تعطيل مزارع الرياح يكشف أن المخاطر التنظيمية قد توقف المشاريع. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي شركات الطاقة في عمان على إدارة الامتثال والتكلفة.

تعطيل مزارع الرياح: دور الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر
في 02/01/2026، دخلت شركتا أورستد (Orsted) وإكوينور (Equinor) في مواجهة قانونية مباشرة مع قرار حكومي أمريكي أوقف أعمال البناء في مشاريع رياح بحرية على الساحل الشرقي. الخبر بحد ذاته مهم، لكن الأهم هو ما يكشفه: الطاقة النظيفة ليست مسألة تقنية فقط… بل “نظام مخاطر” كامل يضم تنظيمات، عقودًا، سلاسل توريد، رأيًا عامًا، وقرارات سياسية قد تتغير بسرعة.
هذا يهمنا في عمان أكثر مما يبدو. لأن قطاع الطاقة والنفط والغاز لدينا يتحرك في اتجاهين معًا: رفع كفاءة الأصول التقليدية، والتوسع الذكي في الطاقة المتجددة والهيدروجين. وهنا تظهر فكرة محورية في سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”: الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تحسين الإنتاج أو الصيانة التنبؤية—بل صار أداة عملية لإدارة التعقيد التنظيمي والمالي والتشغيلي الذي يرافق مشاريع الطاقة الحديثة.
عبارة تصلح كقاعدة عمل: المشروع الذي لا يُدار كمخاطر متعددة الأبعاد، ينتهي كخبر عاجل.
ماذا تكشف قضية أورستد وإكوينور عن “مخاطر” الطاقة المتجددة؟
القصة باختصار: الإدارة الأمريكية أوقفت في ديسمبر تراخيص/عقود إيجار لخمسة مشاريع رياح بحرية قيد الإنشاء على الساحل الشرقي، ضمن توجه سياسي يضغط على نمو القطاع ويعيد ترتيب الأولويات المناخية. أورستد وإكوينور تقدمتا بطعون قانونية معتبرتين أن الإجراء غير قانوني، وطالبتا برفع الإيقاف إلى حين صدور حكم نهائي.
هذا ليس أول توقف. مشروع Revolution Wind (مشروع مشترك) أوقف سابقًا ثم سمح قاضٍ باستئناف العمل أثناء نظر الدعوى. ومشروع Empire Wind لإكوينور شهد أيضًا توقفًا ثم عودة للعمل بعد تغيير/تراجع في أمر الإيقاف. الأرقام هنا لافتة:
- Revolution Wind: مكتمل بنسبة 87% ومتوقع أن يبدأ تزويد المنازل بالطاقة خلال 2026 وفق الشركة.
- Empire Wind: استثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار واكتمال يتجاوز 60%.
النقطة العملية: عندما يصل مشروع إلى 60%–87% ثم يتوقف، فالأثر ليس “تأخير جدول”، بل نزيف تكلفة (تمويل، عقود، معدات، غرامات، تضخم، مخاطر سلامة، وتبعات سمعة).
نوع المخاطر هنا ليس هندسيًا… بل تنظيمي-سياسي
كثيرون يختزلون مشاريع المتجددة في التكنولوجيا (توربينات، كابلات، ربط بالشبكة). لكن ما حدث يذكّرنا أن “الترخيص” و“الشرعية التنظيمية” قد تكونان أهم من أي ابتكار هندسي.
وهذا ينسحب على المنطقة أيضًا: مشاريع الطاقة (متجددة أو نفط وغاز أو هيدروجين) تمر عبر طبقات من الموافقات، تقييمات الأثر، اشتراطات السلامة، ومواءمة الشبكات—ومع توسع القطاع، يزيد التعقيد لا يقل.
لماذا الذكاء الاصطناعي هو أداة إدارة مخاطر قبل أن يكون أداة تحسين أداء؟
الذكاء الاصطناعي في الطاقة يُقدَّم غالبًا كوسيلة لخفض التكاليف أو رفع الإنتاجية. أنا أرى الصورة أوسع: الذكاء الاصطناعي يقلل “عدم اليقين” عبر تحويل الفوضى (وثائق، مراسلات، تغيّر سياسات، مخاطر توريد) إلى إشارات قابلة للقياس والتنبؤ.
إذا اعتبرنا أن قرار الإيقاف الأمريكي مثال على “صدمة تنظيمية”، فهذه بعض الطرق الواقعية التي يدعم بها الذكاء الاصطناعي الشركات في تجنب أو تخفيف مثل هذه الصدمات:
1) ذكاء اصطناعي للإنذار المبكر من تغيّر السياسات
الفكرة بسيطة: بدل أن تفاجأ الشركة بقرار يوقف المشروع، تبني نظامًا يراقب مؤشرات مبكرة:
- مسودات قرارات، تصريحات رسمية، تقارير لجان، توجهات تصويت.
- تغير لغة الجهات التنظيمية في الخطابات (تصعيد/تهدئة).
- تزايد الشكاوى المجتمعية أو الحملات الإعلامية وتأثيرها.
تُترجم هذه البيانات إلى مؤشر مخاطر تنظيمي (Regulatory Risk Score) يتم تحديثه أسبوعيًا (وأحيانًا يوميًا). النتيجة ليست تنبؤًا “سحريًا”، بل أداة إدارة: متى نُسرّع مرحلة معينة؟ متى نُعدّل عقدًا؟ متى نُفعّل مسارًا قانونيًا احترازيًا؟
2) أتمتة الامتثال وإدارة الوثائق القانونية (LegalOps + AI)
التوقفات القانونية غالبًا تتغذى على ثغرات: وثيقة ناقصة، التزام بيئي غير موثق، تأخر في تحديث خطة السلامة. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- استخراج المتطلبات من الرخص والعقود وتحويلها إلى قائمة التزامات قابلة للتتبع.
- مطابقة الأدلة (تقارير، صور، سجلات) مع كل التزام.
- تنبيه فرق المشروع قبل أن تتحول الملاحظات إلى مخالفة رسمية.
في مشاريع الرياح البحرية تحديدًا، حجم الوثائق ضخم، وتكرار المراسلات مع جهات متعددة يجعل الخطأ واردًا. أنظمة NLP (معالجة اللغة الطبيعية) تقلل الاعتماد على المتابعة اليدوية التي تنهار تحت الضغط.
3) نمذجة “تكلفة الإيقاف” واتخاذ قرار مبني على سيناريوهات
إذا توقف المشروع شهرًا أو 3 أشهر أو 6 أشهر—ما التكلفة الكلية؟ ليست مجرد أجور معدات. تشمل:
- كلفة التمويل وارتفاع الفائدة خلال فترة التعطل
- غرامات الموردين أو رسوم التخزين
- نافذة الطقس البحرية وتأثيرها على فرص التنفيذ
- أثر التأخير على عقود بيع الكهرباء (PPA)
الذكاء الاصطناعي (مع نماذج محاكاة) يمكنه بناء سيناريوهات وربطها بقرارات عملية:
- هل نزيد المخزون من قطع الغيار الآن أم نؤجل؟
- هل نُعيد ترتيب أولويات الأعمال في الموقع لتقليل الخسارة اليومية؟
- هل نفاوض الممول على إعادة جدولة السحب؟
ما الذي يعنيه هذا لعمان؟ الدرس ليس “أمريكا” بل “التعقيد”
الرسالة الأساسية من خبر أورستد وإكوينور ليست مناكفة سياسية، بل حقيقة تشغيلية: المشاريع الكبرى تتأثر بالحوكمة بقدر ما تتأثر بالهندسة. وعمان—بحكم تنوع محفظتها بين النفط والغاز والمتجددة—تحتاج أن تُدار المشاريع بعقلية تجمع ثلاث دوائر:
- التشغيل (الإنتاج/الإنشاء/السلامة)
- التنظيم والامتثال (تصاريح/بيئة/حوكمة بيانات)
- الاقتصاديات (تمويل/عقود/مخاطر سوق)
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي “لغة مشتركة” بين هذه الدوائر.
تطبيقات قريبة من واقع الشركات في عمان
- في النفط والغاز: أنظمة ذكاء اصطناعي للصيانة التنبؤية تقلل توقفات غير مخطط لها، لكن يمكن توسيعها لتشمل مخاطر الامتثال (مثل تقارير الانبعاثات، وسجلات السلامة، ومتطلبات التدقيق).
- في الطاقة المتجددة: تحسين التنبؤ بالإنتاج (Wind/Solar Forecasting) مهم، لكنه لا يكفي دون منصة تربط الإنتاج بـالتزامات الشبكة واتفاقيات التزويد ومتطلبات الجهات التنظيمية.
- في المشاريع المشتركة: إدارة أصحاب المصلحة (جهات حكومية، موردون، ممولون، مجتمع) يمكن دعمها بتحليلات نصية للمراسلات لتحديد نقاط الخلاف قبل تفاقمها.
أنا أميل لاعتبار هذا “ترقية أساسية”: الانتقال من إدارة مشروع تعتمد على خبرة أفراد إلى إدارة مشروع تعتمد على ذاكرة مؤسسية رقمية تقرأ وتراقب وتنبّه.
خطة عملية: كيف تبدأ مؤسسة طاقة في عمان باستخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة المخاطر؟
البدء لا يحتاج “مشروع تحويل ضخم” من اليوم الأول. الأفضل مسار صغير وواضح خلال 90 يومًا.
1) اختر حالة استخدام واحدة قابلة للقياس
أفضل الخيارات عادة:
- تتبّع التزامات الامتثال في مشروع محدد
- مؤشر مخاطر تنظيمي لمجال واحد (مثل تصاريح بيئية أو ربط الشبكة)
- نموذج سيناريوهات للتأخير والتكلفة لمشروع إنشائي
ضع مقياس نجاح رقمي مثل:
- خفض زمن تجهيز وثائق الامتثال بنسبة 30%
- تقليل الملاحظات التنظيمية المتكررة بنسبة 20%
- تقليل تكلفة التأخير المتوقعة عبر إعادة الجدولة
2) نظّف البيانات قبل أن تشتري أدوات
الذكاء الاصطناعي يتعثر عندما تكون البيانات مبعثرة بين البريد الإلكتروني، ملفات PDF، أنظمة مختلفة، وملفات محلية. أنشئ:
- مستودع وثائق موحد
- تسمية معيارية للملفات
- صلاحيات واضحة (من يرى ماذا)
3) ابنِ فريقًا صغيرًا متعدد التخصصات
أفضل فريق أولي عادة:
- ممثل من التشغيل/المشروع
- ممثل من الامتثال أو الشؤون القانونية
- محلل بيانات/مهندس بيانات
- راعٍ تنفيذي يحمي المشروع من البيروقراطية
4) ضع “حوكمة” واضحة للقرارات
مخرجات الذكاء الاصطناعي ليست قرارًا نهائيًا. هي توصية تحتاج سياقًا. لذلك:
- من يراجع التنبيهات؟
- ما عتبة المخاطر التي تستدعي تصعيدًا؟
- كيف نوثق القرار ولماذا اتخذناه؟
هذه الحوكمة هي ما يمنع الفوضى عندما يبدأ النظام بإرسال إشارات كثيرة.
ما بعد خبر الإيقاف: الطاقة تحتاج ذكاء إدارة بقدر حاجتها ذكاء تقني
تعطيل مشاريع الرياح الأمريكية—ثم الطعون القانونية عليها—يؤكد أن مستقبل الطاقة ليس سباق معدات فقط، بل سباق قدرة على الصمود أمام التقلب التنظيمي والمالي والتشغيلي. الشركات التي تربح ليست التي تبني أسرع فحسب، بل التي ترى المخاطر قبل أن تتحول إلى توقف مكلف.
وفي سياق عمان، هذه فرصة واضحة: إذا كان الذكاء الاصطناعي يرفع كفاءة الإنتاج ويقلل الحوادث، فهو أيضًا قادر على تحسين جاهزية المشاريع، وتسريع الامتثال، ورفع وضوح القرار أمام الإدارة والممولين.
السؤال الذي يستحق أن يُطرح داخل كل مؤسسة طاقة اليوم: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين ما نفعله فقط، أم لبناء نظام يمنع توقفنا أصلًا؟