ارتفاع أحجام تداول الطاقة والأسواق البيئية يفرض أدوات أذكى. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان على إدارة المخاطر والاستدامة.

الذكاء الاصطناعي وتداول الطاقة: دروس لعُمان من أرقام قياسية
في 2025، سُجّل رقم يصعب تجاهله في أسواق الطاقة: منصة Nodal Exchange تداولت 3.1 مليار ميجاواط/ساعة من عقود الكهرباء الآجلة، و749,222 عقدًا (Lots) من منتجات الأسواق البيئية (عقود وخيارات). هذه ليست مجرد أرقام “كبرت”؛ هذا دليل واضح على أن إدارة المخاطر والتسعير والسيولة أصبحت مسألة حاسمة وليست رفاهية.
وهنا تأتي الزاوية التي تهمّنا في سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان”: عندما تتضخم أحجام التداول وتتعقّد المنتجات البيئية (شهادات طاقة متجددة، بدلات كربون، شهادات خلوّ الانبعاثات…)، تصبح الأدوات الرقمية المتقدمة—وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي—الطريقة الأكثر واقعية لضبط القرارات، وتقليل المخاطر، وتحويل متطلبات الاستدامة إلى قيمة اقتصادية.
الجميل في هذا الخبر أنه يقدّم لعُمان “مرآة مستقبلية”: ما يحدث في أمريكا الشمالية اليوم، ستحتاج له أسواق الطاقة الإقليمية غدًا. والسؤال العملي ليس: هل سيأتي هذا التعقيد؟ بل: هل نستعد له بالأدوات والبيانات والحوكمة الصحيحة؟
ماذا تقول لنا الأرقام القياسية؟ السوق أسرع من أدواتنا التقليدية
الاستنتاج المباشر: ارتفاع أحجام التداول يعني ارتفاعًا موازياً في حساسية المخاطر. عندما يتداول السوق مليارات الميجاواط/ساعة، يصبح أي انحراف في التنبؤ بالأسعار أو الطلب أو توفر الوقود مكلفًا.
وفق بيانات Nodal:
- عقود الكهرباء الآجلة في 2025 بلغت 3.1 مليار MWh (زيادة 4% عن 2024).
- حجم ديسمبر وحده بلغ 235 مليون MWh (زيادة 29% عن ديسمبر 2024).
- المنصة تشير إلى امتلاك 56% من الاهتمام المفتوح (Open Interest) لعقود الكهرباء الشهرية في أمريكا الشمالية، بإجمالي 1.51 مليار MWh بنهاية 2025.
- القيمة الاسمية للاهتمام المفتوح تُقدَّر بأكثر من 166 مليار دولار (للجانبين).
هذه الأرقام تعني شيئًا واحدًا: إدارة المخاطر لم تعد تُدار بملفات إكسل وتقارير أسبوعية. تحتاج رصدًا لحظيًا، وتنبؤًا متجدّدًا، وربطًا بين بيانات التشغيل والطلب والسوق.
لماذا يهمّ ذلك لعُمان تحديدًا؟
عُمان تُوازن بين ثلاثة مسارات في وقت واحد: استدامة مالية لقطاع الطاقة، والتوسع في الطاقة النظيفة، وتعزيز تنافسية الغاز والصناعات المرتبطة به. هذا الخليط يعني أن قرارات التسعير والتعاقد والتحوط، وقرارات الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين، تحتاج إلى “عقل تشغيلي-سوقي” واحد.
الذكاء الاصطناعي هو الأقدر على دمج هذه الصورة: من حساسات المعدات في الحقول، إلى جداول الصيانة، إلى بيانات الطقس، إلى منحنيات الأسعار، وصولًا إلى التزامات الكربون.
صعود الأسواق البيئية: الاستدامة أصبحت بندًا ماليًا
الوضوح هنا مهم: الأسواق البيئية لم تعد عنوانًا دعائيًا. في خبر Nodal، نرى نموًا متواصلًا في منتجات مثل شهادات الطاقة المتجددة (REC) وبدلات الكربون.
- الاهتمام المفتوح للمنتجات البيئية وصل إلى 391,264 عقدًا بنهاية 2025 (زيادة 1% عن 2024).
- عقود وخيارات شهادات الطاقة المتجددة سجلت 465,189 عقدًا في 2025 (زيادة 11%)، مع اهتمام مفتوح 323,591 (زيادة 10%).
هذه المؤشرات تقول إن “الامتثال” و“الإفصاح” و“الكربون” أصبحت لها أسواق وسيولة وتسعير. ومع هذا التسعير، تظهر فرصتان لعُمان:
- تحويل مبادرات الاستدامة إلى أصول قابلة للقياس (Clean MWh، خفض انبعاثات…)
- إدارة تكلفة الامتثال بدلًا من استقبالها كفاتورة مفاجئة.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي في الأسواق البيئية؟
أكثر خطأ شائع: التعامل مع شهادات الطاقة المتجددة والكربون كملفات مستقلة لدى فريق الاستدامة. الأفضل هو ربطها تشغيليًا وماليًا عبر الذكاء الاصطناعي، مثل:
- نماذج تتنبأ بتوفر شهادات REC بناءً على إنتاج الأصول المتجددة، وأعطال الشبكة، وموسمية الرياح/الشمس.
- خوارزميات تحسين (Optimization) تقارن بين: شراء شهادات/بدلات، أو الاستثمار في خفض داخلي، أو مزيج بينهما.
- أنظمة كشف التلاعب أو الأخطاء في بيانات القياس والإبلاغ (MRV) عبر اكتشاف الشذوذ.
جملة قابلة للاقتباس: عندما تصبح الاستدامة قابلة للتداول، تصبح البيانات أهم من الشعارات.
الذكاء الاصطناعي ليس “للأسواق” فقط: هو طبقة تشغيلية لقطاع النفط والغاز
البعض يربط الذكاء الاصطناعي فقط بالتداول. هذا فهم ناقص. الواقع أن الذكاء الاصطناعي يربح المعركة عندما يربط بين التشغيل والمالية.
في أسواق مثل التي تعكسها أرقام Nodal، الفرق الحقيقي يأتي من تقليل “المفاجآت”:
- مفاجأة تعطل توربين/ضاغط/مضخة.
- مفاجأة هبوط إنتاج محطة شمسية بسبب غبار/سحب.
- مفاجأة ارتفاع طلب بسبب موجة برد/حر.
- مفاجأة تغير سياسات الكربون أو سعر شهادة معينة.
3 تطبيقات عملية لعُمان تربط التشغيل بالسوق
-
التنبؤ بالطلب والأحمال للشبكات والمرافق الصناعية
- دمج بيانات الطقس، العطل، التقويم، وسلوك الاستهلاك.
- الهدف: قرارات شراء الوقود وتشغيل المحطات تصبح أدق، وتقليل تكاليف الذروة.
-
الصيانة التنبؤية في النفط والغاز ومحطات الطاقة
- استخدام بيانات الاهتزاز/الحرارة/الضغط لتوقع الأعطال قبل توقف الإنتاج.
- النتيجة المالية ليست فقط تقليل التوقف؛ بل تقليل “مخاطر السعر” الناتجة عن تغيّر خطة الإنتاج.
-
إدارة المخاطر والتحوط الذكي
- نماذج تتوقع نطاقات الأسعار واحتمالاتها (Probabilistic Forecasting).
- توصيات تحوط ديناميكية تتغير مع تغيّر الإنتاج الفعلي، وليس فقط مع الخطة الشهرية.
كيف تستفيد الشركات العُمانية من درس Nodal؟ خطة من 5 خطوات
الترجمة العملية للخبر ليست “لنفتح منصة تداول”. الترجمة: لنُجهّز قطاعنا لمرحلة تتسارع فيها البيانات والأسواق وفواتير الكربون. هذه خطة قابلة للتنفيذ خلال 90–180 يومًا كبداية:
1) تحديد “قرارات عالية التكلفة” أولًا
بدل البدء بمشروع ضخم، اختر قرارًا واحدًا يكلّف كثيرًا عندما يخطئ، مثل:
- جدولة تشغيل محطة/مرفق.
- شراء الغاز/الوقود.
- خطة صيانة أصل حرج.
- شراء شهادات REC أو ترتيبات الإفصاح البيئي.
2) بناء طبقة بيانات موحدة (Data Layer)
المشكلة ليست نقص البيانات، بل تشتتها:
- SCADA وDCS
- ERP والمشتريات
- سجلات الصيانة
- بيانات السوق والأسعار
- بيانات الاستدامة وMRV
ابدأ بتجميعها في نموذج بيانات موحد مع تعريفات واضحة (ما معنى “التوفر”؟ ما معنى “الانقطاع”؟).
3) اعتماد نماذج قابلة للتفسير وليس “صندوقًا أسود”
في الطاقة والنفط والغاز، الثقة مهمة. استخدم نماذج تسمح بتفسير السبب:
- ما العوامل التي رفعت توقع الطلب؟
- لماذا رجّح النموذج تعطلًا خلال أسبوعين؟
- ما الحساسية تجاه الطقس أو الصيانة؟
4) حوكمة مخاطر النموذج (Model Risk)
نقطة كثيرون يتجاهلونها. ضع قواعد:
- من يوافق على النموذج؟
- متى يُعاد تدريبه؟
- كيف نرصد انحراف الأداء؟
- ما خطة الطوارئ إذا قدّم توصية خاطئة؟
5) ربط الذكاء الاصطناعي بمؤشرات مالية واضحة
أي مشروع دون KPI مالي سيُحاصر في “مرحلة العرض”. مؤشرات مناسبة:
- تقليل كلفة الوقود لكل MWh.
- خفض ساعات التوقف غير المخطط.
- خفض كلفة الامتثال البيئي.
- تحسين دقة التنبؤ بالطلب.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب إذا لم نكن نتداول في أسواق مشتقات مثل أمريكا؟
نعم. لأن القيمة الأولى ليست التداول، بل تحسين قرارات التشغيل والتخطيط وتقليل المخاطر. حتى دون مشتقات، لديك مخاطر سعر، ومخاطر توقف، ومخاطر امتثال.
ما أول مشروع يعطي نتيجة سريعة؟
الصيانة التنبؤية أو التنبؤ بالأحمال عادة أسرع عائدًا، لأن بياناتها متاحة والنتيجة قابلة للقياس خلال أشهر.
هل نحتاج فريق بيانات كبير؟
لا في البداية. فريق صغير مع شريك تقني جيد يكفي—لكن بشرط وجود مالك أعمال (Business Owner) واضح للمشكلة، وليس مشروعًا “للتجربة”.
ما الذي يجب أن ننتبه له في 2026؟
خبر Nodal يتزامن مع اتجاه عالمي: الطاقة أصبحت أكثر مالية، وأكثر بيئية، وأكثر رقمية. ومع دخول 2026، سنرى ضغطًا أكبر على الشركات لتقديم:
- توقعات أدق للتكلفة والانبعاثات
- خطط مرنة للتشغيل والإنتاج
- تقارير استدامة قابلة للتدقيق
إذا أخذت عُمان خطوة مبكرة في بناء قدرات الذكاء الاصطناعي—ليس كشعار، بل كمنظومة قرار—ستكسب ميزة في التكاليف، والموثوقية، والامتثال، وحتى في جذب التمويل للمشاريع النظيفة.
سؤال أخير يستحق التفكير: هل بيانات الطاقة في مؤسستك جاهزة لأن تُدار كأصل استراتيجي… أم ما زالت موزعة بين أنظمة لا تتحدث مع بعضها؟