نموذج ArabFake من جامعة السلطان قابوس يثبت نضج الذكاء الاصطناعي العربي. تعرّف كيف تُنقل نفس الفكرة إلى النفط والغاز لتحسين الكفاءة والسلامة.

الذكاء الاصطناعي في عُمان: من كشف الأخبار المضللة إلى رفع كفاءة النفط والغاز
في 30/12/2025 نشرت مسقط ديلي خبراً يحمل دلالة أكبر من عنوانه: فريق بحثي في جامعة السلطان قابوس طوّر نموذج تعلّم عميق باسم ArabFake لكشف الأخبار المضللة باللغة العربية بدقة 94.12%، مع تصنيف نوع المحتوى بدقة 84.92% وتقدير مستوى المخاطر بدقة 88.91%. هذه الأرقام ليست “إنجازاً إعلامياً” فقط؛ هي مؤشر على أن عُمان تبني قدرات حقيقية في الذكاء الاصطناعي يمكن نقلها إلى قطاعات تُحرّك الاقتصاد… وعلى رأسها الطاقة والنفط والغاز.
Most companies get this wrong: يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كمنتج جاهز، بينما قيمته الفعلية تأتي عندما يُبنى كنظام قرار يعتمد على بيانات موثوقة، وتصنيفات واضحة، وقياس للمخاطر. وهذا بالضبط ما فعله ArabFake: لم يكتفِ بـ“صح/خطأ”، بل أضاف طبقتين مهمتين—تصنيف المحتوى وتقييم المخاطر—وهذه طريقة تفكير يحتاجها قطاع الطاقة بقدر حاجة الإعلام لها.
في هذه المقالة ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان» سنأخذ نموذج ArabFake كنقطة انطلاق لفكرة أكبر: كيف يمكن لتقنيات كشف التضليل أن تصبح نموذجاً عملياً لضمان نزاهة البيانات، تسريع اتخاذ القرار، وتحسين السلامة والتشغيل في شركات النفط والغاز؟
ماذا يخبرنا نموذج ArabFake عن نضج الذكاء الاصطناعي في عُمان؟
الرسالة الأولى واضحة: عندما يُدرَّب نموذج على بيانات عربية حقيقية ويُختبر على نطاق واسع، يمكنه تقديم نتائج عالية الدقة في بيئة معقدة لغوياً. ArabFake بُني فوق MARBERTv2 المصمم للتعامل مع لهجات عربية متعددة، لأن المحتوى “الواقعي” على الإنترنت لا يلتزم بالفصحى وحدها.
وهنا نقطة مهمة لقطاع النفط والغاز: البيانات التشغيلية ليست “نظيفة” دائماً. لديك خليط من:
- قراءات حساسات (Sensors) متغيرة الجودة
- تقارير فرق ميدانية بصيغ مختلفة
- ملاحظات الصيانة المكتوبة يدويًا
- سجلات حوادث وسلامة بتباين كبير في الدقة
نجاح ArabFake في التعامل مع تعقيد اللغة العربية يرسل إشارة بأن المنهجية—لا المجال—هي ما يصنع الفارق: إطار عمل قادر على فهم التباين، التقاط الأنماط الدقيقة، وتقديم قرار مصنّف مع مستوى مخاطر.
عبارة تستحق الاقتباس: الذكاء الاصطناعي الذي ينجح في “قياس مصداقية الكلام” يستطيع أيضاً قياس “مصداقية البيانات التشغيلية” عندما يُصمَّم بالطريقة الصحيحة.
أرقام ArabFake التي تستحق التوقف عندها
وفق الخبر المنشور، تم تدريب النموذج على 2,495 مادة إخبارية “مُتحقق منها” وموسومة من مختصين، ثم اختُبر على مجموعتي بيانات عربيتين كبيرتين (قرب 200,000 مقال) تشمل محتوى حقيقياً ومفبركاً. الأرقام النهائية:
- 94.12% دقة في كشف الأخبار الكاذبة
- 84.92% دقة في تصنيف نوع المحتوى
- 88.91% دقة في تقييم مستوى المخاطر
والأهم من ذلك—نتيجة التحليل نفسها:
- المحتوى المفبرك شكّل 60.4% من المحتوى الذي تم تحليله
- الأخبار الاقتصادية المضللة كانت 22.4%
- قرابة ثلثي الأخبار الكاذبة صُنفت “عالية المخاطر”
حتى لو لم تكن تعمل في الإعلام، هذه الأرقام تذكّرنا بأن التضليل حول الاقتصاد والطاقة يمكن أن يتضاعف بسرعة، وأن أي مؤسسة تحتاج أدوات لتقييم مصداقية ما يصلها من معلومات—سواء من منصات عامة أو من تقارير داخلية.
من كشف الأخبار المضللة إلى “نزاهة البيانات” في الطاقة: نفس المشكلة بأسماء مختلفة
الفكرة الأساسية التي يجعلها ArabFake عملية هي: لا يكفي اكتشاف الخطأ؛ يجب فهم نوعه وخطورته. في النفط والغاز، هذا يشبه تماماً التمييز بين:
- قراءة حساس خاطئة بسبب معايرة سيئة (نوع الخطأ)
- قراءة صحيحة لكنها تدل على مشكلة خطيرة مثل تسرّب أو ارتفاع حرارة (مستوى المخاطر)
إذا أخذنا “الهيكل الثلاثي” في ArabFake (كشف + تصنيف + مخاطر)، سنجد أنه يترجم مباشرة إلى حالات استخدام في الطاقة:
1) كشف الشذوذ (Anomaly Detection) في العمليات
بدلاً من “خبر مزيف”، لدينا “قراءة خارج النمط”. النموذج يتعلم نمط التشغيل الطبيعي ثم يكتشف الانحرافات.
2) تصنيف سبب الانحراف
هل السبب:
- تآكل في مضخة؟
- خلل في صمام؟
- مشكلة في جودة الوقود؟
- خطأ إدخال بشري؟
3) تقدير المخاطر وترتيب الأولويات
ليس كل انحراف يستحق إيقاف خط إنتاج. نظام جيد يُخرج قراراً مثل:
- مخاطرة منخفضة: راقب فقط
- مخاطرة متوسطة: جدولة صيانة خلال 24–72 ساعة
- مخاطرة عالية: تدخل فوري وإجراءات سلامة
هذه بالضبط عقلية ArabFake: قرار متعدد الطبقات يُسهّل الاستجابة السريعة.
كيف يستفيد قطاع النفط والغاز في عُمان من الدروس التقنية لـ ArabFake؟
التحول في قطاع الطاقة لا يعتمد على “شراء ذكاء اصطناعي”، بل على بناء منظومة: بيانات + نماذج + حوكمة + تشغيل. ومن خبر ArabFake يمكن استخراج ثلاث دروس عملية.
الدرس 1: البيانات الموثوقة أهم من حجم البيانات
ArabFake بدأ بمجموعة بيانات “مُتحقق منها” (2,495 مادة موسومة من مختصين). هذا يساوي في الطاقة:
- سجلات صيانة مُراجعة ومقارنة بنتائج الفحص الفعلي
- بيانات حساسات تمت معايرتها وربطها بسجل الأعطال
- تقارير حوادث سلامة مُقننة ومصنّفة
إذا كانت بياناتك غير موثوقة، سيصبح الذكاء الاصطناعي مجرد “مُضخم للخطأ”.
الدرس 2: النماذج متعددة المهام تعطي قيمة تشغيلية أعلى
ArabFake لا يقوم بمهمة واحدة. وهذا مناسب جداً للطاقة، لأن فرق التشغيل لا تريد 5 لوحات تحكم منفصلة. تريد نظاماً واحداً يُجيب:
- ما الذي يحدث؟
- لماذا يحدث؟
- ما حجم الخطر؟
هذا يقلل زمن القرار، وهو ما ينعكس على:
- تقليل التوقفات غير المخطط لها
- تحسين كفاءة الإنتاج
- رفع السلامة في المواقع
الدرس 3: دعم اللهجات/التباين يشبه دعم تعدد المصادر
MARBERTv2 يتعامل مع لهجات متعددة. في النفط والغاز، “اللهجات” هي مصادر البيانات المتعددة:
- SCADA/IoT
- ERP وCMMS
- تقارير المقاولين
- سجلات الجودة
النموذج الناجح لا يفترض تجانس البيانات. يتوقع الاختلاف ويُصمّم له.
أمثلة تطبيقية: 5 حالات استخدام قريبة من الواقع في عُمان
لنحوّل الفكرة إلى شيء يمكن مناقشته داخل أي شركة طاقة أو نفط وغاز في عُمان. هذه حالات استخدام عملية، كل واحدة منها تستفيد من “منطق ArabFake” (كشف + تصنيف + مخاطر):
1) الصيانة التنبؤية للمضخات والضواغط
- كشف: اهتزازات أو حرارة خارج النطاق
- تصنيف: احتمال تآكل محمل/اختلال اتزان/تلوث زيت
- مخاطر: تقدير احتمال توقف خلال 7 أيام مقابل 48 ساعة
2) مراقبة سلامة العمليات (Process Safety) في الوقت الحقيقي
- كشف: مؤشرات مبكرة لخلل ضغط أو تسرب
- تصنيف: صمام/أنبوب/ختم (Seal)
- مخاطر: تقدير شدة الحادث المحتمل وتأثيره على الأفراد والبيئة
3) تحسين استهلاك الطاقة في المصافي والمنشآت
- كشف: ارتفاع استهلاك الكهرباء أو البخار عن خط الأساس
- تصنيف: حمل زائد/إعدادات غير مثلى/تدهور كفاءة معدة
- مخاطر: أثر مالي يومي + أثر على الانبعاثات
4) “كشف التضليل” حول الأسواق والسمعة—لكن للقطاع نفسه
المعلومة الاقتصادية المضللة كانت 22.4% في تحليل ArabFake. شركات الطاقة تتأثر بالشائعات حول:
- انقطاعات الإمداد
- حوادث بيئية
- تغيّرات الأسعار
يمكن استخدام نماذج مشابهة لمراقبة المحتوى العربي، ثم ربطه بإدارة المخاطر المؤسسية بدل التعامل معه كأزمة علاقات عامة فقط.
5) جودة البيانات (Data Quality) قبل نمذجة الإنتاج
قبل بناء نموذج إنتاج أو تحسين، يمكن لنظام ذكاء اصطناعي أن يضع “درجة ثقة” لكل مصدر بيانات. النتيجة: نماذج أدق وقرارات أقل مخاطرة.
أسئلة شائعة داخل الشركات (وإجابات مباشرة)
هل يمكن تطبيق منهج ArabFake داخل شركة نفط أو غاز؟
نعم، لأن الفكرة ليست مرتبطة بالإعلام بل ببناء نموذج متعدد المهام يُخرج قراراً مع مستوى مخاطر. الفرق هو نوع البيانات وطريقة الوسم.
ما أول خطوة عملية خلال 30 يوماً؟
أقترح خطوة واحدة واقعية: اختيار حالة استخدام واحدة عالية الأثر (مثل مضخات حرجة في منشأة)، ثم بناء “مجموعة بيانات موثوقة” من 6–12 شهراً وربطها بالأعطال الفعلية. هذا يحدد إن كانت المشكلة جاهزة للذكاء الاصطناعي أم تحتاج تحسين جمع البيانات أولاً.
أين يفشل الذكاء الاصطناعي غالباً في الطاقة؟
يفشل عندما تُترك الحوكمة جانباً: لا تعريف موحد للمصطلحات، لا سياسة جودة بيانات، ولا مسؤولية واضحة عن تحديث النموذج بعد تغيّر التشغيل أو المعدات.
ماذا يعني هذا لعُمان في 01/2026؟ فرصة نقل المعرفة بين القطاعات
وجود نموذج مثل ArabFake من جامعة السلطان قابوس يرسل إشارة مهمة: البحث التطبيقي في الذكاء الاصطناعي موجود محلياً، ويمكن إعادة توجيهه إلى أولويات استراتيجية مثل الطاقة والنفط والغاز. في رأيي، الربح الأكبر ليس “امتلاك نموذج”، بل تأسيس أسلوب عمل:
- بيانات موسومة من خبراء المجال
- نماذج متعددة المهام تربط التشغيل بالمخاطر
- تشغيل في الوقت الحقيقي حيث يلزم
- أدوات تساعد الإنسان بدل أن تستبدله
إذا كانت الأخبار المضللة تُقاس بدقة 94.12%، فمن المنطقي أن نسأل السؤال التالي داخل قطاع الطاقة: هل بياناتنا التشغيلية قابلة للثقة بنفس الدرجة؟
الخطوة التالية لأي شركة طاقة في عُمان ليست مشروعاً ضخماً يبدأ بشراء منصات. الأفضل أن تبدأ بسؤال واحد: أين نخسر المال أو السلامة بسبب قرار متأخر أو معلومات غير دقيقة؟ ثم نبني نموذجاً يكتشف، يصنّف، ويقيّم المخاطر—على طريقة ArabFake ولكن ببيانات الطاقة.
سؤال أخير للمستقبل القريب: عندما تصبح “نزاهة البيانات” مؤشراً تشغيلياً مثل مؤشرات السلامة، كيف سيتغير شكل المنافسة في قطاع النفط والغاز في عُمان؟