيانات—تقترب من نتائج أفضل في الحفر البحري، وهي بيئة لا ترحم الأخطاء.
لماذا يُعد تعيين قيادي عملياتي “إشارة تقنية”؟
الجواب المباشر: لأن الحفر البحري الحديث لم يعد مسألة معدات فقط، بل مسألة تنسيق بيانات وقرارات عبر أطراف متعددة—وهذا يتطابق تمامًا مع نقاط قوة الذكاء الاصطناعي.
تعيين بيرس جاء لتعزيز الإشراف على برامج متعددة (تقييم/سيزمية/حفر) وفي مناطق تنظيمية مختلفة. هذا النوع من التحديات يخلق احتياجًا إلى:
- حوكمة بيانات موحّدة (من المسح السيزمي إلى الحفر إلى الإكمال)
- انضباط في التخطيط الرأسمالي (CAPEX) وجدولة الحملات
- إدارة مخاطر تتعامل مع آلاف المتغيرات اليومية
هنا تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي ليس كبديل للخبرة، بل كـمُضاعِف لها. القائد التشغيلي الخبير يستطيع أن يطرح السؤال الصحيح ويضع حدود القرار، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختبر سيناريوهات أكثر، أسرع، وبأقل تحيز.
ما الذي يختلف في 2026 تحديدًا؟
الجواب المباشر: 2026 هو عام “ضغط التنفيذ” لكثير من برامج الحفر البحرية عالميًا، حيث تتلاقى ثلاثة عوامل:
- تسارع تبنّي الأتمتة والتحليلات في سلاسل الإمداد والحفر
- توقعات أعلى من الجهات التنظيمية بشأن السلامة والانبعاثات والتقارير
- منافسة على الأصول والخدمات (حفارات/مقاولين/معدات) تجعل أي تأخير مكلفًا
لذلك يصبح وجود قيادة عملياتية قوية—تفهم اللوجستيات والحفر والبيئات التنظيمية—شرطًا لنجاح أي مشروع يريد أيضًا أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي بدل أن “يغرق في البيانات”.
أين يُستخدم الذكاء الاصطناعي عمليًا في الحفر البحري؟
الجواب المباشر: في خمس نقاط تشغيلية واضحة: التفسير السيزمي، تصميم الآبار، تقليل زمن الحفر، الصيانة التنبؤية، والسلامة.
1) السيزمية: من خرائط جميلة إلى قرارات قابلة للتنفيذ
النص الأصلي أشار إلى المسح السيزمي ونماذج سيزمية. الذكاء الاصطناعي هنا يختصر أسابيع من العمل عبر:
- تصنيف الطبقات والتراكيب الجيولوجية بسرعة أعلى
- كشف أنماط دقيقة في الضجيج (noise) قد تخفي مؤشرات مكامن
- تحسين ربط السيزمية ببيانات الآبار (Seismic-to-Well Tie)
في سياق عُمان، هذه النقطة تهم لأن جزءًا من النجاح التشغيلي يبدأ قبل الحفر بوقت طويل: قرار أين نحفر، وكيف نصمم البئر. أي تحسن في جودة التفسير يعني تقليل “حفر الآبار غير المثلى” أو تقليل مفاجآت ضغط/سوائل.
2) تصميم البئر وإدارة مخاطر الضغط
الذكاء الاصطناعي لا “يخمن” الضغط، لكنه يساعد في بناء نماذج احتمالية (Probabilistic) تُظهر نطاقات المخاطر بدل رقم واحد. النتيجة العملية:
- تحديد نافذة طين الحفر (Mud Window) بشكل أدق
- تقليل احتمالات الـKick أو فقدان الدوران
- تحسين قرارات
casingوBOPوخطة الاستجابة
المغزى: القائد التشغيلي يريد قرارات قابلة للدفاع أمام فريقه وأمام الجهات التنظيمية. النماذج المدعومة بالبيانات تساعده أن يقول: “هذا القرار مبني على سيناريوهات واحتمالات، لا على الحدس”.
3) تقليل زمن الحفر (NPT) عبر التحليلات في الزمن الحقيقي
أغلى كلمة في الحفر البحري هي التوقف غير المخطط (NPT). الذكاء الاصطناعي يقرأ تيارات بيانات من أجهزة الحفر (WITSML/SCADA عادةً) ليرصد مؤشرات مبكرة لمشكلات مثل:
- الاهتزازات المفرطة (Stick-slip)
- بدايات عطل في مضخات الطين
- سلوك غير طبيعي في عزم الدوران أو الوزن على الدقاق
النتيجة ليست “أتمتة كاملة”، بل تنبيه مبكر + توصية. وهذا يختصر ساعات ثم أيام—وهنا تتحول وفورات الوقت إلى أرقام كبيرة مباشرة على الميزانية.
4) الصيانة التنبؤية لسلسلة معدات معقدة
الحفر البحري يعتمد على معدات عالية الحساسية ومقاولين متعددين. استخدام الذكاء الاصطناعي في الصيانة التنبؤية يعني:
- توقع فشل مكونات حرجة قبل حدوثه
- جدولة الصيانة في نافذة أقل تأثيرًا على الخطة
- تقليل طلبات الشحن السريع المكلفة (expedite)
بالنسبة لشركات الطاقة في عُمان، هذا المفهوم قابل للنقل حتى خارج البحر: منشآت المعالجة، الضواغط، المضخات، شبكات الأنابيب. نفس المنطق: بيانات حساسات + نماذج تنبؤ = وقت تشغيل أعلى.
5) السلامة: من التزام ورقي إلى أنظمة إنذار ذكية
أقوى استخدام عملي اليوم هو تحليل:
- تقارير الحوادث القريبة (Near Miss)
- ملاحظات السلامة اليومية
- الفيديو (عند توفره) لرصد سلوكيات خطرة في مناطق محددة
هذا لا يلغي ثقافة السلامة؛ بالعكس، يجعلها أقل اعتمادًا على “الذاكرة” وأكثر اعتمادًا على إشارات قابلة للقياس.
جملة أكررها كثيرًا: الذكاء الاصطناعي لا يصنع ثقافة سلامة، لكنه يكشف أين تتآكل قبل أن نلاحظ.
ما الذي تستفيده عُمان من خبر عالمي مثل هذا؟
الجواب المباشر: الاستفادة ليست في تقليد شركة بعينها، بل في تبنّي نفس المعادلة: قيادة عمليات + منصة بيانات + حالات استخدام واضحة.
خبر Eco Atlantic يتحدث عن بيئات بحرية ناشئة نسبيًا (Guyana/Namibia/South Africa) مع برامج تقييم وتحديد مكامن وربط بالبنية التحتية (tie-backs). عُمان بدورها تتحرك بين الاستفادة من أصول قائمة، وتحسين الكفاءة، وزيادة الاعتمادية، وتقليل الانبعاثات في التشغيل. والذكاء الاصطناعي يخدم هذه الأهداف عندما يكون مرتبطًا بنتائج تشغيلية محددة.
ثلاث فرص “سريعة العائد” للشركات في عُمان
- مركز قرار تشغيلي (Operations Command Center) يدمج الإنتاج والصيانة واللوجستيات، مع تنبيهات ذكية بدل لوحات مراقبة صامتة.
- تحسين تخطيط الحفارات والطاقم عبر نماذج توقع التأخير (الطقس/الإمداد/الصيانة/التصاريح)، خصوصًا في المشاريع التي تتطلب تنسيق مقاولين.
- تحليلات الطاقة والانبعاثات: ربط استهلاك الوقود والطاقة بمعدلات التشغيل لاستخراج فرص تقليل الانبعاثات دون تعطيل الإنتاج.
كيف يقود القائد التشغيلي تبنّي الذكاء الاصطناعي بدون فوضى؟
الجواب المباشر: عبر قواعد بسيطة: ابدأ بالمؤشرات، ثم البيانات، ثم النموذج، ثم الحوكمة.
أكثر خطأ أراه هو البدء بشراء “حل ذكاء اصطناعي” قبل تحديد مؤشر الأداء الذي تريد تحسينه. لو كنت مسؤولًا في شركة طاقة بعُمان وتريد نهجًا عمليًا خلال 90 يومًا، هذا ما يصلح:
خطة 90 يومًا (واقعية وليست مثالية)
- حدد هدفًا واحدًا قابلًا للقياس
- مثال: خفض NPT بنسبة 10% في حملة حفر محددة، أو تقليل أعطال مضخات حيوية بنسبة 20%.
- اجمع البيانات الضرورية فقط
- سجلات الأعطال، قراءات الحساسات، أو بيانات الحفر في الزمن الحقيقي.
- ابنِ نموذجًا تجريبيًا (PoC) بحدود واضحة
- لا وعد بـ“التحكم الكامل”، بل تنبيه مبكر + توصيات.
- ضع حوكمة قرار
- من يوافق على التوصية؟ متى تتحول إلى إجراء؟ كيف نوثق القرار؟
سؤال يتكرر: هل الذكاء الاصطناعي يقلل الاعتماد على الخبراء؟
الجواب المباشر: لا، بل يعيد توزيع وقت الخبراء من “متابعة شاشات” إلى “اتخاذ قرارات ذات معنى”. الخبرة البشرية مطلوبة أكثر عندما تكون النتائج كبيرة.
ولهذا فإن تعيين قيادي بخبرة ثلاثين عامًا مثل بيرس ينسجم مع الاتجاه: القيادة الخبيرة هي التي تجعل الذكاء الاصطناعي مفيدًا، لا مجرد مشروع تقني.
ماذا يعني ذلك لمسار 2026 في قطاع الطاقة بعُمان؟
إذا أردنا ربط الخبر بسلسلتنا “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”، فالدروس العملية واضحة:
- التحول الحقيقي يبدأ من التشغيل، لا من العروض التسويقية.
- البيانات ليست هدفًا؛ الهدف هو قرار أفضل في وقت أقصر.
- أي مشروع ذكاء اصطناعي بلا مالك تشغيلي (Operations Owner) سيتحول إلى لوحة متابعة جميلة ثم يموت.
خلال 2026، ستزداد قيمة الشركات التي تبني قدرة داخلية: فريق بيانات يفهم التشغيل، وتشغيل يفهم البيانات. هذه هي المنطقة التي يتفوق فيها المنافسون.
الخطوة التالية التي أنصح بها—سواء كنت في شركة تشغيلية، أو مزود خدمات، أو جهة حكومية تشرف على القطاع—هي اختيار حالة استخدام واحدة مرتبطة بالسلامة أو الاعتمادية، ثم قياس أثرها بدقة خلال ربع سنة. بعدها فقط تتوسع.
ما أكثر قرار تشغيلي تتمنى لو كان لديك له “تنبيه مبكر” بدل أن تكتشف المشكلة بعد فوات الأوان؟