سياسة وزارة العمل: لا تسريح للعمانيين دون موافقة. كيف يغيّر ذلك تبنّي الذكاء الاصطناعي في الطاقة والنفط والغاز مع حماية الوظائف؟

حماية وظائف العمانيين مع تبنّي الذكاء الاصطناعي بالطاقة
في 07/01/2026 خرج تصريح واضح من معالي الدكتور مهـاد بن سعيد باعوين وزير العمل: لا يحق لأي شركة إنهاء خدمات موظف عماني دون مراجعة مسبقة وموافقة من وزارة العمل. الكلام جاء تحت قبة مجلس الشورى بعد تساؤلات حول تسريحات في قطاع الاتصالات، لكنه يتجاوز هذا القطاع بكثير.
لأن الرسالة الأهم هنا ليست “من المسؤول؟” بل: كيف تدير عمان التحول الاقتصادي والتقني دون أن يدفع المواطن ثمنه؟ هذا السؤال حاضر بقوة اليوم في ملف الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في قطاع الطاقة والنفط والغاز الذي يشهد تسارعًا عالميًا في الأتمتة والتحليلات التنبؤية وإدارة الأصول بالبيانات.
وجهة نظري: كثير من الشركات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كخطة تقليل كلفة فقط. هذه مقاربة قصيرة النفس. الأفضل — والأكثر انسجامًا مع توجهات سوق العمل في عمان — هو اعتبار الذكاء الاصطناعي خطة إنتاجية + خطة توطين مهارات في نفس الوقت.
ماذا يعني “لا تسريح دون موافقة” عمليًا؟
القاعدة تعني أن التسريح ليس قرارًا إداريًا داخليًا فقط، بل قرارًا يخضع لتقييم حكومي لظروف الشركة الاقتصادية والتشغيلية. حسب ما ورد في الخبر، يجب على الشركة تقديم طلب للوزارة يتضمن تفاصيل أوضاعها قبل اتخاذ خطوة إنهاء الخدمة.
هذه النقطة تغيّر طريقة التخطيط داخل المؤسسات. بدل أن تتحرك الشركة بسرعة عند حدوث ضغط مالي أو إعادة هيكلة، تصبح مضطرة لاتباع مسار منضبط يضمن العدالة والالتزام بالقانون.
ومن زاوية التحول الرقمي: هذا النوع من الحوكمة يرسل إشارة للشركات بأن الأتمتة لا تُستخدم كغطاء لتقليص الوظائف بشكل مفاجئ أو غير مبرر، خصوصًا عندما تكون هناك بدائل مثل إعادة التأهيل، النقل الداخلي، أو تغيير الأدوار.
ما الذي قاله الوزير أيضًا ويهمنا كقطاع طاقة؟
ملف الحد الأدنى للأجور أُعيد للوزارة للمشاورات وإعادة النظر وفق ظروف الاقتصاد وآليات السوق. هذه ليست تفاصيل جانبية. في مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل الطاقة، سترتفع نسبة الوظائف ذات المهارات الأعلى، ومعها ترتفع توقعات الأجور. عندما تكون سياسة الأجور تحت المراجعة، فهذا يعني أن:
- الشركات تحتاج ربط خطط التدريب والترقية بمسارات رواتب واضحة.
- وظائف “المستقبل” يجب أن تكون مجدية للمواطن، لا مجرد عناوين.
لماذا هذه السياسة حاسمة عند إدخال الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز؟
لأن الذكاء الاصطناعي يغيّر شكل الوظائف قبل أن يغيّر عددها. في النفط والغاز تحديدًا، الأثر عادةً يكون بهذه الصيغة:
- تقل الأعمال الروتينية الميدانية والتوثيق اليدوي.
- تزيد الأعمال التي تعتمد على التحليل، المراقبة، السلامة، وإدارة المخاطر.
- تظهر أدوار جديدة: محلل بيانات عمليات، مهندس موثوقية يعتمد على النماذج، مختص سلامة رقمية، مدير “جودة بيانات” للأصول.
السياسة التي تمنع التسريح دون موافقة لا “توقف” الذكاء الاصطناعي. لكنها تجبر الشركات على القيام بالجزء الأصعب: تخطيط انتقال القوى العاملة بدل القفز مباشرة إلى تقليل الأعداد.
والواقع؟ هذا يصب في مصلحة القطاع. لأن النفط والغاز قطاع حساس: أي فقد خبرات محلية بشكل مفاجئ يرفع المخاطر التشغيلية، ويزيد الاعتماد على الخارج، ويؤخر الاستجابة للحوادث.
كيف تستخدم شركات الطاقة في عمان الذكاء الاصطناعي دون أن تخسر ثقة الموظفين؟
الإجابة المختصرة: شفافية + إعادة تصميم الوظائف + تدريب مرتبط بقرارات تشغيلية.
1) ابدأوا من “السلامة” وليس “الاستبدال”
أذكى نقطة دخول للذكاء الاصطناعي في النفط والغاز هي السلامة، لأنها هدف يتفق عليه الجميع. أمثلة عملية شائعة عالميًا ويمكن تطبيقها محليًا:
- رؤية حاسوبية لمراقبة الالتزام بمعدات الوقاية في مواقع مختارة.
- نماذج تتنبأ بـ مناطق الخطر عند أعمال الرفع أو الصيانة.
- تحليل شبه آني لبلاغات السلامة لاستخراج الأنماط المتكررة.
عندما يرى الموظف أن الذكاء الاصطناعي جاء ليقلل الحوادث ويزيد الانضباط، سيختلف موقفه تمامًا مقارنةً بنموذج “نريد تقليل العاملين”.
2) اجعلوا “الموافقة قبل التسريح” جزءًا من حوكمة مشاريع الذكاء الاصطناعي
هنا اقتراح عملي يصلح كسياسة داخلية: أي مشروع أتمتة/ذكاء اصطناعي يُصنّف حسب أثره على الوظائف:
- أثر منخفض: أدوات مساعدة لا تغيّر المهام الأساسية.
- أثر متوسط: تغيّر 20–40% من مهام الدور.
- أثر مرتفع: قد يلغي الدور أو يحوله جذريًا.
للمشاريع ذات الأثر المرتفع، تُضاف متطلبات إلزامية قبل الإطلاق:
- خطة انتقال وظيفي (Reskilling/Up skilling) مكتوبة.
- فرص نقل داخلي محددة بالأسماء/الأعداد.
- فترة تجربة وتشغيل مزدوج (Human + AI) لقياس المخاطر.
بهذه الطريقة، التزام الشركة يصبح استباقيًا، بدل أن ينتظر لحظة “القرار الصعب”.
3) أعطوا الموظفين “سببًا” لتعلم البيانات
في قطاع الطاقة، التدريب العام لا يكفي. ما يعمل فعليًا هو التدريب الذي يرتبط بقرارات يومية:
- مشرفو التشغيل يتعلمون قراءة لوحات مؤشرات مرتبطة بـ KPI حقيقية: التوقفات غير المخططة، كفاءة الطاقة، أو معدلات الأعطال.
- مهندسو الصيانة يتعلمون مبادئ الصيانة التنبؤية عبر حالات من مضخات/ضواغط فعلية.
- فرق HSE تتعلم كيف تُراجع تنبيهات النموذج وتوثّق قرارات التدخل.
هذا النوع من التدريب لا يرفع المهارة فقط، بل يحمي الوظيفة؛ لأن الموظف يصبح جزءًا من سلسلة القرار، لا مجرد “مستخدم نهائي”.
نموذج عملي: “أتمتة الصيانة” مع حماية الوظائف
أكثر سيناريو يثير قلق الموظفين هو الصيانة التنبؤية. يسمعون: “النموذج سيتنبأ بالأعطال… إذًا لن نحتاج نفس العدد.” هذا تبسيط خاطئ.
ما يحدث غالبًا في الواقع:
- يقل عدد الطلعات الطارئة، لكن يزيد العمل المخطط.
- تنتقل الفرق من “إطفاء حرائق” إلى “منع الحرائق”.
- يصبح توثيق البيانات (الحساسات، أوامر العمل، تاريخ الأعطال) عملًا أساسيًا.
بدل إلغاء الأدوار، الأفضل إعادة توزيعها:
- فني صيانة ميداني ⟵ يصبح “فني موثوقية” يربط بين قراءة الحالة وتخطيط التدخل.
- موظف جدولة ⟵ يصبح “منسق أصول” يدير أولويات الصيانة بناءً على المخاطر.
الشرط الأساسي لنجاح هذا النموذج هو بيانات نظيفة وإجراءات واضحة لتبني توصيات الذكاء الاصطناعي. وهنا تظهر وظائف جديدة بدل اختفاء وظائف قديمة.
أسئلة شائعة يطرحها قادة الموارد البشرية والطاقة (وإجابات صريحة)
هل تعني حماية الوظائف أن مشاريع الذكاء الاصطناعي ستتباطأ؟
لا. تعني أن المشاريع ستُدار بانضباط أكبر. التأخير الحقيقي يحدث عندما تُطلق أتمتة ثم تواجه رفضًا داخليًا، أو تسرب خبرات، أو مخاطر تشغيلية.
ما أفضل طريقة لقياس أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟
قِس أثره على المهام وليس العناوين. استخدم “خريطة مهام” لكل دور، وحدد ما الذي سيتغير خلال 6–12 شهرًا. أي تغيير كبير يحتاج خطة انتقال.
أين يبدأ قطاع النفط والغاز في عمان تحديدًا؟
من ثلاث نقاط سريعة العائد وقليلة الحساسية:
- تحسين استهلاك الطاقة في المرافق (Energy Optimization).
- التنبؤ بالأعطال في معدات محددة (Pilot محدود).
- أتمتة التقارير التشغيلية ومراقبة الجودة (بوجود مراجعة بشرية).
ما الذي ينبغي على الشركات فعله الآن (خلال الربع الأول 2026)؟
إذا كنت تقود مشروع ذكاء اصطناعي في الطاقة أو النفط والغاز في عمان، هذه خطوات عملية خلال 90 يومًا:
- كوّن لجنة حوكمة تضم التشغيل + الموارد البشرية + الامتثال + السلامة.
- اختر مشروعًا واحدًا “واضح القيمة” لا يهدد الوظائف مباشرة (السلامة/الكفاءة).
- أنشئ “مسار ترقية مهارات” من 3 مستويات لموظفين عمانيين: أساسيات بيانات، تطبيقات تشغيلية، قيادة قرارات.
- وثّق سياسة داخلية: أي تغيير وظيفي كبير يُدار بخطة انتقال، متسقة مع متطلبات وزارة العمل.
جملة تصلح كقاعدة عمل: الذكاء الاصطناعي الذي لا يرفع مهارات الناس، سيرفع مخاطر الشركة.
أين تتجه عمان من هنا؟
التصريح الأخير لوزارة العمل يوضح أن الاستقرار الوظيفي للمواطنين خط أحمر تنظيمي، وهذا مهم جدًا عندما تتوسع مشاريع الأتمتة. بالنسبة لسلسلة مقالاتنا “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”، هذه النقطة ليست هامشية؛ إنها جزء من القصة الكبرى: التحول الرقمي الناجح في الطاقة لا يقاس بعدد النماذج، بل بقدرة الشركات على رفع الإنتاجية مع رفع قيمة العامل العماني.
إذا كانت شركتك تخطط لمبادرات الذكاء الاصطناعي في الحقول، المصافي، محطات الطاقة، أو سلاسل الإمداد، فابدأ من سؤال واحد عملي: ما الدور الذي سنصنعه للإنسان بعد أن تقوم الآلة بالروتين؟ الإجابة هي التي تحدد إن كان التحول سيُبنى بثقة… أو بمقاومة.